صواريخ إيران الباليستية إرادة طهران السياسية فى مواجهة نزاع أمريكى مستمر

06/01/2016 - 12:05:48

بقلم - عميد: طارق الحريرى باحث فى شئون السلاح والاستراتيجية

أعلنت قنوات غير رسمية أن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أجلت توقيع عقوبات على إيران بعد تفجر أزمة بين البلدين بشأن مشروع تطوير الصواريخ الباليستية، الذى تتبناه طهران التى نجحت أن تحقق فى تطوير هذا المشروع خطوات يمكن أن تدفع بها فى خلال سنوات إلى مصاف الدول الكبرى المصنعة لهذه النوعية من هذا السلاح الإستراتيجى، ولقد أظهرت إيران إرادة سياسية عنيدة ودءوبة منذ ثمانينيات القرن الفائت، لا تقل عن تلك التى انتهجتها من أجل تأكيد حقها فى تخصيب اليورانيوم على أرضها وامتلاك المعرفة العلمية الكاملة لتكنولوجيا الطاقة النووية، أسوة بكثير من دول العالم شرقا وغربا، باعتبار أن هذا التوجه لا يتنافى مع المواثيق الدولية، التى أوجبت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية التى ترعاها هيئة الأمم المتحدة كمنظمة مستقلة غير حكومية، تهدف إلى تشجيع الاستخدامات السلمية للطاقة النووية والحد من التسلح النووي، ويناط بها مهام القيام بأعمال الرقابة والتفتيش والتحقيق في الدول التي تمتلك منشآت نووية.


تجاذب لخيوط صراع متواصل


وفيما أشارت صحيفة “وولستريتجورنال” الخميس ٣١ ديسمبر إلى أن البيت الأبيض قرر إرجاء قراره المتعلق بتبني عقوبات جديدةعلى إيران مرتبطة ببرنامجهاللصواريخ البالستية بعد أن كانت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تتأهب لفرض عقوبات على نحو ١٢ من الشركات والأفراد في إيران والإمارات العربية المتحدة وهونغ كونغ لدورها في المساعدة على تطوير برنامج إيران للصواريخ الباليستية، لكن فى حقيقة الأمر فإن المطلب الأمريكى بإيقاف برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانى لايستند إلى مواثيق دولية أو معاهدات تنظم أنشطة هذا المجال العسكرى، مثلما هو متبع فى استخدمات الأسلحة النووية والعمل على منع انتشارها، ومعاهدتى حظر انتاج واستخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وربما كان هذا سببا فى محاولة الولايات المتحدة الوصول إلى تفاهمات فى مجال تصنيع وتطوير إنتاج الصواريخ الباليستية، التى يبدو أن طهران عاقدة العزم على المضى قدما فى تعظيم مشروع إنتاجها، لكن هذا لاينفى صحة المخاوف من تصاعد وتيرة تطوير برامج الصواريخ الباليستية، التى تحمل فى طياتها إمكانية تحميلها برءوس نووية مستقبلا، لاسيما أن هناك تقارير غير مؤكدة عن حصول طهران على أكثر من رأس نووى صغير ومتوسط القيمة فى فترة انهيار الاتحاد السوفيتى، وهى تقارير لايستبعد عدم وجود أى أساس لها من الصحة لا تنفيها إيران كأداة متاحة للردع بالشك، وروّجت لها دوائر المخابرات فى الغرب لاستخدامها كوسيلة غير معلنة فى كواليس التفاوض للضغط فى اتجاه فرض العقوبات على إيران قبل الوصول إلى الاتفاق الأخير لمجموعة ٦+١ وربما كانت طبيعة الأزمة الحالية بين واشنطن وطهران التى تدرك بالتأكيد هشاشة الموقف الأمريكى - قياسا على مشكلة تخصيب اليورانيوم فى مفاعلات إنتاج الطاقة النووية - مدعاة لنبرة التحدى على لسان أحد كبار مسئولى الدولة الإيرانية عندما صرح أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام القائد السابق لقوات حرس الثورة محسن رضائي قائلا: «إن الدفاع عن المصالح الوطنية للبلاد فى مواجهة نوازع أمريكا لن يتم إلا بالرد عليها مضيفا أن الساسة الأمريكيين بعد مضي أكثر من ثلاثة عقود على انتصار الثورة الإسلامية في إيران لايريدون الاعتراف رسميا باستقلال وقدرة إيران ويعملون على التدخل في الشئون الداخلية للبلاد كما كانوا يفعلون إبان العهدين البهلوي والقاجاري» ولأن محسن رضائى يدرك عدم استناد الولايات المتحدة إلى قواعد وأعراف دولية تمادى إلى درجة تلميح غير مسبوقة، وصلت فى نبرتها إلى التهديد المبطن قائلا فى رسالة منه إلى الرئيس الإيرانى حسن روحانى «لاشك أنه عرف برفع مدى صواريخنا الدفاعية إلى خمسة آلاف كيلومتر؛ لتكون قادرة على أن يطول مداها أهدافا منها القاعدة الجوية الأمريكية في جزيرة دييجو جارسيا التي انطلقت منها الهجمة الأمريكية على طبس في إيران، فإن أمريكا ستندم على فعلتها، وستعلم وقتها أنه لاجدوى من مثل هذه الإجراءات»، وطبس التى ذكرها رضائى هى منطقة فى صحراء نائية، كانت المحطة الأولى لهبوط الطائرت والقوات الأمريكية الخاصة من مجموعة دلتا الشهيرة، فى عملية أطلق عليها «مخلب النسر» تمت فى الرابع والعشرين من شهر أبريل عام ١٩٨٠ لكنها منيت بالفشل قبل أن تكتمل، وكانت هذه العملية تهدف إلى تحرير الرهائن فى السفارة الأمريكية فى طهران، هنا يتبادر للذهن تساؤل هو لماذا الصواريخ الباليستية تحديدا، وهو سؤال يجب أن تسبق الإجابة عليه نبذة عن طبيعة هذه الصواريخ وقدرتها.


الصاروخ الباليستى


هو صاروخ يتجاوز مداه ١٥٠ كم فى حده الأدنى، ويصل فى حده الأقصى إلى ١٣ ألف كم، وهو مايطلق عليه الصاروخ العابر للقارات، ولا تمتلك نوعية صواريخ الحد الأقصى سوى الولايات المتحدة وروسيا والصين، وبصفة عامة فإن صناعة الصواريخ الباليستية تحتاج إلى تكنولوجيا صعبة ومعقدة؛ إذ يجب أن تتوفر له أجهزة تحافظ على اتزان الصاروخ طوال مسار الحركة حتى وصوله للهدف، لأن استهلاك الوقود طوال الرحلة يؤدى إلى اختلاف مركز ثقل الصاروخ، كما أن مادة الدهان الخارجى هى أحد أسراره، لأن الصاروخ أثناء طيرانه يخترق الغلاف الجوى فى طبقاته القريبة والمتوسطة، وهذا الاختراق يمكن أن يسبب احتراقه، مثلما نرى الشهب الهابطة من السماء والحكمة من الخروج من الغلاف الجوى هى تحرير الصاروخ من الجاذبية؛ حيث يتمكن من الطيران لأطول فترة ممكنة، وهذا يوفر كثيرا من الوقود، مما يساعد على زيادة وزن الرأس الحربى الذى يحتوى على المادة شديدة الانفجار أو الرأس النووى، ويطير الصاروخ فى ثلاث مراحل الأولى رأسية من لحظة الإطلاق حتى الوصول إلى الغلاف الجوى، والثانية أفقية تعقب خروجه من الغلاف الجوى، وهى المسافة الأكبر فى المسار، وتستمر حتى بداية المرحلة الثالثة، عندما يبدأ الصاروخ فى الاختراق العكسى للغلاف الجوى فى طريقه النهائى نحو الهدف، وتعمل الصواريخ الباليستة بنوعين من الوقود، أولهما والأقدم هو الوقود السائل، والثانى والأحدث هو الوقود الجاف، ولكل منهما مميزاته وعيوبه، التى لايتسع المجال لذكرها فى هذا المقام، وأخيرا هناك دمج بينهما، يستخدم فيه الوقود السائل فى مراحل والوقود الجاف فى مراحل أخرى وتاريخيا لم تعرف بتاتا الصواريخ لكل دول العالم إلا بعد سقوط ألمانيا النازية صاحبة السبق فى هذا المجال، حيث أنشأ الألمانى «فيرنير فون براون» صاحب الفكرة والتنفيذ المشروع الأمريكى لإنتاج الصواريخ الباليستية وصواريخ الفضاء بعد الحرب العالمية الثانية.


المشروع الإيرانى الجموح


بدأت إيران فى العمل الجاد والدءوب وقد اعترتها إرادة سياسة صلبة فى تبنى مشروعها القومى لصناعة الصواريخ الباليستية، رغم كل المعوقات الضخمة فى ظل حصار الغرب لها، والسبب الذى دفع المخطط السياسى والعسكرى فى إيران لتبنى هذه الاستراتيجية هو الإدراك النابه المبكر فى النصف الثانى من الثمانينيات من القرن العشرين بعد انتهاء حرب الخليج الأولى للتراجع الفادح للقوة الجوية نتيجة تعرض البلاد لحظر بيع السلاح وقطع الغيار، ويمكن القول إن طهران تعانى من تدهور سلاحها الجوى حتى الآن، ما يجعلها من أضعف دول إقليم الشرق الأوسط فى هذا المجال لهذا اتجهت إيران فى ذلك الحين بناء إلى قدراتها الذاتية فى امتلاك سلاح ردع يعوضها بنسبة كبيرة عن الطائرات الحربية، ولم يكن هناك بديل عن الصواريخ الباليستية، وهو المشروع الذى قطع أشواطا بعيدة ومتقدمة، يضع هذه الدولة فى مصاف الدول الكبرى القليلة فى هذا المجال، وحتى لايبدو الأمر مقتصرا عليها بين الدول الكبرى تشاركها فى برامج الصواريخ الباليستية المتقدمة كل من إسرائيل وكوريا الشمالية، وكان لمصر مشروع قديم لإنتاج الصواريخ الباليستية فى الستينيات توقف بعد نكسة يونيو ١٩٦٧ ثم جدده المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة فى ثمانينيات القرن الفائت بالتعاون مع الأرجنتين والعراق قطع شوطا كبيرا، لكن الرئيس الأسبق حسنى مبارك أوقف استمرار تجارب المشروع بناء على ضغوط أمريكية انتهت بالإطاحة بأبو غزالة، فى ذلك الوقت كانت إيران تبدأ مشروعها الذى كان مرصودا من دول الغرب، لكن المخاوف الحقيقية من صواريخ إيران كانت مضاعفة لدى إسرائيل، التى كانت مصابة بقلق كبير، لسببين أولهما أنها سوف تصبح فى مرمى قواعد صواريخ طهران، وثانيهما أن تفوقها الإقليمى فى هذا المجال سوف يتراجع، وهنا تجب الإشارة إلى أن إيران خاضت مخاضا صعبا للوصول إلى تحقيق المستوى الحالى، فمن المعروف أن تجارب الوصول إلى مستوى تحقيق المهمة قد تستدعى مئات إن لم يكن آلاف التجارب الفاشلة قبل أن تنجح إمكانيات الطيران فى مسار صحيح، والوصول إلى المدى الذى تم تخطيط له بالدقة المفروضة، وكل الدول التى خاضت غمار صناعة الصواريخ مرت بهذه المراحل بما يتبعها من تكبد تكاليف مادية وجهد علمى وتقنى مضن ومتواصل، واللافت أن الإيرانيين كان من ضمن نجاحاتهم قدرة الوصول إلى تصنيع واستخدام الوقود الجاف الذى يتيح الإطلاق الفورى، على عكس الوقود السائل، كما أنهم نجحوا فى إطلاق الصواريخ من صوامع تم حفرها تحت سطح الأرض لحماية الصواريخ من هجمات الطيران المعادى فى قواعد الإطلاق وأماكن التخزين التقليدية فوق سطح الأرض.


سعت إيران منذ ثلاثين عاما بإرادة سياسية متعافية ومتعاظمة إلى تحقق هدف امتلاك سلاح ردع استراتيجى، وهى اليوم تمتلك بالفعل صواريخ باليستية يتجاوز مداها ٢٠٠٠ كم، وهذا لايتحقق إلا بتوفر قاعدة علمية قوية وجهاز مخابرات نشيط ونافذ، استطاع أن يحصل على معلومات ومواد استراتيجية من أماكن مختلفة فى العالم، حتى تمكن هذا المشروع من أن يرسى بنية أساسية قادرة على تحقيق هذا الإنجاز وهو ما حدا بأكثر من مسئول سياسى وعسكرى أمريكى إلى التنويه أن إيران فى طريقها لأن تكون القوة الكبرى فى إقليم الشرق الأوسط، لذلك تحاول الولايات المتحدة أن تكبح طهران باعتبارها قوة مناوئة، وتتعارض معها المصالح فى الإقليم، لذلك عملت واشنطن بطريق غير مباشر على إذكاء فكرة قيام هلال سنى لمحاصرة الهلال الشيعى وجر المنطقة إلى حرب طائفية، مما يزيد من قدرة واشنطن على إدارة الصراع، بما يخدم مصالحها فى وقت تخلص فيه العالم من الحروب الدينية والطائفية بين الدول، وإذا كانت القوة العسكرية تعتمد على أدوات بعينها، فمن الواضح إن الإيرانيين قد أحسنوا اختيار أدواتهم، لكن مكانتهم الحقيقية فى الإقليم لن تعلو وتتجذر ما لم يستطيعوا أن يقيموا جسورا من التفاعل الخلاق والتعاون المثمر بعيدا أوهام القوة ومطامعها وتطلعات أصحابها التى دائما ما تفضى إلى المنازعات والتشاحنات لاشك أن الصواريخ مهمة وضرورية لتحقيق التوازن الاستراتيجيى لاسيما فى إقليم يموج بالاضطرابات والتشرذم وتهديدات عنصرية من إسرائيل، لكنها لاتصنع السلام والاستقرار على المدى البعيد، فهاهى أوروبا بعد حربين عالميتين أدركت الحقيقة وأقامت السوق الأوربية المشتركة التى تحولت إلى الاتحاد الأوربى، وفى أمريكا اللاتينية تنشأ أطر لتعاون جاد، أما عن الصراع بين إيران وأمريكا فهو مستمر إلى أن تتلاقى المصالح يوم ما.