خطة تركيا لحصار مصر من بوابة غزة

06/01/2016 - 12:02:35

بقلم - السيد عبد الفتاح مدير مركز القاهرة للدراسات الكردية

سجلت المحاولات التركية الحثيثة للإضرار بمصر طوال السنوات الماضية عقب إسقاط نظام الإخوان المسلمين ، فشلاً ذريعاً ، سواء باستضافتها قيادات وكوادر الجماعة الهاربين ، والذين فتحت لهم أبوابها واسعة وأتاحت لهم المجالات الإعلامية والسياسية للإساءة إلى مصر ونظامها الحاكم ، وخططت حملة ضخمة لترويج الشائعات والأكاذيب راهنت على أن تضر بسمعة مصر دولياً . أو بمشاركتها غير العلنية في كل المحاولات الإرهابية لتهديد الأمن القومي المصري والاستقرار فيها ودعمها غير المحدود للجماعات الإرهابية المتشددة في مصر للقيام بعملياتها في سيناء .


ورغم هذا الفشل الذريع يبدو النظام التركي برئاسة رجب طيب أردوغان أكثر تصميماً على المضي قدما في مخططاته لضرب مصر ونظامها السياسي وتهديد أمنها القومي ، ولا تدخر أنقرة جهداً ولا تتردد في القيام بكل ما من شأنه تحقيق أهدافها تجاه مصر ، حتى لو كان ذلك بعودة علاقاتها مع إسرائيل ، رغم أن تركيا تنصب من نفسها الدولة الأمينة على القضايا العربية والإسلامية وفي القلب منها القضية الفلسطينية ، وكم من مرة مارس أردوغان وأركان نظامه «التمثيل» في تصريحات ومواقف سينمائية مقصود منها «دغدغة» مشاعر العرب والمسلمين وإيهامهم بأن تركيا هي زعيمة العالم الإسلامي التي ترفض الاعتراف بإسرائيل ، ولا ننسى الموقف التمثيلي لأردوغان وانسحابه من أحد المؤتمرات في وجود الرئيس الإسرائيلي، اعتراضا منه كما زعم على ممارسات إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني .


آخر محاولات تركيا للإضرار بمصر تأتي هذه المرة عبر بوابة إعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل ، وتحت ستار رفع الحصار عن غزة ، فيما الهدف الأهم في الأمر هو حصار مصر وتهديد أمنها القومي وتحييد دورها المحوري في حل القضية الفلسطينية .


لقاءات سرية في سويسرا لإعادة العلاقات


شهدت العلاقات المتميزة التاريخية بين إسرائيل وتركيا توتراً كبيراً انقطعت على أثره عقب حادث السفينة مرمرة التي كانت تقل ناشطين أتراكا توجهوا إلى غزة لكسر الحصار عنها ، إلا أن البحرية الإسرائيلية اقتحمت السفينة وقتلت عدداً ممن على متنها .


ومؤخراً كشف مسئولون إسرائيليون عن سلسلة لقاءات سرية عقدوها مع مسئولين أتراك في سويسرا لبحث عودة العلاقات بين البلدين ، وأن هذه اللقاءات أسفرت عن الاتفاق على إعادة تطبيع العلاقات وإعادة افتتاح السفارتين وعودة الدبلوماسيين والعلاقات الاقتصادية والعسكرية كما كانت من قبل .


ولم يكن غريبا في ظل هذه الحميمية أن يصرح المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا قائلا :» لا يوجد اتفاق ملموس، ولكن بعيدا عن هذه المسألة فإن إسرائيل وشعبها أصدقاء لتركيا»!!


وأن «تركيا في حاجة إلى إسرائيل»، على غرار إسرائيل التي تحتاج أيضاً إلى تركيا في منطقة الشرق الأوسط، داعياً إلى المضي في تطبيع العلاقات بين البلدين التي توترت منذ عام ٢٠١٠.


وقال الرئيس التركي في تصريح يوم السبت الماضي إن «إسرائيل في حاجة إلى بلد مثل تركيا في المنطقة. وعلينا أيضاً القبول بحقيقة أننا نحن أيضاً في حاجة إلى إسرائيل. إنها حقيقة واقعة في المنطقة».


وأضاف أردوغان أنه «في حال تم تطبيق إجراءات متبادلة بشكل صادق سنصل إلى تطبيع العلاقات لاحقا».


هكذا أعلنها أردوغان صريحة ، لكنه حرص كالعادة على أن «يغلف» تحركاته ومواقفه بـ» المبادئ «و»الإنسانية» فقال إن لتركيا ٣ شروط لإعادة تطبيع علاقاتها مع تل أبيب ، أولها الاعتذار عن حادث سفينة «مرمرة» ، والثاني دفع تعويضات بالملايين لذوي الضحايا ، أما الشرط الثالث فهو فك الحصار عن غزة ، وهنا مربط الفرس في كل هذه التحركات التركية .


لماذا يعود أردوغان إلى إسرائيل ؟


تجيب صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» الأمريكية عن هذا السؤال ، في تحليل حديث لها بأن السبب هو»تدهور علاقات تركيا مع روسيا الذي يهدد واردات الغاز التركية»


وتضيف إن استعادة تركيا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل يحمل مغزى ،حيث تدخل في صراعات في سوريا والعراق وهناك تأثير محتمل كبير على إمداداتها من الطاقة.


ويأتي ذوبان الجليد الذي طال انتظاره - حسب الصحيفة - في وقت يرى فيه الرئيس التركي أردوغان نفسه في عزلة متزايدة من جيرانه بسبب الحرب في سوريا، حيث أسقطت تركيا طائرة حربية روسية ، وتوترت علاقات بلاده مع إيران، كما أثار نشر قوات تركية في شمال العراق خلافا مع بغداد.


ويقول محللون إن الدافع وراء توقيت هذه المصالحة إلى حد كبير يكمن في تداعيات خلافات أنقرة مع موسكو. فالجانبان على طرفي نقيض من الحرب في سوريا - فالحملة الجوية الروسية تدعم الرئيس السوري بشار الأسد في حين تدعم تركيا -العضو في حلف شمال الأطلسي- المتمردين المناهضين للأسد. وترى الصحيفة أن هذه الخطوة من تركيا تكتيكية لتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين في أعقاب تدهور العلاقات مع روسيا».


أما عن أسباب الجانب الإسرائيلي فترجعها الصحيفة إلى أن تل أبيب لديها طموحات خاصة لتصدير الغاز، حيث انتهت من خطة لتطوير حقل ثان كبير في البحر المتوسط ، وتسعى لجذب عملاء جدد لشراء الغاز، واستئناف العلاقات مع تركيا يمهد الطريق أمام محادثات لمشروع خط أنابيب محتمل تحت البحر لتوصيل الغاز الإسرائيلي إلى جنوب تركيا.


حصار مصر وتهديد أمنها القومي


المؤكد في الأمر أن من بين أهم أهداف أردوغان في التقارب الأخير مع إسرائيل هو الإضرار بمصر وتهديد أمنها القومي عن طريق التواجد على حدودها المباشرة في غزة ، ولتحقيق ذلك يشترط الرئيس التركي على تل أبيب وحسبما كشفت صحف إسرائيلية مؤخراً ، إن تركيا تطالب إسرائيل بمنحها موطئ قدم في إدارة قطاع غزة مقابل تطبيع العلاقات بينهما.


وكانت بعض التقارير في الصحافة التركية قد تحدثت سابقاً عن طلب تركي تقدم به الوفد المفاوض التركي للجانب الإسرائيلي بضرورة السماح للتنقل البحري الحر بين كل من غزة والأراضي التركية.


وكان محمد شتية، القيادي في حركة فتح، حذر من التدخل التركي في شئون قطاع غزة ، وأن إسرائيل أشارت إلى وجود محاولات تركية لإخراج غزة من سيطرة السلطة الفلسطينية وجعلها تابعة للإدارة التركية.


ووفقا للمخطط التركي فإن أنقرة بوجودها في قطاع غزة وفتح طريق بحري حر بين القطاع وتركيا ، فإن معبر رفح الذي تسيطر عليه مصر سيصبح بلا أهمية ، كما أن تركيا تستطيع من خلال طريقها البحري المباشر إدخال ما تريد من إرهابيين وأسلحة وغيرها بما يهدد الأمن القومي المصري ، علاوة على أن أنقرة تطمح إلى تقليص الدور المصري المحوري في القضية الفلسطينية والنزاع العربي الإسرائيلي بتقليل أهمية الأوراق التي بيد مصر في هذا الشأن ما يسحب البساط الفلسطيني من مصر ويُمكّن أكثر لحركة حماس ومعها قطر صاحبة المشاريع الضخمة في غزة ، وتركيا صاحبة الدور السياسي والأمني بموافقة تل أبيب التي هي الأخرى لايضرها التأثير في الموقف والدور المصري ، وزيادة المهددات لأمن مصر القومي بما يعود عليها بالفائدة بلا شك .


وفي هذا الإطار تتمكن تركيا من تثبيت حكم حماس في غزة وربما فصلها مستقبلا عن السلطة الفلسطينية وهو أمر يفيد تركيا وحماس وتل أبيب في نفس الوقت .


إسرائيل ترفض الشرط التركي


حتى الآن فإن تل أبيب وافقت على الشرطين الأول والثاني اللذين وضعتهما أنقرة لإعادة العلاقات ، والخاصين بالاعتذار ودفع التعويضات لذوي الضحايا ، لكنها مازالت متحفظة ورافضة للشرط الثالث الذي يتيح لتركيا تواجداً ودوراً في قطاع غزة .


وقبل أيام ذكرت صحيفة «إسرائيل اليوم» المحسوبة على حزب الليكود الذي يتزعمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أن تركيا طلبت هذا الأمر خلال الحرب الأخيرة على غزة ،لكن نتنياهو اتخذ حينها قرارا استراتيجيا وفضل البوابة المصرية ورفض تدخل تركيا».


ووفقا لمصادر سياسية إسرائيلية يبدو أن حكومة نتنياهو لن تستجيب هذه المرة أيضا للطلب التركي، ولن تمنح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان موطئ قدم في إدارة قطاع غزة».


ويوم الجمعة الماضي قال نتنياهو خلال جلسة عقدتها كتلة الليكود البرلمانية :»نجري اتصالات مستمرة ومكثفة مع تركيا، لكننا لم نتوصل حتى الآن لتفاهمات وذلك لسبب بسيط هو أننا نريد ونطالب بضمان توقف أي نشاط إرهابي على الأراضي التركية أو انطلاقا منها، وأيضا وكما هو معروف لا ننوي إطلاقا تغيير سياسة الإغلاق البحري التي ننفذها لأنني لا أستطيع التنازل عن أمن إسرائيل».


لكن رغم هذا الرفض فإن الموقف الإسرائيلي ربما يكون أكثر مرونة في الأيام المقبلة ، نظراً للإغراءات التي يمكن أن تقدمها تركيا ، ونظراً للفوائد التي ستعود على تل أبيب من عودة العلاقات مجدداً . كما أن الأمر قد يفيد إسرائيل من حيث أنها كدولة احتلال يمكنها التخفيف من حجم الضغوط الدولية عليها بأن تشرك دولة مثل تركيا معها في مسئولية الإشراف على إدارة غزة ، وهو أمر يحقق من ناحية أخرى مزيدا من الفرقة والانقسام بين قطاع غزة ورام الله حيث السلطة الفلسطينية .


هذا السيناريو ليس مستبعداً خاصة وأن هناك رغبة قوية من إسرائيل في عودة العلاقات مع تركيا ، علاوة على أن الولايات المتحدة تشجع هذه الخطوة وبالتالي فإنها ربما تضغط على تل أبيب للقبول بالشرط التركي الذي سيكون حينها مقيداً بعدة قيود تكفل لإسرائيل الاطمئنان . بالإضافة إلى ذلك فإن إسرائيل تعتبر علاقاتها مع تركيا استراتيجية وتاريخية . ومع أن هذه العلاقات قائمة على المصالح فإن احتمالات طغيان هذه المصالح على أي اعتبار أو مخاوف لدى إسرائيل يكون قوياً، مع الوضع في الاعتبار أن الرغبة التركية الأكيدة في هذا الصدد ستضغط عليها للاستجابة لأي طلبات تريدها تل أبيب .


لاشك أن مصر تدرك هذه المخاطر جميعا ، وتعلم تماما الدوافع التي تحرك تركيا للمضي قدما في تحقيق هذا المخطط ، ولاشك أن الأجهزة السيادية المصرية لديها الخطط الكفيلة لمواجهة التحرك التركي وإفشاله في المهد . والمؤكد أن مصر لديها من الأوراق ما تستطيع به مواجهة مثل هذه المخططات التي تهدد أمنها القومي وهو خط أحمر لن تسمح مصر بكل مؤسساتها لأحد بتجاوزه .