عفريت 25 يناير لن ينصرف

06/01/2016 - 12:14:06

بقلم - نجوان عبد اللطيف

عفريت ٢٥ يناير أصاب جهات كثيرة بهستيريا ولوثة جعلتها ترتكب أفعالا إذا سطرناها بجوار بعضها البعض لأصبح المشهد مخيفًا ومؤلمًا، هم يتكالبون ويسرعون الخطى من أجل مصر التى لا نريدها، يفتحون كل يوم جرحا جديدا بدلا من أن يلملموا جراحه القديمة، يستفزون الكبار قبل الصغار ممن حلموا بها، التى تفتح أرضها وسماها للمثقفين والمبدعين من عالمها العربي، تحاول أن تواجه الفكر المتخلف الذى جذب العالم العربى للوراء، بالسماح لأصحاب الاجتهادات الجديدة بطرح أفكارهم دون خشية أن يكون بها شطط أو جموح، فلديها من العلماء والمفكرين من يستطيعون مواجهة الفكر بالفكر والحجة بالحجة .


أحداث متلاحقة خلال الأيام الأخيرة.. الحكم بحبس إسلام البحيرى عامًا بتهمة ازدراء الأديان، اقتحام دار ميريت للنشر والقبض على أحد موظفيها،إغلاق جاليرى تاون هاوس ومسرح روابط بالشمع الأحمر،القبض على الصحفى محمود السقا، والقبض على بعض النشطاء،وأخيرًا، منع الأستاذة الجامعية التونسية والكاتبة المتميزة أمال قرامى من دخول مصر، تلبية لدعوة من مكتبة الإسكندرية لتقديم محاضرة حول «تقييم مناهج البحث فى التطرف والإرهاب.. الحصيلة والمقترحات», ولنبدأ من حكاية الأستاذة التونسية..


تعرضت قرامى للحجز فى مطار القاهرةعند وصولها عصر الأحد الماضي، واستمرت قيد الحجز والمساءلة لدى جهات أمنية بالمطار حتى فجر اليوم التالى لترحل إلى بلدها تونس، حاملة معها ذكرى أليمة سطرت تفاصيلها على صفحتها فى موقع التواصل الاجتماعى ( فيس بوك)، ورغبت أن أنشره بالكامل لعل من بيدهم الأمر يدركون كيف تسىء هذه الأجهزة بحماقتها لهذا البلد الذى تصر على تقزيمه وسحب قوته الناعمة على خطى مبارك ونظامه.


« تكتب أمال قرامى :(دعيت لتقديم محاضرة حول «تقييم مناهج البحث فى التطرف والإرهاب.. الحصيلة والمقترحات»، ثم أُعد فى خانة الإرهابيين.. تستوى الأضداد!!، حين يغدو قلمى صنو السيف والرمح والكلايشنكوف مهددًا لأمن البلدان؛ أقول ذاك هو العجب العجاب فما الذى اقترفت يدي؟».


«حين يسحب منك هاتفك وحاسوبك ويقال لك إلى التحقيق يامحجوزة.. تفكر أكثر مرة.. فى معنى التطرف والإرهاب، حين تحجز من الساعة الرابعة والنصف مساءً إلى الثامنة والربع صباحًا ترى وتعاين وتخاطب فئات متعددة.. السورى صاحب التأشيرة «المضروب» والملتحي، والمهربين للمخدرات والإفريقيات الطامعات فى العمل.. كلها فئات تودع فى الحجز.. تتساءل: وإذا المحجوزة حجزت بأى ذنب صودرت حقوقها؟، الحق فى أن تعرف ما وجه الخطورة فى الاشتغال بالفكر؟ والحق فى أن تحفظ كرامتها، والحق فى أن يتعامل معها تعاملا إنسانيا؟». 


«حين تساق إلى غرفة الاستحمام برفقة أمنى وحين تساق إلى الطائرة ويصحبك الأمن ويرافق المرافق حتى تسليمك إلى الأمن التونسي.. وحين تجرد من جواز سفرك تغدو بلا هوية.. تتساءل من أنا؟.


" القصة ذكرتنى بمسلسل " ليلة لبقبض على فاطمة " وتساءلت هل أن مقالاتى بالشروق المصرية طيلة 3 سنوات مزعجة إلى هذا الحد ؟ هل هى مواقفى ؟ هل هى ؟ هل هى ؟ .. المهم أننى عرفت اليوم ما معنى أن تتحول إلى person non desiderata


من المضحكات المبكيات.. زميلى الملتحى فى الحجز قال لى ادعيلى يادكتورة.. حيفرج الله عليك مش من مقامك الحجز.. خرج زميلى الملتحى بعد التحقيق سالمًا وحجزت للتحقيق المطول..


أشكر مكتبة الإسكندرية لكل جهودها المبذولة واعتذارها ومحاولاتها المتعددة لتنتزع لى إذنا بالدخول وأرجو أن يتفهم المسئولون لم أصررت على العودة إلى بلادى ورفضت محاولات تبذل فى سبيل دخول أرض مصر».


«مصر أم الدنيا.. مصر الثقافة.. الأدب والفن.. أقسمت أن لا أدخل بلدا غدوت فيه مهددة للأمن القومى زرت بلدانا عديدة سربيا، لوتوانيا، ماليزيا، الهند، تانزانيا، أوربا، الولايات الأمريكية المتحدة، العالم العربي.. وحظيت فيها بتكريم رؤساء الدول وعوملت معاملة قلما يحظى بها المثقف فى بلده وشعرت بالفخر والاعتزاز.. ما معنى أن تكونى تونسية ومع الأمن الوطنى المصرى أدركت ما معنى أن تكونى «امرأة ونصف» لا تصمت حتى وإن احتجز الحاسوب والقلم.. تنطق.. تندد.. وتأبى أن تعامل باعتبارها محجوز.»».


كلمات موجعة لمن يدرك حجم هذا البلد، ماذا فعلت الأستاذة فى كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منٌوبة بتونس وحاصلة على الدكتوراه عن موضوع الردة فى الفكر الإسلامى، وكما حصلت على دكتوراه الدولة وفى موضوع «الاختلاف فى الحضارة العربية والإسلامية» ولها إسهامات كثيرة فى قضايا الحريات وحقوق المرأة وحقوق الإنسان. ويشير أحد المواقع التونسية إلى أنه ربما ماحدث لها فى مطار القاهرة واعتراض السلطات لدخولها له علاقة بتصريحاتها الأخيرة حول أن القرآن ليس به عقاب للمثليين، وأن بعض الخلفاء كان فى بيوتهم غلمان، تجنبًا لما قد يثيره حضورها من توتر، ولكن البعض الآخر يرجع موقف الجهات الأمنية من مقالاتها، التى تنشرها صحيفة الشروق المصرية، رغم أنها لم تتناول ذات مرة الوضع الداخلى فى مصر إلا أن آراءها حول ما يجرى فى تونس تحمل فى طياتها إسقاطات على مصر حتى ولو عن غير قصد، فهى فى مقالاتها الأخيرة تتحدث عن قمع الحريات فى مقال حريات حريات، وعن قيام البعض من قيادات الحزب الحاكم بتشويه بعض من معسكرهم فى مقال».


فضح المستور، حيث كتبت عادة ما يضطر السياسيون إلى تبنى سلوك قائم على تصيد زلات خصومهم وبث الشائعات والتنقيب عن وثائق تؤكد الانحراف أو تثبت إخفاء الحقائق أو التزوير.. وكثيرا ما يبرر السياسيون هذه الأساليب فى التعامل مع الخصم بأنها مشروعة وتدخل ضمن قواعد اللعبة السياسية إذ لا أخلاق فى السياسية.. بيد أن ما تعيشه تونس منذ تولى حزب النداء الحكم من تراشق بالتهم بين «الإخوة الأعداء» واعتداء بالعنف وتشويه لسمعة عدد من القيادات، وتختتم المقال بـ«وهكذا صارت الأساليب المعتمدة ضد الآخر توجه ضد الإخوة الذين تقاسموا نفس الحلم وسعوا إلى كسب الانتخابات والوصول إلى الحكم».


أعتقد أن هذا الكلام يكاد ينطبق بالتمام على ماجرى للمخرج الكبير نائب مجلس الشعب خالد يوسف، رغم أنها لم تقصده بل وحددت فى مقالها أسماء قيادات حزب النداء المتعاركين.


أيًا كانت الأسباب، أمال قرامى منعت من دخول القاهرة ورفضت انتظار الوساطات مع وزير الداخلية للسماح لها، وغادرت أرض الكنانة دون اعتذار من الجهات المسؤولة وبطريقة مهينة فقالت: «أرفض أن أحاضر فى بلد يعامل المثقفين بمثل هذه الطريقة وكأنى أحمل رشاشًا».


اقتحام مقر دار ميريت للنشر بوسط البلد الأسبوع الماضى بقوة كبيرة من شرطة المصنفات لواء وعمداء وضباط، على حد قول هاشم, وقبضت على محمد زين، الموظف الذى كان متواجدا فى الدار فى ذلك الوقت، وصادرت سماعة ومايك، وذلك بناء على بلاغ من اتحاد الناشرين المصريين، طبقا لما ادعته القوة، بسبب عدم وجود أرقام الإيداع، وهى تهمة تحقق فيها دار الوثائق وليس النيابة، ثم أصدرت النيابة قرارًا بالإفراج عن محمد زين، وكأن المقصود هو قرصة ودن أو تخويف، حيث هاشم أحد ثوار ٢٥ يناير الداعم لشبابها، ذلك الرجل النحيف الجسد القوى فى إيمانه بالثورة، وبحق هذه البلد وأهلها فى العدل والحرية هاشم أنشأ هذه الدار.


منذ عام ١٩٩٨ مع عدد كبير من الرموز الثقافية المصرية، ومن وقتها وهى تمثل منارة لحرية الرأى والإبداع والتنوير، من خلال إصداراتها التى تقترب من ألف عنوان بخلاف إقامة الندوات والأمسيات الثقافية, هذا الاقتحام لدار ميريت أثار غضبة المثقفين، الذين يعتبرون وقفتهم ضد حكم الإخوان كانت المقدمة لثورة٣٠ يونيه.


هاشم وجه رسالة للضباط الذين اقتحموا ميريت بأن يتركوا المثقفين والمبدعين الذين لا يملكون إلا الكلمة، ويتفرغوا للدواعشية، الذين يمسكون بالسلاح.


أضف إلى اقتحام ميريت الحدث الثالث، وهو قيام قوة كبيرة من هيئة الرقابة على المصنفات يوم الاثنين الماضى باقتحام جاليرى بنت هاوس ومسرح روابط التابع له ثم انضم إليهم موظفون من القوى العاملة والضرائب والأمن الوطني، وقاموا بتفتيش المعرض والمكاتب وأجهزة الكمبيوتر واﻻطلاع على الأعمال الفنية الجاهزة للعرض والأرشيفية، دون وجود إذن بالتفتيش، طبقًا لتقرير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، ثم قامت القوة بمصادرة جهاز كمبيوتر محمول وآخر مكتبى وأسطوانات, ومواد أرشيفية، ثم أغلقت المعرض والمسرح.


التاون هاوس واحد من أهم الأماكن الثقافية بمنطقة وسط البلد، وعمره يتجاوز ١٦ عاما، وهو منشأ كمؤسسة ثقافية غير هادفة للربح تسمح للعروض والفرق المعاصرة تقديم إبداعاتها هو متنفس لباب المبدعين فى المحالات المختلفة.


الحدث الرابع هو القبض على الصحفى محمود السقا «بوابة يناير» من شارع جامعة الدول العربية مساء الخميس وظل مختفيًا وترفض الجهات الأمنية الإفصاح عن مكان اعتقاله، أو طبيعة الاتهامات الموجهة إليه حتى تقدمت نقابة الصحفيين ببلاغ للنائب العام عن اختطاف محمود، وظهر محمود فى نيابة أمن الدولة العليا التى قررت حبسه ١٥ يوما على ذمة التحقيق بتهمة الانضمام لجماعة أسست على خلاف القانون تسمى “حركة شباب ٢٥ يناير”، والمعروف أن السقا من شباب حركة تمرد، ولكن يبدو أن تمرد و٢٥ يناير أصبحت تهمة يستحق عليها هذا الشباب، الذى يحلم بغد أفضل لوطنه التعذيب والسجن.


«مراسلون بلا حدود» قالت إن مصر رقم ٢ بعد الصين فى اعتقال الإعلاميين .


هل عفريت ثورة٢٥ يناير يظل يؤرق الجهات الأمنية منذ اندلاعه، هذه الحالة الهستيرية تحتاج علاجا أو بالأحرى عقابا، لم نسمح للإخوان أن يأتوا بمصر أخرى لا نعرفها، فهل هذه مصر التى نعرفها؟ تمنع أستاذة وكاتبة عربية من دخولها، تقتحم دورا للثقافة وتغلق معارض ومسارح؟ إذا كنتم تظنون أنكم تقضون بذلك على عفريت ٢٥ يناير، أنتم واهمون.. عفريت ٢٥ يناير لن ينصرف إلا بتحقبق أهدافها: عيش، حرية، وعدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية.