إسلام بحيرى استجاب لدعوة السيسى لتجديد الخطاب الدينى.. فحبسوه

06/01/2016 - 11:22:17

  إسلام بحيرى إسلام بحيرى

بقلم - يوسف القعيد

رأيت إسلام بحيرى مرة واحدة.. كنت خارجًا من استوديو قناة القاهرة والناس.. وكان هو يستعد للدخول.. وتقابلنا فى صالون الضيوف.. لقاء صدفة لم يتكرر بعد ذلك أبدًا.. كنت ضيفًا على برنامج وكان هو فى طريقه لتقديم برنامجه: مع إسلام.. وفى مثل هذه اللقاءات نهرب من حرارة اللقاء بكلمات لا معنى لها.. جوهرها هو السلامات والتحايا..


قبل ذلك كان صديق العمر المرحوم جمال الغيطانى قد نبهنى – ضمن تنبيهاته الدائمة والمستمرة والتى لا تنتهى – لمشاهدة برنامج إسلام بحيرى.. ومن شدة حرصه على ذلك كان يتصل بى منبهًا بمجرد بدء البرنامج.. كما نبهنى لقراءة مقالات عادل نعمان، ونبيل عبد الفتاح.. والذى يجمع بين الثلاثة الموقف الناضج والناقد لفكرة الخطاب الدينى السائدة فى مصر الآن.. مع التسليم باختلاف الثلاثة ومواقفهم من القضية الواحدة..


إلى أن فوجئت بالحكم بحبس إسلام بحيرى خمس سنوات.. وبعد الاستئناف تم تخفيضها إلى سنة.. مع أن الحبس هو الحبس.. حبس إنسان ليوم واحد أو ساعة واحدة دون ذنب يُعد جريمة فى حق البشرية كلها.. علينا أن نقلق بسبب ذلك.. وأن نحاول منع حدوثه..


أعرف أن إسلام بحيرى محبوس بحكم محكمة.. ولدينا فى القانون المصرى مواد تجرِّم التعليق على أحكام القضاء.. وكأنها قرآن منزّل أو أحاديث نقلها لنا الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. مع أن القاضى بشر.. وأفعاله أفعال بشر.. والتعليق عليها وانتقادها لا يعد جريمة.. لكنه ميراثنا من القوانين التى نتعامل معها كما لو كانت منزلة من السماء.. مع أن الأمم تعيد النظر فى قوانينها كل فترة من الوقت إلا نحن..


إسلام البحيرى محبوس وفق قانون ازدراء الأديان.. والمادة التى حبس بموجبها مكونة من تسع فقرات.. وعبارة ازدراء الأديان تحتاج لإعادة نظر.. وأنا لست قانونيًا وإن كنت أرى كإنسان أن التعبير مطاط يمكن أن يأتى فى سياق قصيدة شعرية أو مقال نثرى أو قصة أو رواية.. لكنه لا يمكن أن يسلط على رقاب العباد كقانون يدخلهم السجن..


لا أقلل من الحبس أبدًا.. لكن بعد هذا الحكم أصبحت حياة إسلام بحيرى مهددة.. ولنا فى تاريخنا القريب قدوة سيئة وليست حسنة.. فمن دفعوا حياتهم ثمنًا لحرية تفكيرهم ولوقوفهم أمام الأسئلة المسكوت عنها فى تاريخنا بشجاعة لا نمتلكها جميعنا.. أقول إن هؤلاء أكثر من أن يحصيهم العد.. ولن أذكر الأسماء القريبة لكى لا يتحول المقال إلى طائر شؤم بالنسبة لأبناء وأحفاد أصحاب الأسئلة الكبرى من المعاصرين لنا.


بعيدًا عن الحكم.. فقد رأيته فى إطار عام وحزنت على مصر التى نتوهم جميعًا نحن المصريون أننا نعيش فى القرن الحادى والعشرين.. ونستخدم منجزاته العلمية ونتعامل مع مستجداته.. ومع هذا فنحن نفكر بطريقة عقيمة وتعود عقولنا إلى عصور الظلام وإلى أيام ما قبل الرسالات الدينية الثلاث.


ولكى نضع حكم المحكمة فى سياقه العام، بعيدًا عن فكرة التعليق عليه أقول ربما كانت قضية تجديد الفكر الدينى من أهم القضايا الأكثر إلحاحًا على الرئيس عبد الفتاح السيسى.. ولو أحصينا ذكره لها وترديده لمقولاتها لاكتشفنا أنها لا تقل عن حديثه عن رغيف الخبز وتيار الكهرباء والطاقة والنقل والسكن وكل الهموم الجوهرية الأخرى التى تؤرق أى مسئول عن بلد مثل مصر.


ما فعله إسلام بحيرى يشكل استجابة فردية وفورية لمطلب تجديد الخطاب الدينى.. وأنا معجب بما كان يقوم به.. رغم إيمانى أن القول بتجديد الخطاب الدينى لا بد من إعادة النظر فيه.. فنحن فى أمس الحاجة لخطاب دينى جديد.. أما محاولات التجديد التى ربما تحولت لمحاولات ترقيع لما هو كائن.. فربما لا توصلنا لما نريده..


هل رأيت سخرية أكثر من هذا؟ الرئيس عبد الفتاح السيسى يستقبل وسط مشاغله العديدة والتزاماته التى لا حصر لها الفتاة الإيزيدية نادية مراد.. ويخصص وقتًا للاستماع لشكواها.. وكانت عائدة لتوها من نيويورك.. حيث عرضت مأساتها أمام أعلى منظمة دبلوماسية فى العالم.. وقابلت الأمين العام للأمم المتحدة، بان كى مون.. وأبكت الدنيا كلها وهى تحكى حكايتها.


لكن لقاء الرئيس السيسى بها كان قصة أخرى.. فقد أراد أن يزيل عن الإسلام ما ينسب إليه من باطل الأباطيل.. من أفعال لو توقفنا أمامها جيدًا.. لأدركنا أن الإسلام ضدها على طول الخط.. وأنهم يلوون عنق الإسلام ويضيفون له ما ليس فيه.. ويحولونه إلى دين كما يريدون.. أو على مقاساتهم.


فى اليوم التالى للقاء الرئيس بالفتاة الإيزيدية وكلامه عن أن الإسلام الصحيح سينتصر فى النهاية.. وثقته المطلقة فى أن المعركة ستصل حتمًا لما يحقق صالح الشعب العربى والأمة الإسلامية.. أقول فى اليوم التالى صدر الحكم بحبس إسلام بحيرى.. وهكذا نجد أنفسنا أمام فعل وحكم قضائى مضاد.


فما الذى فعله إسلام بحيرى حتى يودع فى السجن؟ بينما نتحرك نحن أحرار فى حياتنا نفعل ما نشاء فى الوقت الذى نشاء فيه وبالطريقة التى نحبها؟ ما هو الذنب الذى جناه حتى يقبع خلف الأسوار سنة كاملة؟ ٣٦٥ يومًا و٣٦٥ ليلة.


إسلام بحيرى لم يكفر بالله ولا رسوله ولا بالإسلام.. فالرجل مؤمن حقيقى.. لكنه يطرح أسئلة مشروعة حول رواة أحاديث الرسول عليه الصلاة وسلام ومفسرى أحاديثه وحملة أفكاره أو من أعطوا أنفسهم هذا الحق.. مع أنهم يتصرفون كما لو أنهم حراس إرثٍ وتراث.. وأنهم يحتكرون حراسته والدفاع عنه ضد الآخرين.. مع إن هذا التراث ملك لكل من أتى إلى الدنيا وله رأس وفى رأسه عقل يفكر..


وإسلام لم يبتدع جديدًا ولم يطرق بابًا لم يقترب منه أحد قبله.. هذه الأسئلة المسكوت عنها طرحها طه حسين والشيخ على عبد الرازق فى عشرينيات القرن الماضى.. ولولا خشيتى على نفسى وعلى مجلة المصور والمسئولين عنها لذكرت الأسئلة التى كتبها طه حسين فى كتابه المهم: فى الشعر الجاهلى.. والأسئلة التى طرحها الشيخ على عبد الرازق فى كتابه الوثيقة: الإسلام وأصول الحكم.


ربما يقول لى قائل من التكفيريين والمتطرفين أن كتاب طه حسين قد صودر.. وأن طه حسين نفسه أوقف عن عمله.. وأرد عليه أن الكتاب رفعت عنه المصادرة فى ستينيات القرن الماضى.. سنوات الاستنارة والتنوير الكبرى.. وقد يردنى واحد من المتطرفين قائلًا إن الشيخ على عبد الرازق فصل من عمله كقاضٍ شرعى وتم نفيه إلى قريته بمحافظة الدقهلية ومنع من مغادرتها حتى وفاته فى ستينيات القرن الماضى.. ثم إن الحكمين ضدهما كانا لخلفيات سياسية أكثر منها لأسباب دينية..


وأرد عليه أن كتاب الإسلام وأصول الحكم موجود فى الأسواق بعد أن تمت طباعته بعد ثورة يوليو كملحق لبعض المجلات أولًا ثم ككتاب مستقل.. وتوجد منه الآن فى مكتبات مصر أكثر من طبعة.. بل إن هناك طبعة أصدرها حفيد الشيخ على عبد الرازق بمقدمة طويلة.. وأيضًا لن أقترب من الأسئلة التى طرحها الشيخ على عبد الرازق فى كتابه.. لأن هناك فارق بين أن توجد الأسئلة فى كتاب.. وبين أن تنشرها مجلة واسعة الانتشار مثل المصور.. وأترك للقراء العودة إليها..


لكن المهم فى دروس التاريخ أن طه حسين صودر كتابه وأوقف عن عمله فى الجامعة.. وأن الشيخ على عبد الرازق صودر كتابه ونفى خارج القاهرة.. لكنهما لم يحبسا لحظة واحدة.. ولا دقيقة واحدة.. وظلا أحرار طلقاء يمارسون الكتابة ضمن ما يعتقدون أنه الصواب..


لا يجب أن ننسى أن هذا جرى فى عشرينيات القرن الماضى.. وأن الدنيا تتقدم إلى الأمام.. بل إن الذى يقف مكانه يتخلف حتى دون أن يدرى.. لأن حركة الكون دائبة ومستمرة ولا تعرف التوقف أبدًا..


فكيف نواجه الأمرين؟ سجن إسلام بحيرى، وقانون ازدراء الأديان.. أيهما نقف أمامه أولًا؟ أيهما نواجهه قبل الآخر؟ أعتقد أن كل مصرى وكل عربى بل وكل مسلم حقيقى عليه أن يعتبر أن حبس إسلام بحيرى هو حبس له شخصيًا.. وأن بقاء ما يسمى بقانون ازدراء الأديان هو عدون على حرية التفكير.. ومنع للعقل الإنسانى من أن يقترب من الدين الذى هو علاقة بين الإنسان وربه.. والإنسان طرف أساسى فى هذه العلاقة..


والإنسان كما عرَّفه أستاذنا أحمد بهاء الدين حيوان مفكر.. وحيوان له تاريخ.. وهذا ما ميزه عن باقى الكائنات الأخرى..


كانوا يدعون فى قريتى: اللهم نجنا من أعدائنا، أما حلفائنا وأبناء جلدتنا ومن يؤمنون بما نؤمن به، فأعنا كى نكون قادرين على مواجهة باطلهم بالحق والمنطق والعقل..