«بحيرى» مثل من أخطأ فاستحق النصيحة فحكموا عليه بالسجن : هل يستحق مثقفونا «الحسبة».. فعلا؟!

06/01/2016 - 11:13:38

بقلم - أحمد النجمى

هل هو العبث؟ ربما ! وربما أيضاً كان الجهل.. أو الميل الذى صار سائداً فى مصر لخلط الأمور.. وربما كان ذلك الانهيار الثقافى الحاد الذى يعانيه المثقفون والمعممون علي السواء هذه الأيام، وسواء أكان ما حدث عبثاً أو جهلاً أو خلطاً للأمور أو انهياراً فى القيم الثقافية أو عجزاً عن “القدرة على الاختلاف”، فهل أى من هذه الأوصاف مما يندرج حقاً تحت وصف “الجريمة” أو حتى “الجنحة” التى تستوجب السجن ؟ هذا تماماً ما كان من أمر “إسلام بحيرى”، الرجل الذى ارتكب أخطاء فكرية .. ولم يسقط فى الخطيئة .. أخطأ فى التفكير فعوقب عقاب المجرمين، عقاباً جسيماً جعل الأمر “قضية رأى عام”، لأن ما حدث لبحيرى ليس سوى “دعوى حسبة” على طريقة العصور الوسطى..!


تابعت بعض حلقات بحيرى التى كان عنوانها “مع إسلام” فى العام الماضى. قبل أن أتابعها كنت قد سمعت عنه الكثير من أصدقائى المثقفين، قالوا لى: شاهد هذا الرجل.، إنه لا يقل عن محمد عبده وطه حسين - مع حفظ الألقاب بالطبع- فى تجديده الفكرى وحربه على التطرف ..!


ولما كنت من المعنيين بالأمر - أمر محاربة التطرف الفكرى، الذى أراه الـظهير العقلى للإرهاب المسلح - فقد تابعت إسلام بحيرى لبضع حلقات من برنامجه الذى ذكرناه ..!


وما إن شاهدت برنامج إسلام بحيرى حتى تذكرت مسلمات أعتقد فيها منذ كنت فى الجامعة طالباً بكلية الآثار، قبل ما يزيد على عشرين عاما ً.. تذكرت مثلاً أن الزعيم خالد الذكر “جمال عبد الناصر” الذى مازلت وسأبقى على درب أفكاره وسياساته منتمياً لها.. قام بالتطوير الشهير للأزهر الشريف فى مطلع الستينيات حين أراد تجفيف منابع التطرف وقطع جذوره، وأنشأ إذاعة القرآن الكريم فى الستينيات أيضاً لنفس الهدف، وتذكرت تجربة “الصين” فى محاربة الرجعية، حين رفض الحزب الشيوعى الصينى التهكم والسخرية والتجريم للعقائد الدينية المتوارثة - مثلما فعل الحزب الشيوعى السوفييتى - وقام بالبناء عليها، فاستمرت التجربة الصينية وانهارت نظيرتها السوفييتية.. وتذكرت أيضاً تلك المواجهات التى كانت تقع بين أصدقائى الشيوعيين فى الجامعة والزملاء من التيار الإسلامى، وكيف كنت مع آخرين من “نادى الفكر الناصرى” الذى تشرفت بعضويته لزمن حين كنت فى الجامعة، كيف كنت - وكان الزملاء - نحل هذه المشكلات بفكر وسطى، ينتصر للتقدم، ويدمر التطرف.. ويخرج الطرفان من الأصدقاء - الشيوعيون والإسلاميون، على السواء - راضين مرضيين من هذا الشجار الفكرى..!


أعتذر للقارئ عن هذا الاسترسال فى الذكريات الخاصة، وإن كنت أملك المعاذير اللازمة، وأكتفى منها هنا باثنين: فأما الأول، فهو أن الأجيال الحالية من الشباب يزج بها فى صراعات فكرية لا طائل من ورائها، تضر ولا تنفع، فيما كان جيلنا - جيل التسعينيات - آخر الأجيال التى تنظر إلى عمق الصراع لا إلى سطحه.. وأما الثانى فهو إقامة الدليل القاطع على “سخف” ما قاله إسلام بحيرى فى حلقات برنامجه، ذلك السخف الذى قاد صاحبه إلى غياهب السجون.. وهذا أمر عجب، فتلك المرة الأولى - منذ زمن - التى نرى فيها رجلاً دخل السجن لأنه قال كلاماً خطأ، إسلام بحيرى عقيدته الإسلامية صحيحة، لا جدال فى ذلك .. هذا إن كان يحق لنا أن نحكم أصلاً على عقيدته، لكن أفكاره التى تحيط بهذه العقيدة ليست صحيحة، أخطأ فى الاستدلال، فقاده الخطأ إلى الجدل والعناد فى غير موضعهما.. وهذا كله لا يستوجب السجن ولا العقاب، بل النصح والإرشاد وحسب، فلماذا عوقب بالسجن؟! هذا هو الخطأ الأكبر، الذى يشبه حبس رجل لأنه قال نكتة خارجة، أو ضحك ضحكة خليعة.. لا يصح ولا يجوز ولا يليق أن نعاقب الفكرة- مهما يكن إمعانها فى الخطأ - بالسجن.. فهذه العقوبة مجعولة فقط للمجرمين، وليس لأصحاب الأفكار.. حتى لو كانت هذه الأفكار ساذجة، أو طفولية، ناهيك بكونها غير صحيحة..!


إنها الجريمة الكاملة.. أن تقابل الأفكار بأحكام السجن، والمنع، والتكفير.. الجريمة الكاملة أن تظل الأبواب مفتوحة على مصاريعها أمام من يرفعون “دعاوى الحسبة” فى مواجهة من يرفعون الأفكار، نفهم أن يكون الرد على الفكرة بالفكرة، فى الثلاثينيات صدر كتاب “لماذا أنا ملحد؟” فرد عليه مفكر آخر بكتاب اسمه “لماذا أنا مؤمن؟”، وانتهت المعركة، فكان المستفيد الحقيقى هو المجتمع وحرية الرأى فيه ..!


هذا موقفنا لا نغيره، ولن نغيره.. أما أقوال إسلام بحيرى التى رفعت بموجبها “دعوى الحسبة” ضده.. فكان ينبغى - فقط - الرد عليها، ولفت نظر بحيرى إلى أفضل الطرق للبحث العلمى فى الإسلام - بصفةخاصة -والأديان عموماً، أما مصادرة برنامجه ثم تعقبه بالحسبة وصولاً إلى حبسه .. فهذا هو التطرف بعينه، التطرف الذى لا يليق بدولة تنخرط فى أوسع حرب مع الإرهاب الدينى الفكرى والمسلح..!


ثمة مواقف فكرية اتخذها بحيرى أثارت حفيظة قطاع من المجتمع يستمسك بمنهج عتيق فى فهم الدين، وقد كان بحيرى يستطيع تحريك الجامد فى فكر هذا القطاع دون أن يدخل فى تلك (الحارات الضيقة) التى دخلها، فما كان من المتربصين إلا أن أحكموا الحصار على هذا الرجل فى هذه “الحارة السد”..! إحدى القضايا التى “زنق” فيها بحيرى نفسه: “هل سيدخل المسلمون وحدهم الجنة؟” .. قال بحيرى عنها : الإنسان بعملة لا بعقيدته والفردوس ليس حكراً على المسلمين. والرد عندى: سألت المرحوم الشيخ محمد الغزالى فى مطلع التسعينيات عقب صلاة الجمعة نفس هذا السؤال وكان كلانا يهم بالخروج من المسجد.. فالتفت إلى الرجل وقال لى : الله أعلم يا ولدى..! فالغزالى احتكم إلى العقل، فوصل إلى هذا الحكم.. ومن قال (لا أعلم) فقد أفتى..!


وهاجم إسلام (أبا بكر الصديق) رضى الله عنه بسبب قتاله للمرتدين.. وقال : لا يوجد فى الأساس ما يسمى بحد الردة! وهذا مردود عليه بأمور: الأول أن فى الإسلام حداً للردة وهنا معروف بالطبع لكن الردة حالياً ليست موضع تطبيق حدود شرعية لأن تلك الحدود حلت محلها القوانين الحديثة منذ ما يقرب من قرنين.. والثانى أن أبا بكر إذا لم يفعل ذلك لانفرط عقد الدولة الإسلامية كلها، بدليل أنه قاتل أيضاً ما نعى الزكاة.. لأنه لو ترك “الحبل على الغارب” لانهارت الدولة التى أسسها النبى عليه الصلاة والسلام.. وهؤلاء الذين ارتدوا خرجوا على الدولة، التى صارت أمانة فى عنق أبى بكر..!


ودعا بحيرى إلى حرق كل الكتب الإسلامية الرئيسية كالبخارى ومسلم والشافعى، وزاد على هذا بقوله: ليس هذا هو الإسلام الحقيقى! وكأن القضية التى تؤرق المسلمين الآن هى صحة هذا أو ذاك من الكتب المذكورة، مع أن هذا من الاختصاص الضيق للعلماء الذين لديهم باع فى علوم الحديث .. وليس من اختصاص جمهور المسلمين!


وذهب بحيرى بعيدا ليصف “ابن تيمية” بأنه (رب الإرهاب فى العالم) وقال إن تنظيم “داعش” صنيعة إسلامية وليس لها علاقة بأمريكا..! وهذا افتئات على (ابن تيمية) الذى لم يقل لأحد أنه يمثل الإسلام، ولم يلزم أحداً بالأخذ بمنهجه، والرجل مات قبل قرون طويلة، فإن كان منهجه خطأ.. فهو ليس المسئول عن أخد المسلمين به فى القرن الواحد والعشرين.. و ٩٠ فى المائة من إرهابى داعش لم يقرأوا شيئاً لابن تيمية ولا لغيره، لأنهم إما ليسوا من العرب أساساً، أو لأنهم لا يعرفون عن الإسلام شيئاً.. وإلا لما ارتكبوا جرائم يومية تذكرنا بأفعال التتار الشنعاء، لا بأفعال المسلمين حتى المتطرفين منهم ..!


نكتفى بهذا القدر من آراء إسلام بحيرى التى أودعته السجن.. وإنى أكتب هذه السطور صباح الإثنين - قبل صدور “المصور” بثمانى وأربعين ساعة- بينما تنظر المحكمة المختصة دعوى الاستشكال التى أقامها بحيرى على الحكم الصادر بشأنه.. وأياً تكن نتيجة هذا الاستشكال .. نقول : “للباحث حق الخطأ”، عبارة قالها عميد الأدب العربى د. طه حسين، قالها قبل أكثر من ستين عامآً (١٩٥٥)، ونحن نجددها مع العميد، وإذا كان بحيرى قد أخطأ فى عدد من آرائه - كما أظهرنا فى الفقرات السابقة - فإنه قد عوقب مرتين.. الأولى بمنع برنامجه من فضائية “القاهرة والناس” ونحن وإن كنا ضد المنع والحجب، لكننا نرى أن بحيرى قد استوفى عقابه بهذا المنع والحجب.. ثم عوقب مرة ثانية على الهواء مباشرة فى الحلقة التى قدمها الزميل “خيرى رمضان” على فضائية سى بى سى، حين أتى له بالشيخ أسامة الأزهرى فى مناظرة.. تحولت - فى حقيقتها - إلى جلد لا يعرف الرحمة بسياط الكلمات .. وقد كان هذا العقاب المزدوج (المنع .. ثم الجلد الكلامى) كافياً، إن لم يكن يزيد على الحاجة، فما الذى جعل الأمر يصل إلى دعوى الحسبة التى أقيمت ضد إسلام بحيرى وأفضت إلى حبسه؟


لقد جاء حبس إسلام بعد ثورتين عظيمتين، ٢٥ يناير ٢٠١١، و ٣٠ يونيو ٢٠١٣.. وبعد صدور دستور عظيم فى مصر وصفه الجميع بأنه وثيقة للحريات، وهو يغلق الباب تماما دون الحبس فى قضايا الرأى وحرية التعبير.. ولكن عجلة الزمان يهوى البعض إدارتها إلى الخلف.. فنجد من يسرع إلى المحاكم ليطالب فى دعوى حسبة بحبس إسلام بحيرى، ونجد على المنصة القضائية - التى نكن لها كل الاحترام والتقدير - من يحكم لهذا أو ذاك بحبس المفكرين والباحثين، وترجمة هذا : نحن نقابل الأفكار بالقمع.. صحيح أن عدداً من أفكار إسلام بحيرى عن الدين الإسلامى - والمسيحى واليهودى أيضاً - متسرعة، وغير دقيقة، ويشوبها (الرأى) لا (العلم) وبينهما فارق شاسع، لكن نعود إلى السؤال الذى منه انطلقنا: هل هذا يستوجب الحبس؟! وننطلق منه إلى السؤال الجوهرى: هل من الصواب مواجهة الأفكار بفتح أبواب السجون ؟ وإذا كان البعض سعيداً بحبس إسلام بحيرى متشفيا فيه، وهذا من أعجب ما رأينا وأسفنا له كثيراً، فهل بحيرى وحده المعرض للسجن؟


بالطبع لا، فلولا حسن الطالع، لكان زميلنا العزيز “طارق الطاهر” والروائى “أحمد ناجى” قد تم حبسهما على خلفية نشر الزميلة :”أخبار الأدب” التى يرأس الطاهر تحريرها فصلا من رواية “استخدام الحياة” التى كتبها أحمد ناجى، لكن من حسن الطالع - فقط - أن القاضى الذى حكم فى الدعوى (محكمة جنح بولاق أبو العلا) تفهم ملابسات الدعوى، فقضى ببراءة الطاهر وناجى.


إن مصر وهى تخوض معارك متشابكة ترقى إلى وصف “معارك المصير” فى الجنوب حيث منابع النيل وفى الشرق حيث الإرهاب فى سيناء، وفى الغرب حيث الإرهاب على الحدود فى ليبيا.. تخوضها بالسلاح وبالكلمة سواء بسواء، والرئيس عبد الفتاح السيسى وهو يقود التنمية فى مصر يحرك قاطرتها بالكلمة قبل أن تتحول إلى فعل على الأرض، الكلمة دائما هى المبتدأ، والكلمة دائماً هى الخبر.. الكلمة مقدسة ياسادة، فلماذا تقابلونها بالسجن والحبس؟ قدسية الكلمة تجعلنا نقف ضدها أحياناً، لمعرفتنا بخطورتها، لكن أن نحبس رجلاً لأنه تكلم بما هو ليس صحيحاً، فتلك جريمة ترد مصر إلى العصور الوسطى.. وبجدارة!