ليس دفاعا عن «بحيرى»!

06/01/2016 - 11:01:41

بقلم - حمدى الكنيسى

تابع الكثيرون حلقات البرنامج الذى كان يقدمه إسلام بحيرى متصديا لمهمة ليست باليسيرة، وإن اتفقت نسبيا مع التوجه العام الذى قاده بشجاعة الرئيس السيسى، حين طالب وألح على ضرورة تصحيح الخطاب الدينى، والمعروف للقاصى والدانى أن المتشددين والمنغلقين فكريا والمتاجرين بالدين خلقوا مناخا عاما لايرحب بمناقشة بعض الأمور الدينية، وقد تزايد وتصاعد هذا المناخ مع اقتناص الإخوان لثورة يناير، ومنها انطلقوا لاقتناص حكم مصر وأتاحوا لقنوات فضائية عديدة تحمل زورا وبطلانا مسمى القنوات الدينية، لتنطلق منها الفتاوى والآراء من المتشددين أو من نسبوا إلى أنفسهم صفات الشيوخ والفقهاء، وهم لايملكون من الثقافة الدينية إلا إطلاق اللحية الكثيفة وارتداء الجلباب القصير!


.. لذلك قلت لنفسى وأنا أتابع «إسلام بحيرى» فى تحليلاته واستشهاداته بالأحاديث النبوية والدراسات الفقهية، «لقد دخل الرجل بنفسه إلى عش الدبابير»، خاصة أن بعض رجال الأزهر لم يتفهموا رؤيته بسهولة ومن ثم لم يتقبلوا ما يطرحه من آراء وأفكار، لكنه زاد إصراراً على مواصلة مشروعه التنويرى كما يراه، ومع اتساع قاعدة المشاهدين والمتابعين لحلقات برنامجه، تضاعفت مسئوليته بقدر ما تضاعفت عيون الرافضين والمتربصين، ويبدو أن النجاح الذى حققه «إسلام» من انتشار وشعبية أغراه بالجرأة غير المحسوبة علميا وشعبيا مما جعل البعض - من المتعاطفين معه - يرون أنه بدأ يتعالى ويتحدث بلهجة مستفزة، لدرجة الاستهانة برموز دينية كبيرة «كالبخارى»، مما أتاح الفرصة لمن يرفع فى وجهه سيف «ازدراء الأديان» بالرغم من أنه لم تحسب عليه أى إساءة من قريب أو بعيد لكتاب الله وحياة الرسول عليه صلوات الله وسلامه، بل كان يراجع أقوال بعض الأمة فى ضوء القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة للرسول، موضحا التناقض أو عدم الدقة فيما رواه هذا الإمام أو ذاك، متعاملا معهم على أنهم فى النهاية بشر يصيبون ويخطئون ليسوا منزهين عن الخطأ، وبالتالى فهم ليسوا الدين الحنيف حتى يكون الاقتراب منهم بالنقد والتحليل ازدراء بالدين لاسمح الله، لكن «المناخ» الذى تضخم بالقنوات الفضائية إياها أتاح الفرصة لمن حصروا الإسلام فى فتاوى وآراء مثل ضرورة أن تدخل البيت بالقدم اليمنى، وهل الاستماع إلى الموسيقى حلال أم حرام؟! وهل مهنة حلاقة الذقن يقرها الدين أم أنها حرام حرام؟! إلى جانب فتاوى وتساؤلات أخرى مثل «رأى الدين فى لعبة كرة القدم ورياضات أخرى وما يراه من شر يرتبط بها»، «وهل يسمح الدين بركوب امرأة سيارة تاكسى يقودها سائق أجنبى بما يؤدى إلى خلوة محرمة»؟!


هكذا، وفى هذا المناخ القاتم كان من الحتمى أن يسعى من تكون لديه القدرة إلى المشاركة فى جهود تصحيح الخطاب الدينى، وقد وجد «إسلام بحيرى» فى نفسه وعقله ما يؤهله لهذه المشاركة، لكنه خانه التوفيق ولم يدرك أن ما ذكره عن «الإمام البخارى» بالطريقة الساخرة يصدم الكثيرين خاصة أنه بحكم التراث الشعبى كان البعض يضعه فى مصاف من يخالفه وكأنه خروج عن الدين، ومع تراكم الانتقادات «بحسن أو بسوء نية» ومع إصراره وإحساسه بأنه فى موقف دفاعه عن آرائه وتحليلاته هو الأقوى والأكثر والأعمق فهماً انزلق إلى لهجة التحدى واللامبالاة بصيحات الاستنكار، وكانت النتيجة أنه سلم نفسه لمن هم على الطرف الآخر “النقيض تماما فتم جره إلى ساحة القضاء حيث اعتمد الحكم عليه بالأساس على تقرير «مجمع البحوث الإسلامية» الذى اعتبرته هيئة المحكمة شهادة قاطعة بأن ما يذكره “إسلام” فى برنامجه يمثل مساساً بالعقيدة الإسلامية وإساءة للدين الإسلامى بل هدم له من أساسه، وامتثالا لحكم القضاء سيق إسلام بحيرى إلى السجن حيث يقضى فترة العقوبة بالبدلة الزرقاء!!


كلمتى للسيد الرئيس


ليس دفاعاً عن إسلام بحيرى، وتوسلاً لإخراجه من محنته، أجد أن من واجبى أن أناشد السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى بأن يصدر قراراً بالعفو عن الرجل، خاصة أن سجنه يوفر ذريعة للمتشددين بأنهم هم وحدهم على حق، وأنهم يملكون ردع وإيذاء من يختلف معهم، ولعل المواجهة الحقيقية هى مع هؤلاء المتشددين المنغلقين الذين يعرقلون ما دعوت إليه يا فخامة الرئيس من تجديد الخطاب الدينى، وهى الدعوة الواعية الموضوعية التى لقيت ومازالت تلقى ترحيبا عالميا خاصة بعد المذابح والكوارث التى يرتكبها الإرهابيون من»داعش»، «النصرة» و «القاعدة» وغيرها متذرعين بحجة الفتاوى التى لا صلة لها بالإسلام، كذلك لو صدر قرارك يا سيادة الرئيس بالعفو عن»إسلام بحيرى وعودته إلى برنامجه سيكون درسا يشجع المعتدلين والمستنيرين أمثال الأستاذة الدكتورة «آمنة نصير» أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، والعضو البارز فى مجلس النواب، والتى أعلنتها صريحة مدوية بأن المادة الخاصة بجريمة وعقوبة ازدراء الأديان فى القانون المصرى تتعارض فى توصيفات الجرائم والمخالفات التى تشملها مع حرية الاعتقاد والتفكير، من جهة أخرى لا أضيف إلى علمكم الغزير ومعلوماتكم الموثقة حين أشير إلى ما تتعرض له مصر الآن من انتقادات حادة بسبب ما يتعرض له «إسلام بحيرى» من ظلم وقهر وضرب لحرية التعبير والاعتقاد، وتلك هى المادة الإعلامية التى يستغلها أعداء الداخل والخارج إلى جانب من تستهويهم مهما كانت نواياهم حسنة وطيبة، إلا أنهم يمكن فى النهاية استدراجهم إلى صفوف المتربصين والمتآمرين.


فخامة الرئيس: لعلنى أضيف إلى مبررات طلبى من سيادتكم القرار المنشود أن ما تعرض له إسلام بحيرى كفيل بأن يجعله يتأمل بعمق أخطاءه سواء العلمية أو فى أسلوب الأداء حيث دفع ثمن الثقة الزائدة بالنفس والرأى! ولهذا فإنه إذا عاد إلى صفوف المشاركين فى وضع ملامح الخطاب الدينى الذى نرجوه .. سوف يتدارك سلبيات تجربته التى انتهت بالبدلة الزرقاء داخل «زنزانة» لا تقل سوءاً عن «زنزانة» الأفكار الضيقة الجامدة التى أفسحت المجال للمتشددين والمتطرفين والإرهابيين!