المال الحرام

06/01/2016 - 10:34:35

تحقيق يكتبه: وائل الجبالى

يعد «غسل الأموال» من أخطر جرائم العصر التي تهدد الاقتصاد الشرعى والرسمى للدولة وتؤثر مباشرة على التنمية الاقتصادية، وبالأخص في الدول النامية. ومع انتشار ظاهرة العولمة والتجارة الالكترونية زادت مخاطر غسل الاموال التى تتم عبر شبكة الانترنت فظهر ما يعرف باسم الغسل الالكتروني.


والغسل الإلكتروني لا يستغرق سوى ثوانى معدودة ليتم اخفاء عملياته التي يقوم بها عصابات منظمة منتشرة على مستوى العالم، ولها علاقات مع بعض المؤسسات المالية العالمية، وتعمل بشكل متكامل فى الجريمة المنظمة.


وكشف خبراء أن المبالغ التى يتم غسلها سنويا تزيد عن تريليون دولار بما يعادل ١٥ ٪ من حجم التجارة العالمية، لذا اهتمت مصر بجريمة غسل الاموال والتى تعتبر من اهم مصادر تمويل الارهاب، وانشأت ادارة غسل الاموال كاحدى ادارات شرطة الاموال العامة، كما تم انشاء وحدة لمكافحة جرائم غسل الاموال بالبنك المركزى المصري. وكان لادارة غسل الاموال بشرطة الأموال العامة دور في التصدى لأخطر قضية غسل اموال تعدت قيمة مبالغها ٣٠٠ مليون جنيه مصري، خلال الفترة الأخيرة.


ويعلق اللواء حسين عماد، رئيس الإدارة العامة لمباحث الاموال العامة السابق، على جرائم غسل الاموال بقوله إنها جرائم مستحدثة، وتم إنشاء إدارة لها في مصر عام ٢٠٠٢ استجابة من وزارة الداخلية الى التشريعات التى تكافح جرائم غسل الاموال، موضحا أنها دورها يتمثل في تتبع المتحصلات المالية لاى نشاط اجرامي، مضيفا أن جريمة غسل الأموال يكون هدفها اضفاء الشرعية على أموال متحصلة من جريمة أصلية مثل الاختلاس او السرقة او تجارة المخدرات، وتكون احكامها بالمصادرة والحبس، متابعا: مع ظهور العولمة والجريمة المنظمة تشعبت أطراف غسل الأموال لتضم افراد من اكثر من دولة.


ولفت إلى أن القانون المصري أصبح يجرم تمويل الارهاب من خلال حظر أي أنشطة تمول جرائم ارهابية وهو الشق الذى يحاكم به رجل الاعمال الاخوانى حسن مالك (اعادة تدوير انشطة اقتصادية واستخدام متحصلاتها المالية فى تمويل انشطة ارهابية).


واسترسل: بعد تنامى الارهاب فى العالم شرقه وغربه، تزايدت أهمية إدارة مكافحة غسل الاموال ومكافحة الارهاب والتى من خلالها يمكن تتبع مصادر تمويل العمليات الارهابية، ومن السهل تجفيف منابع الارهاب من خلال ضبط الجهات التى تموله لانه لا ارهاب ولا عمليات ارهابية بدون تمويل، ويوضح ذلك ما اعلنته الحكومة الروسية انها بتتبعها مصادر التمويل لتنظيم داعش وجدت ان سيارات التويوتا التى يمتلكها قادة التنظيم كانت مصدرة من احدى الدول العربية، وبالتالى فإن نجاح ادارة غسل الاموال يصب فى القضاء على الارهاب وتجفيف منابعه.


نظام مبارك والتهريب


رئيس الإدارة العامة لمباحث الاموال العامة السابق، أكد كذلك أن رموز نظام مبارك الذين هربوا اموال الشعب الى الخارج يمكن أن تتم ملاحقتهم، ومصادرة أموالهم لصالح مصر باستغلال أن مصر مشتركة فى اتفاقيات غسل الاموال وتمويل الارهاب العربية والدولية، وبموجبها يحق لمصر استرداد الاموال المهربة فى الخارج والمتحصلة من جرائم، لافتا أن دولة مثل نيجيريا قامت باسترداد اموال مهربة لها فى الخارج بعد ١٢ عامًا من تهريبها.


أما الخبير الأمني اللواء محمد فراج، فشدد على أن جرائم غسيل الاموال العامة تشكل خطرا على الاقتصاد الوطنى والدولى، كما أنها تعد من اخطر جرائم العصر التى تمس الاقتصاد وتؤثر بشكل مباشر على معدلات التنمية.


وتابع: لا تزال عصابات الاجرام المنظم تنتشر على مستوى العالم، وفى الفترة الاخيرة احتلت قضية غسيل الاموال اهمية كبرى على الساحة الامنية والاقتصادية وذلك لارتباطها بتمويل الارهاب وظهور بعض الاثار السلبية على الاستقرار الاقتصادى العالمى وخاصة اقتصاد الدول العربية، لذا ازداد الاهتمام من قبل العديد من الدول والاجهزة الامنية والمنظمات الدولية والمراكز المالية الكبرى بمكافحة جرائم غسل الاموال التى تعنى اعادة تدوير الاموال الناتجة عن الاعمال الغير مشروعة ومتحصلات الجرائم فى مجالات وقنوات استثمارية شرعية لاخفاء المصدر الحقيقى لهذه الاموال لتبدوا كما لو كانت قد تولدت من مصدر مشروع.


مصادر غسل الأموال


وكشف اللواء فراج ان ادارة غسل الاموال تعمل على الاموال الناتجة من اعمال غير مشروعة، كالاموال الناتجة من تجارة المخدرات او تجارة الرقيق والدعارة وتجارة الاسلحة وتجارة الاثار وجرائم الارهاب والرشوة والاختلاس والفساد الادارى، ويتم تدويرها باساليب مختلفة كإيداعها احد المصارف او البنوك او احدى المؤسسات المالية، او تحويلها الى عملات اجنبية او شراء عقارات او اسهم او الدخول فى مزايدات ومناقصات عامة وذلك حتى لا يتم كشفها واخفاء مصدرها الحقيقى.


وأكد أن جرائم غسل الاموال تعد من اخطر الجرائم الحديثة التى تتصاعد بشكل مخيف خاصة فى ظل العولمة الاقتصادية وانتشار التجارة الالكترونية وعمليات غسل الاموال الالكترونى الذى يتم فى ثوانى معدودة من اجل الاسراع فى اخفاء العمليات الاجرامية.


ويورد خبراء في الاقتصاد انه يتم غسل اموال سنويا تزيد عن تريليون دولار بما يعادل ١٥ ٪ من اجمالى حجم التجارة العالمية، وكشفت تقارير اقتصادية دولية ان بنوك سويسرا وحدها بها ما يتراوح ما بين تريليون الى ٢ تريليون دولار جاءت من مصادر قذرة متحصلات جرائم ودخلت كغسيل اموال.


خراب أمني واقتصادي


الخبير الأمني اللواء فراج، عدد الاثار السلبية لعمليات غسيل الاموال، ومنها زعزعة الامن والاستقرار فى الدولة، ووصول اصحاب تلك الاموال من المجرمين والفاسدين وتسللهم الى المجالس النيابية، واستغلال الحصانة البرلمانية وحدوث خلل فى البنية الاجتماعية لمواطنى الدولة، وما يصاحبه من سوء توزيع الدخل القومى وانتشار الفساد الوظيفى والادارى وتحوله من جهاز خادم للمصلحة العامة الى جهاز مشارك فى الفساد والتدمير.


كما تؤدي هذه العمليات إلى زيادة معدل الجريمة، أما من الناحية الاقتصادية فيتم الاضرار بمناخ الاستثمار والتأثير على اسعار صرف العملات والفائدة وما يصاحبها من تضخم فى الاسعار وتدهور القوة الشرائية للنقود، ومنافسة الاقتصاد الشرعى للدولة والتاثير عليه والانفاق على مكافحة الجريمة المنظمة بدلا من الانفاق على التنمية والرعاية الاجتماعية، وارهاق الاقتصاد الوطنى وفلاس المشروعات الاقتصادية القومية.


وحدتان لمواجهة الظاهرة


وعن دور الدولة فى مكافحة جرائم غسل الاموال، يوضح فراج أن مصر أصدرت القانون رقم ٨٠ لسنة ٢٠٠٢ لمكافحة جرائم غسل الاموال استجابة للنداء الدولى لتوحيج كافة الجهود للدول لمواجهة خطر جرائم انتشار غسل الاموال على الاقتصاد الدولى، وسارعت وزارة الداخلية بانشاء وحدة مكافحة جرائم غسل الاموال، ووحدة شبيهة بالبنك المركزى المصرى تمثل فيها كافة الجهات الامنية وملحق بها اعضاء من السلطة القضائية وعدد من المتخصصين فى المجالات المتعلقة بتطبيق احكام القانون، وتختص هذه الأخيرة بتلقى الاخطارات الواردة من المؤسسات المالية واصحاب المهن والاعمال الغير مالية عن العمليات التى يشبهة انها تشكل متحصلات او تتضمن غسل اموال او تمويل ارهاب، كما تتولى اعمال التحرى والعرض عما يرد من اخطارات او معلومات عن عمليات يشتبه انها عمليات غسل اموال او تمويل ارهاب، وتخطر النيابة العامة بنتيجة الفحص والتحريات.


كما تقوم الدولة بتفعيل اجراءات مكافحة غسل الاموال من خلال التعاون الدولى وابرام الاتفاقيات مع الدول التى تكافح جرائم غسل الاموال.


وهناك عدد من اخطارات الاشتباه تلقتها وحدة مكافحة غسل الاموال بالبنك المركزى المصرى حول تورط بعض البنوك العاملة فى السوق المحلية فى عمليات غسل اموال، وهذه الاخطارات كانت في تزايد مستمر بعد ثورة ٢٥ يناير، ولا يزال يتم فحصها بمعرفة المختصين والاجهزة الرقابية.


وتشن الادارة العامة لمباحث الاموال العامة برئاسة اللواء طارق الاعصر، حملات وجهود لضبط كل من ارتكب جريمة وعادت متحصلات ماليه نتيجة تلك الجرائم ومصادرتها لتحقيق مبدأ الردع.


جرائم ارتكبها مصريون


وقد كشف العميد شريف عبد المجيد، مدير مكافحة غسل الاموال بالادارة العامة لمباحث الاموال العامة، عن نجاح الادارة فى ضبط اخطر قضية غسل اموال بإجمالى مبالغ وصلت لـ ٣٠٠ مليون جنيه، وبدأت الخيوط بمتابعة نشاط صاحب اكبر مجموعة لشركات الصرافة وزوجته والسابق ضبطه فى قضايا اتجار فى النقد الاجنبى والعملة الصعبة من خلال قيامهم بنشاط واسع فى الاتجار فى النقد الاجنبى فى السوق السوداء والاستحواذ على اكبر قدر من العملات الاجنبية مما يكون له بالغ الضرر على الاقتصاد القومى.


وتمكن ضباط ادارة غسل الاموال من التوصل الى عائد الجريمة المؤثمة والتى قام المتهم بإخفاء وتمويه متحصلات جريمته بشراء عدد من قطع الاراضى بمناطق التجمع الخامس بإجمالى ١٣٠ مليون جنيه، ومشاركته فى انشاء مجمع سكنى بالقاهرة الجديدة باسماء بعض اقاربه واخفاء وتمويه ٦٠ مليون جنيه بالمشاركه فى شراء قطعة ارض بمدينة الغردقه السياحية. وكشفت التحريات ايضا شراؤه لـ ١١ وحدة سكنية ومحال تجارية فى عدد من مناطق المتميزة بالقاهره قدرت بـ ١٢ مليون جنيه، وقام بتأسيس ١٣ شركة برأس مال يتراوح ما بين ٥ الى ١٠ مليون جنيه لكل شركة، وكذا شراء العديد من السيارات الفارهه بالاضافة الى زيادة فروع شركته الى ١٠ فروع.


واكد مدير مكافحة غسل الاموال بالادارة العامة لمباحث الاموال العامة، انه تم الحصول على جميع العقود التى تخص ممتلكاته متحصلات الجريمة وبلغت قيمتها بنحو ٣٠٠ مليون جنيه، وتم اتهامه بتهمة غسل الاموال وعرضه على النيابة التى تباشر التحقيق تمهيدا لمحاكمته، وقامت ايضا ادارة غسل الاموال بإلقاء القبض على محمد حمزه الحسينى المتحدث الرسمى باسم الغرفة التجارية بالجيزة لتضيف نجاحا تلو الاخر لوزارة الداخلية وبدأت وقائع القضية ببلاغ يتهم الحسيني باستغلاله علاقته برجال الاعمال والمستثمرين وحصوله منهم على مبالغ ماليه كبيره وبعض التسهيلات لشركاته الخاصة التى يديرها بمدينة ٦ اكتوبر.


وكشفت التحريات انه عُين بالغرفة التجارية بناء على حصوله على ١٣ دكتوراة وهمية من جامعات عين شمس وبريطانيا وامريكا فى الاقتصاد الدولى، كما نسب لنفسه عضوية الاتحاد العالمى لاصدقاء الامم المتحده، والجمعية المصرية للامم المتحدة، وجمعية المراسلين الاجانب بالقاهرة، وايضا اضاف لاسمه لقب السفير. وثبت أن جميع الشهادات الخاصة به مزورة، فتم مداهمة مقر الشركة الخاصة به في مدينة ٦اكتوبر، وتم ضبط ٣٠ كارنيه مزور منسوب صدوره للعديد من الجهات الدولية وعدد من الشهادات العلمية المزورة المنسوبه لجامعات مصرية ودولية، وبموجب هذا النشاط كون ثروة طائلة تمكنت ادارة غسل الاموال من التوصل الى متحصلات جريمته من شراء فيلا بمدينة اكتوبر بمبلغ ٧ مليون جنيه، وشراء وحدة سكنيه بالعين السخنة بنحو مليون جنيه، وشراء العديد من السيارات الفارهة. كما قام بتأسيس شركتين للبرمجيات والدعاية والاعلان والتسويق وتم عرضه على نيابة الشئون المالية، وتم توجيه تهمة التزوير والنصب وغسل الاموال للمتهم وحبسه على ذمة القضية.