البيضة المضيئة

18/08/2014 - 9:51:37

تاليف : عبد المقصود محمد..الاخراج الفني : حسان فاروق ..رسوم : رشا سالم

دخل عصام قاعة العرض الفسيحة ، وكان يرافقه أخوه الأصغر حسام ، شعر عصام بالفرح وهو يتأمل شاشة العرض البيضاء ، أما حسام فلم يكن مهتماً ، لقد جاء مع أخيه لمجرد أن يقلده ويتسلى ، بعد قليل امتلأت القاعة بعدد كبير من الأطفال ، وانشغل حسام بتناول شطيرة كان يحتفظ بها فى حقيبته ، ثم إرتشف جرعة من زجاجة العصير ، وجه إليه عصام نظرة تأنيب وهمس فى أذنه قائلاً:هذه القاعة ليست لتناول الطعام فلا تحرجنى .


تظاهر حسام بالانصياع لرغبة أخيه ولكنه كان يغافله ويقضم لقمة من الشطيرة ، ثم تبعها برشفة من زجاجة العصير وعندما ينتبه إليه عصام وينظر إليه غاضباً ، كان حسام يكتم ضحكته وينكمش فى ملابسه بحركة مراوغة.


أخيراً أطفئت أنوار القاعة ، ودارت ماكينة العرض ، لتظهر على الشاشة الصور والمناظر السريعة ، مصحوبة بنغمات من الموسيقى ، كان فيلماً علمياً ، تم تصويره بكاميرات متطورة ، تحملها طائرات أو أقمار صناعية أو سفن فضائية ، وكانت لقطات الفيلم ناصعة ، زاهية الألوان ، شديدة الوضوح ، أما بطل الفيلم فلم يكن إلا كوكب الأرض ، الذى نعيش عليه ، الأرض وغلافها الجوى ، لقد أبدع العلماء فى تصوير الأرض من خارج غلافها الجوى .


ومثل بقية الأطفال نسى حسام الشطيرة والعصير ، وجذبته تلك الصور النادرة الجميلة ، إلا أن الموسيقى المصاحبة لم تعجبه وشعر معها بالانزعاج ، فقد كانت موسيقى حزينة تتخللها دقات مزعجة ، ومن خلال حركة الكاميرا ودورانها حول الأرض واختراقها الغلاف الجوى ، ظهرت بقعة باهتة فى طبقة الأوزون التى تغلف الجو حول الأرض ، إن الصور تظهر بوضوح شديد أن طبقة الأوزون التى تحمى سكان الأرض من الأشعة الكونية الضارة ، حدث بها شيئ خطير ، فقد تآكلت وحدثت بها حفرة فوق القطب الشمالى للأرض ومن خلال هذه الحفرة ، تتسرب الأشعة الكونية الضارة التى تصيب جلد الانسان بالسرطان وتهدد حياة البشر ، وبعد أن دارت الكاميرا حول هذه الحفرة وأظهرت أطياف الأشعة الضارة التى تندفع منها نحو كوكب الأرض ، نزلت الكاميرا بسرعة الصاروخ وأخذت تصور لقطات واضحة ، لمظاهر التلوث على سطح الأرض والأنشطة التى يقوم بها البشر فتضر البيئة وتلوث هواء الأرض ، استعرضت الكاميرا لقطات متنوعة لمداخن المصانع وعوادم السيارات ، وحرائق الغابات ، ونفايات توليد الطاقة ، والتفجيرات الذرية ، كانت الكاميرا تنطلق الى أماكن مختلفة من العالم ، بسهولة ويسر كأنها سهم يغوص فى قالب من الزبد بلا مشقة أو معاناة ، ثم ارتفعت الكاميرا بسرعة البرق ، ودارت مرة أخرى حول البقعة المتآكلة مثل الحفرة فى طبقة الأوزون وكانت الموسيقى المصاحبة تعلو ، كأنها تدق أجراس الخطر ، ثم انتهى العرض واضيئت الأنوار فتنفس حسام الصعداء ، تململ فى مقعده ، همس فى أذن أخيه عصام قائلاً :


- هيا نرجع الى البيت .


كان عصام يكبره بثلاث سنوات ، فهو فى الصف الثالث الاعدادى أما حسام ففى نهاية المرحلة الابتدائية ، فوجئ عصام برغبة أخيه فى الخروج ، فتملكه الغضب ولكزه بحركة خفيفة من كوعه قائلاً: اصبر حتى نسمع المحاضرة العلمية ففيها شرح لكل ماجاء بالفيلم .


- أخشى أن تطول .


- ولو .. انها مفيدة ، أنصحك أن تستمع إليها باهتمام فسوف تدرس هذا الموضوع فى العام القادم ، حاول أن تفهم.


فى تلك اللحظات ، دخل القاعة رجل عجوز وقور ، أشيب الشعر ، اعتلى المنصة بحيوية ونشاط ، ابتسم وهو يرد على تحية بعض الفتيان وبدأ يتحدث بصوت رخيم عن طبيعة الغلاف الجوى ومكوناته وخطورة تآكل طبقة الأوزون بسبب زيادة نسبة التلوث فى جو الأرض ، ثم استعرض جهود العلماء وعملهم الدؤوب للحد من تعاظم هذه المشكلة ، ورغم جدية الرجل وكثرة الأرقام والمصطلحات العلمية فى كلامه ، إلا أن الصبى الصغير لم يشعر بالملل هذه المرة وكان السر فى ذلك أنه يصغى للرجل وهو يرسم فى خياله صورة كاريكاتورية ، فيتخيله طبيباً فى مستشفى ، يدخل غرفة العمليات ، ثم يضع الكرة الأرضية على المنضدة  ويقوم بعمل ترميم لغلافها الجوى ، مستخدماً الفرشاة والألوان بدلاً من مشرط الجراح .


وعندما انتهت المحاضرة وخرجا الى الشارع ، صارح حسام أخاه عصام بهذا التصور الكوميدى ، فضحكا كثيراً وهما يمشيان الى البيت عبر شارع طويل ، خافت الإضاءة ، تنمو على جانبيه شجيرات وارفة الخضرة ، وبعد قليل تفرق الجميع ، كل فى اتجاه وبدا الشارع الطويل خاليا من المارة ، كان الجو شتوياً بارداً ، رفع حسام ياقة معطفه خلف أذنيه وحث أخاه أن يسرع الخطا ، لعل الحركة تبعث فيهما الدفء ، وعند الساعة التاسعة والربع ، كانا يمران بمحاذاة سور حديقة «ابن الهيثم» وهى تمتد على مساحة شاسعة وتملؤها أنواع مختلفة من الأشجار الباسقة والنخيل والأشجار الضخمة المعمرة ، إضافة الى أحواض الزهور وشجيرات الورد ، كانت أنوار الحديقة مطفأة وأبوابها مغلقة ، ورغم انهماك حسام فى السير ، إلا أنه توقف فجأة وهو يقترب من قضبان سور الحديقة ونظر من خلالها باهتمام وتركيز نحو الداخل، التفت عصام إليه وسأله بدهشة: هيا ، لماذا توقفت هنا.؟!


- لمحت شيئاً مضيئاً يهبط داخل الحديقة .


- لكنى لم أر شيئاً ، دعك من هذه الخيالات ، هيا ..


- صدقنى ، انه مستدير الشكل وبه أضواء خافته ، اسمع.


- لا أسمع إلا نقيق الضفادع فى بركة البط بالحديقة .


- إنه يصدر صوتاً يشبه حفيف ثياب من أقمشة صناعية.


- ياسلام .. أرجوك ، ارحمنى من خيالك ، انه حفيف الأشجار .


- لكنى متأكد مما رأيت .


وفجأة سطع ضوء من وراء الأشجار ثم انطفأ بسرعة فالتفت حسام الى أخيه وقال هامساً :


- هل رأيت .؟


- حسام ، نحن فى الشارع وحدنا وأخشى أن ...