البيضة المضيئة

18/08/2014 - 9:49:50

تاليف : عبد المقصود محمد..الاخراج الفني : حسان فاروق ..رسوم : رشا سالم

وقبل أن يكمل كلامه ، حشر حسام جسمه النحيل بين قضبان السور ، واندفع مبتعداً داخل الحديقة ، غير ملتفت لندء أخيه: حسام ، ارجع يا طائش ، ارجع ولاتعرض نفسك للخطر .


حاول عصام أن يلحق بأخيه لكى يعيده ، لكن جسمه السمين انحشر بين قضبان السور ، ولم يفلح فى اللحاق بأخيه ، فمشى وهو يتلفت ويبحث عن وسيلة لانقاذ أخيه ، نظر لارتفاع السور فوجده عالياً ولايقدر على تسلقه ، جرى مسرعاً الى بوابة الحديقة ، كانت مغلقة ، فحاول أن يتسلقها، لكن جسمه الثقيل جعله يفشل ويسقط على الأرض ، تملكه الخوف على أخيه فصاح منادياً:حسام .. ياحسام . ارجع أرجوك .


حينئذ كان حسام يختبئ خلف الأشجار ويشعر بمزيج من الرهبة والدهشة وهو ينظر نحو هالة واسعة من الضوء الأزرق الباهت ، فى البداية لم يستطع أن يحدد معالمها ، مرت لحظات وهو يفرك عينيه ويدقق النظر فيها ، انها تشبه كرة هائلة من الثلج ، تشع بلون أزرق باهت ، كانت تذكره بسبحة والده المسماة «نور الصباح» ، فهى تشع نوراً أخضر فى الظلام ولاتفصح عن الخيط الذى يخترق حباتها ،   هذه الكرة أيضاً لاتكشف عما بداخلها وليس فيها باب أو شباك أو عجلات أو حتى مجرد بروز لقاعدة ترتكز عليها ، فهى مثل البيضة المضيئة ، لم يشعر حسام بأى خوف فقد كان يتحلى بروح المغامرة ، مما دفعه للاقتراب منها أكثر ، وكان يحدث نفسه قائلاً: «لو أن هذه البيضة الهائلة طارت فى السماء فى وضح النهار كالبالونة فهل بمقدور أحد أن يراها أو يميزها من زرقة السماء وماذا يدرينا لعل السماء تزخر بالكثير منها ونحن لاندرى»!


وحينما اقترب منها أكثر ، أكتشف أنها اتلفت جزءاً من الحديقة ، فقد تكسرت أغصان بعض الأشجار وجفت أوراقها ، كما احترقت الحشائش فى دائرة واسعة أسفل البيضة الهائلة وحولها ، شعر حسام بتيار من هواء ساخن يلفح وجهه ، وزكمت أنفه رائحة احتراق الحشائش الخضراء ثم أحس بشئ من الخدر ، يسرى فى أوصاله وشعر بصداع فى رأسه وزغللة فى عينيه ، حاول أن يتراجع للوراء فلم يقدر ، ثقلت قدماه كأن رصاصاً قد صب فيهما ، فجأة فـُتح باب البيضة ومال نحو الأرض فتحول الى سلم ، حاول حسام أن ينظر داخلها ليرى ماذا بها ، لكنه أصيب بضبابية الرؤية ، فلم يتبين إلا وهجاً أزرق يحجب كل التفاصيل ، شعر حسام بالخوف وحاول أن يرفع قدميه ويرجع للخلف فلم يقدر ، جف ريقه وشعر بالعطش ، كان يتنفس بصعوبة وأحس بالإعياء الشديد والرغبة فى التقيؤ كأنه أكل شيئاً ملوثاً أو مسموماً ، كان شعوراً قوياً ، لم يقدر على احتماله ، فركع نحو الأرض وأفرغ مافى جوفه من طعام وشراب ، ثم وقف يلهث ويبصق طعم المرارة من فمه .. فجأة انطفأ الضوء الأزرق المشع وغطت المكان ظلمة موحشة ، اعتقد حسام للوهلة الأولى أن البيضة قد اختفت ، فرك عينيه وحاول أن يستعيد قدرته على الابصار ويدقق النظر فيما حوله ، على ضوء القمر المتسلل من بين أوراق الأشجار ، كان قلبه يدق مضطرباً ، وأنفاسه تتلاحق فيعلو صدره ويهبط بانتظام ، حينئذ لمح حسام البيضة الهائلة واقفة فى مكانها كما هى ، إلا أنها أصبحت بلون برونزى معتم ، وانبعث منها صوت منتظم يشبه دقات ساعة الحائط  شعر حسام بأنه يسترد عافيته وعادت إليه روح المغامرة فمشى نحو البيضة حتى لمح شيئاً يتحرك ببطء ويقف بفتحة باب البيضة ، انه فى حجم طفل رضيع فى الثانية من عمره ، يرتدى ملابس معدنية لامعة ، يغطى رأسه بخوذة زرقاء ، يشبه الانسان الآلى الذى أصبح منتشراً فى مصانع السيارات والمفاعلات النووية . مرت لحظات وكلاهما يتأمل الآخر فى صمت ، ثم رفع الكائن الصغير ذراعه الأيمن ببطء وحرك أصابع كفه الصغير كأنه يحيى حسام ويشير عليه بالاقتراب