الفعل الثقافى المقاتل صار فرض عين على كل مثقف: نحو مؤتمر للمثقفين العرب برعاية الرئيس السيسى .. لمواجهة الطائفية والإرهاب

06/01/2016 - 9:19:46

بقلم - أسامة عفيفى

 فى رسالة أرسلها العلامة العراقى طه الراوى أحد رواد الثقافة والتربية فى العراق عام ١٩٣٦ إلى الدكاترة زكى مبارك - كما كان يسمى نفسه - قال الراوي: «أنت تعرف أن المؤامرة الصهيونية الاستعمارية التى تدور الآن فى فلسطين تهدف أول ماتهدف إلى تمزيق حبال الأخوة بين العراق والشام ومصر، وتعرف أيضا أن اجتماعنا فى القاهرة عام ١٩٣٣ فى دار لجنة التأليف والترجمة والنشر قد أصابهم بالهلع لأننا اجتمعنا على قلب رجل واحد لنخطط لوحدة أمتنا الثقافية، وبدأنا فعلا لا قولا فى تنفيذ ما اتفقنا عليه وقررناه فى المؤتمر الثقافى العربى الأول وبدأنا خطوات توحيد المناهج العربية، وبدأ مشروع إعارة الأساتذة للمعاهد العربية من مصر يرى النور، وهاهم أعلام العلم من مصر يعملون فى المعاهد العلمية فى بغداد ودمشق والحجاز واليمن والمغرب وفلسطين، هذا النجاح دفعهم وأنت تعلم إلى افتعال المشاحنات والفتن للتفريق بيننا وضرب وحدتنا لدرجة أن شركة التوزيع الشرقية فى مصر لم تعد ترسل مجلات الرسالة والثقافة والصحف المصرية وهو أمر يضر العراقيين، الذين تعرف أنهم أهل اطلاع وثقافة».


كانت مناسبة تلك الرسالة أن شابا عراقيا مهووسا أطلق الرصاص على أحد الأساتذة المصريين فى كلية حقوق بغداد فقامت حملة إقليمية شرسة فى الصحف تدعو إلى مقاطعة العراق، وسحب البعثة التعليمية من بغداد، والتخلى عن دور مصر العلمى والثقافى فى العراق ثأرا للأستاذ المصرى وهى الأزمة التى ساهم فى احتوائها أحمد أمين وزكى مبارك وعبد الوهاب عزام وطه حسين، وعادت البعثة المصرية التعليمية إلى بغداد وعادت المطبوعات المصرية للقراء العراقيين، ولقد كتبت منذ أكثر من عشر سنوات عن هذه الأزمة بالتفصيل، معتمدا على الرسائل المتبادلة بين طه الراوى وأحمد أمين وزكى مبارك وأحمد حسن الزيات وغيرهم، وكيفية احتواء الأزمة وإعادة الروابط الثقافية إلى ماكانت عليها لكن استوقفنى آنذاك فى رسالة الراوى لزكى مبارك عبارة « المؤتمر الثقافى العربى الأول بدار لجنة التأليف والترجمة والنشر» وقررت أن أنقب عنه وعن تفاصيله، وبالفعل وجدت ضالتى فى الرسالة، فمنذ فترة كنت أبحث فى مجلدات مجلة الرسالة عن مقال لأحمد أمين كتبه فى أوائل الثلاثينيات عن ضرورة تطوير النحو العربي، وفى أثناء بحثى فى الجزء الأول من مجلد عام ١٩٣٣ فوجئت بخبر يؤكد أن وفود الأدباء العرب من الحجاز والعراق وسوريا وفلسطين والمغرب وحضرموت واليمن سيجتمعون بدار لجنة التأليف والترجمة والنشر، لبحث العلاقات الثقافية العربية وتنسيق الجهود الأدبية والعلمية العربية، الذى من شأنه إعلاء شأن العروبة والثقافة العربية، وقد أضاف المحرر إلى الخبر أمنياته بأن تكلل جهود أدباء العروبة بالنجاح، فالأمم لا تنهض إلا بوحدة أعلامها وأدبائها.


المفاجأة فى الخبر أن مثقفى الثلاثينيات كانوا على وعى تام بوحدة الثقافة العربية، وأنهم كانوا معنيين بأهمية توحيد الجهود الثقافية، قبل ظهور الأحزاب القومية، وقبل نشأة الجامعة العربية، بل إن أهمية الخبر المفاجأة أن هؤلاء المثقفين سعوا من تلقاء أنفسهم من خلال حركة مستقلة لتأسيس أول مؤتمر يجمعهم لتحويل أفكارهم إلى حركة فاعلة فى الواقع، مستهدفين وحدة الجهود الثقافية العربية ذلك كله فى ظل حكومات رجعية عميلة للاستعمار الذى كان رابضًا على الأرض العربية من المحيط إلى الخليج.. وبعد أن قرأت الخبر بدأت أتابع وأنقب عما ما نشر عن انعقاد هذا المؤتمر وجلساته وأوراقه حتى جمعت ملفا ضخما سأنشر تفاصيله قريبا، والمفاجأة أن أهم توصية خرج بها هذا المؤتمر كانت ضرورة توحيد المناهج الدراسية بين البلدان العربية وهو الأمر الذى تحقق عام ١٩٣٦. ما أحوجنا لجمع تاريخنا الثقافى العربى وتدوينه وتقديمه للأجيال الجديدة بشكل علمى لدحض الأفكار المجانية غير العلمية، التى تشيع أن الحركة القومية العربية لم تظهر فى مصر إلا فى الأربعينيات فلقد سمعت أن مسئولاً ثقافيًا بارزًا قد أشاع ذلك فى أحد المؤتمرات التى ناقشت مستقبل الثقافة فى مصر!!.. أو أن العروبة هى مشروع ناصرى ..الأهم فى اعتقادي، أن هؤلاء الرواد العظام الذين اجتمعوا فى القاهرة عام ١٩٣٣ لتأسيس أول مؤتمر ثقافى عربى كانوا على وعى بأهمية دورهم، وأنهم كانوا مؤمنين بأن المثقف الحقيقى هو الذى يسعى لتغيير واقعه. وتحقيق رسالته الخالدة ورسم ملامح مستقبل الأمة، وعندما قررت أن أكتب عن تصوراتى الثقافية عما ينبغى أن نخطط له فى عام ٢٠١٦ بشأن الثقافة بعد اكتمال استحقاقات ثورتنا بتشكيل مجلس النواب بانتخابات هى الأكثر نزاهة فى تاريخنا السياسي، تذكرت رسائل الراوى وملف مؤتمر المثقفين الأول، ووجدت أن التحديات الإقليمية التى تحاصرنا من تطرف وإرهاب وطائفية ونعرات عرقية فى الوطن العربى لا يمكن مواجهتها بالسلاح فقط، لكن الأوجب مواجهتها بالثقافة التى تعلو على أى انتماء طائفى أو مذهبي، فعروبة اللسان وثقافة العرب هما الجسر الذى عبر عليه المثقفون والمفكرون العرب لتوحيد الأمة ثقافيا والبداية دائما تنطلق من القاهرة، ففى عام ١٩٣٣ بدأت الشعلة من القاهرة وعام ١٩٥٦ بدأت أيضا من القاهرة بعد تأميم القنال، بل إن إذاعة صوت العرب التى أنشأها عمنا فتحى رضوان كانت هى الزاد الثقافى اليومى لأبناء الأمة من المحيط إلى الخليج، وفى ١٩٦٧ بدأ التضامن العربى لمواجهة آثار العدوان من مؤتمر المثقفين العرب فى القاهرة، وكل المؤشرات المحيطة بنا تتطلب وعيا بالتاريخ والجغرافيا والمكانة الثقافية المصرية، وعلى المؤسسة الثقافية الرسمية بعد الثورة أن تعى أننا لا نحتاج إلى احتفاليات ثقافية ومهرجانات فنية ينتهى تأثيرها بعد انفضاضها، لكننا بحاجة إلى فعل ثقافى عربى استراتيجى كبير يخطط لتوحيد الأمة حضاريا فى مواجهة تحديات التفتيت والتمزيق وإعادة تقسيم الأرض العربية على أساس مذهبى طائفى لضرب فكرة العروبة والوحدة الثقافية ومنع الأمة العربية من تهديد أمن اسرائيل أو تهديد مصالح القوى الاستعمارية فى المنطقة، والقضاء على أى فرصة لتوحيد العرب فى المستقبل وذلك بتحويل الانتماء الثقافى إلى المذهب أو الطائفة بدلا من الانتماء إلى الثقافة العربية الأشمل.


التحدى كبير ودور القاهرة هو الأهم لمواجهة مخطط التفتيت والتشرذم، والمطلوب الآن كخطوة أولى تدخل الرئيس السيسى شخصيا لرفع القيود البيروقراطية التى تعانى منها المطبوعات المصرية وتمنعها من الوصول إلى العواصم العربية وهى قيود وضعت فى أثناء حكم السادات الذى كان قد تخلى عن الانتماء العربى بعد حرب أكتوبر، أما الخطوة الثانية وهى الأهم فى اعتقادى هى عقد مؤتمر المثقفين العرب تحت رعاية الرئيس السيسى أيضا وبتنظيم دقيق من وزارة الثقافة المصرية يحضره المثقفون والكتاب العرب لبحث سبل مواجهة الإرهاب والتطرف والطائفية ووضع الخطط العملية لتوحيد الأمة ثقافيا.


فمن غير المعقول أن نترك القيادة السياسية الوطنية تحارب من أجل الحفاظ على الكيان العربى والأمن القومى العربى الذى هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى وسط هذه الأنواء دون فعل ثقافى حقيقى يحرث الأرض ويقبلها ويزرع شجرة الانتماء العربى فى مواجة الانتماء
إلى الطائفة أو المذهب، وأعتقد أن أهم ماينبغى إنجازه فى عام ٢٠١٦ هما هاتان الخطوتان تحرير المطبوعات المصرية من قيود الوصول إلى العواصم العربية وعقد مؤتمر المثقفين العرب فى مواجهة الطائفية والإرهاب والمذهبية لوضع خطة ثقافية عربية استراتيجية تواجه التحديات الراهنة وترسم ملامح المستقبل مثلما فعل الرواد عام ١٩٣٣، فالثقافة ليست قوة ناعمة كما يشاع بل إنها قوة ضاربة لأنها تشكل الفكر والوجدان.. الثقافة فعل إيجابى والمثقف المنعزل داخل شرنقة الذات الجالس على مقهى الانتظار ليس بمثقف حتى ولو كتب آلاف المقالات التى تبشر بالتغيير وتطالب به، إننا بالفعل بحاجة إلى استلهام روح الفعل القتالية التى كان يؤمن بها هؤلاء الرواد.


ففى مواجهة الأخطار التى تحاصر الوطن من كل جانب، يصبح الصمت جريمة، وانتظار الإلهام خطيئة، ويصبح الفعل الثقافى المقاتل فرض عين على كل مثقف.