دماء على جدار السلطة (٦) خروجًا عن مبادئ الإسلام

06/01/2016 - 9:15:45

بقلم - رجائى عطية

كان يزيد «ابن» معاوية، ولكنه لم يكن كمعاوية، ولا كان كأحد من الباقين على قيد الحياة من الصحابة، ولا كان كأحدٍ من أبناء الصحابة الذين كان لهم فى الرسول عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة، ولا كان صاحب جدّ وصلاح، ولا صاحب نباهةٍ وتميّز، وإنما كان صاحب قنص ولهو وعبث وتنعّم، وصاحب ترخص فيما لم يترخص فيه الصالحون.


وكان معاوية يعلم أنه لو فارق الدنيا دون أن يعقد لابنه يزيد الأمر، ويوطده ويثبته، لما كانت له أية فرصة فى ولاية الأمر.. ولكن معاوية كان يريد أن يستمر الأمر فى ذريته من بعده، ولم تكن هذه الرغبة لصالح الإسلام ولا لصالح المسلمين، وكان معاوية أول من استنها فأخذ الأمور فى طريق لم تفء من بلاياه لمئات السنين، وركب الدولة والمسلمين من ذلك شرٌ مستطير.


بدأ معاوية بأخذ البيعة لابنه بالشام حيث عزوته وصنائعه وجنده وحاشيته، ولم يلق فى ذلك صعوبة، فالناس هناك على رغبته وهواه، فأعطوه البيعة التى أراد فكتب بها إلى الآفاق، ولكن أعياه أمر الحجاز، وكان أول ما أزاله من عقبات هناك قريبه وعامله على الحجاز «مروان بن الحكم»، فقد كان يريدها لنفسه من بعد معاوية، فأغرى رءوس قريش ـ سًّرا ـ بالإباء، وأبطأ على معاوية فيما أراد، ولكن معاوية لم يبطئ فى عزله وتولية من توسم أن يكون لرغبته أطوع، فولّى «سعيد بن العاص»، بيد أن أحدًا لم يجبه إلى ما جعل يبديه، فحمله معاوية بكتب إلى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، والحسين بن على، وعبد الله بن جعفر، وأمره أن يبعث إليه بإجاباتهم عليها، ولكن سعيد بن العاص أعيته الحيل فى إقناع هؤلاء وغيرهم بهذه البيعة البغيضة، فأزمع معاوية أن يخف إلى مكة ومعه الجند وحقائب الأموال فيما نقل الرواة.


وقد بدأ معاوية بلقاء هذا النفر من وجهاء المسلمين بالحجاز، وأراد أن يغريهم
بما سبق له من وصل الأرحام وبأن يزيد أخوهم وابن عمهم وأنهم لو قدّموه للخلافة
لصاروا خلفاء يعزلون ويأمرون ويجبون الأموال ويقتسمونها دون أن يعارضهم فى شىء من ذلك.


ولكن معاوية لم يبلغ معهم ما يريد، وخيره « عبد الله بن الزبير »، بين أن يصنع كما صنع رسول الله إذْ لم يستخلف أحدًا فارتضى الناس أبا بكر، أو كما صنع أبو بكر إذْ عهد إلى رجلٍ ليس من بنى أبيه، أو كما صنع عمر إذ جعل الأمر شورى فى ستة نفرٍ ليس فيهم أحدٌ من ولده ولا من بنى أبيه.


لم يفلح حوار معاوية مع ابن الزبير، ولا مع الباقين ممن اجتمع بهم من أبناء الصحابة، فأجابوه بما قاله ابن الزبير، وبأنهم على رأيه، فانتقل معاوية من الملاينة
إلى المخاشنة والوعيد، وأزمع أن يأخذ البيعة لابنه كرهًا، فقال لهم متوعدًا : « أعذر من أنذر ! .. إنى كنت أخطب فيكم فيقوم القائم منكم فيكذبنى على رؤوس الأشهاد فأحمل ذلك وأصفح، وإنى قائم بمقالة.. فأقسم بالله لئن رَدَّ أحدكم كلمة فى مقامى هذا، لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقين رجل إلاَّ على نفسه»


ويقول الرواة إنه استدعى إلى المسجد صاحب حرسه، وأمره أن يقيم على رأس كل منهم رجلين مع كل منهما سيف، وأن يضربوا عنق من يكذبه أو يرد عليه كلمته، ثم إن معاوية خطب الناس فى المسجد فذكر البيعة ليزيد بولاية العهد، وأن الناس أجمعوا على قبول ما اختاره لهم، وأن هؤلاء الرهط من سادة قريش وخيارهم قد رضوا وبايعوا ليزيد، وطلب إلى الناس أن يبايعوا ليزيد كما بايع هؤلاء.


وأيًّا كانت الروايات، فالمحقق الذى لا مجال فيه إلى مماراة، أن معاوية أكره هؤلاء على الصمت بعد أن لم يستطع إكراههم على البيعة!


وقد مات معاوية بعد أربع سنوات من هذه البيعة البغيضة التى لا يأمن عاقل عقباها، ويقال إن معاوية لم يبارحه هذا القلق، ونقل الرواة عنه أنه جعل يوصى يزيد بكيف يتعامل مع هؤلاء الذين يخافهم عليه من قريش: الحسين بن على، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ويقال إنه أبدى أن ابن عمر وقذته العبادة ولن يمتنع عن بيعته إذا رأى الآخرين قد فعلوا، وإنه لا يظن أن أهل العراق بتاركى الحسين حتى يخرجوه، فإنْ ظفر به فليصفح فإن له رحمًا ماسةً وحقًّا عظيمًا، أما عبد الله بن الزبير فوصفه فيما قيل بأنه «خب ضب.. فإذا أمكنته فرصة وثب.. فإن هو فعلها وقدرت عليه، فقطعه إربًا إربًا إلاَّ أن يلتمس منك صلحًا، فإن فعل فاقبل واحقن دماء قومك ما استطعت» . وسنرى أنه لم يحقن الدماء وتوغل وأعوانه فى دماء ذكية! وفتح أبوابًا لإراقة الدماء لم تنغلق!


رفض مبايعة يزيد


تولى يزيد سنة ٦٠ هـ، وكان فى نحو الرابعة والثلاثين من عمره، ودون أنداده من كبار أبناء الصحابة فى السن والتجربة، وليس من حوله من كانوا يشيرون على أبيه أمثال المغيرة وزياد وعمرو بن العاص، وغيرهم، فكتب متعجلاً إلى ابن عمه الوليد بن عتبة بن أبى سفيان ـ عامله على المدينة، يأمره قائلاً: «أن خُذْ حُسَينًا، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير ـ بالبيعة أخذًا شديدًا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا . والسلام».


ويقال إن الوليد بن عتبة ارتأى أن يستشير مروان بن الحكم، فلم يصدقه النصحية، وأشار عليه قائلاً: «أرى أن تبعث الساعة إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة، أما ابن عمر فلا أراه يرى القتال، ولكن عليك بالحسين وعبد الله بن الزبير، فإن بايعا وإلاَّ فاضرب أعناقهما»، وأنه إذ علم بأن الوليد لم يأخذ بنصيحته، غضب من ذلك غضبًا شديدًا، فرده الوليد قائلاً: «أتشير علىّ بقتل الحسين ! والله إن الذى يحاسب بدم الحسين يوم القيامة لخفيف الميزان عند الله!»


وخلاصة القول أن وفاة عبد الرحمن بن أبى بكر قبل معاوية، قد أغنت يزيد عن التصدى له، وأن عبد الله بن عمر كان كما توقع معاوية ـ قد وقذته العبادة، فلم ينشط للمعارضة.


إلاّ أن الحسين وعبد الله بن الزبير، تمسكا برفض البيعة ليزيد، وراوغا عامله على المدينة الوليد بن عتبة، وخرجا بليلٍ لاجئين إلى مكة.


دعوات أهل العراق


أقام الحسين وابن الزبير بمكة رافضين البيعة، ورغم طموح عبد الله بن الزبير إلاَّ أنه كان يدرك مكانة الحسين، واستحالة أن يقدّم نفسه عليه، فاتجهت الأنظار إلى الحسين معقد الرجاء فى إعادة سيرة الخلافة الراشدة التى ولت باغتيال الإمام علىّ رابع الخلفاء الراشدين سنة ٤١ هـ . وبدأت تصل إلى الحسين دعوات متزايدة من العراق ومن شيعة أهل البيت فى الكوفة، وهم أكثر أهلها، معلنين أنهم لم يرتضوا البيعة ليزيد، ومؤكدين رغبتهم فى مبايعة الحسين بن علىّ ليكون إمامهم، ولم يتعجل الحسين فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة لملاقاة أهلها واستطلاع جلية الأمر، فلاقى متاعب وخطوبًا بفعل عبيد الله بن زياد الذى ترك ولايته بالبصرة وجاء لقمع الكوفة، ولكن حدثت هذه التطورات بعد أن أرسل مسلم بن عقيل إلى الحسين يخبره بأن الأمور على ما يرام، ويطلب إليه اللحاق به.


تلبية الحسين وشخوصه من مكة


لم تكن تلبية الحسين بن علىّ للدعوات التى أتته من العراق، ومن الكوفة على التحديد، خلعًا لبيعة ارتضاها، فالواقع أن يزيد بن معاوية لم يكن صاحب بيعة صحيحة تلزم بالانصياع له، وكانت الدعوات التى وصلت الحسين بالحجاز تعبيرًا فى الواقع عن رأى عام سائد بكل من الحجاز والعراق، وإن كتمه البعض مخافة بطش السلطان، أو تملقًا لرضاه، ولا شك أن رغبة المسلمين لم تكن فى يزيد بن معاوية وإِنْ دارى بعضهم، وأن الحسين بن علىّ كان أقرب إلى مُنَاهم، فقد كان البون شاسعًا بين الحسين ويزيد، كما كان شاسعًا أيضا بين علىّ ومعاوية، فضلاً عن قرابة الحسين القريبة من رسول الله. ربما تعجل الحسين فى قبول الدعوات التى جاءته، وربما لم يحالفه التوفيق فى عدم قبوله نصح عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر بعدم الخروج إلى الكوفة، إلاَّ أن من يدرس شخصية وصفات الحسين، وما جُبِلَ عليه من صدقٍ وعلم وأدب وشهامة ووفاء وفروسية وقيام بالواجب ـ سيرى أن رفضه هذه النصيحة لم يكن عنادًا مجردًا، وإنما من واقع ما عرفه عن أبيه الإمام على أن الولاية هنا تكليف وواجب لا تشريف، وأن ما يعرفه من صفات يزيد بن معاوية ينبئه بأنه سوف يتخذ منه موقفًا عنيفًا، وهو ما شَفَّ عنه خطابه الذى أسلفناه إلى عامل المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان بأن يأخذ الحسين وابن الزبير أخذًا شديدًا لا رخصة فيه حتى يبايعاه، وقد كَّرسَ هذه الرؤية لدى الحسين إيمانه بأن بيعة يزيد إثم، وأنه ما دام لن يبايع فسوف يشتط يزيد فى إجباره على ما يريد!


مضى مع الحسين إلى الكوفة، نفرٌ من بنى أبيه ومن بنى أخيه الحسن، واثنان من بنى عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، ونفرٌ من بنى عمّه عقيل، وآخرون حرصوا على مرافقته ونصره، ورأى كثير من الأعراب صحة قدومه إلى العراق منابذًا ليزيد، وأملوا فى ذلك خيرًا، فتبعه منهم إلى العراق خلق كثير.


مقدمات المأساة


ترك الحسين مكة شاخصًا إلى العراق، وهو على يقين بأنه لو مكث بمكة
ما تركوه، فمثله على مكانته لا يُترك وشأنه وقد أبى مبايعة يزيد، وقد كان
الحسين بمعزل حين ترك مكة عمّا كان يجرى بالعراق، وبالكوفة على التحديد، فقد غادر ومن معه فى الثامن من ذى الحجة ٦٠ هـ، فلم يعلم بالخطوب التى جرت هناك وانتهت بمقتل «مسلم بن عقيل» فى خبر مؤسف طويل فصَّله الطبرى فى تاريخه(٥ / ٣٥٢ ـ ٣٨١)، ولم يسمع الحسين بالأنباء وبالنكوصات والخيانات إلاَّ وهو فى أواخر الطريق.


وذكر المؤرخون أنه التقى فى بعض الطريق بالفرزدق بن غالب الشاعر، فسأله عن نبأ الناس خلفه، فأجمل الأخبار فى قوله: «قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بنى أمية»!


ولما شارف العراق، أحب الحسين أن يستوثق من صحة ما بلغه فى بعض الطريق، فكتب إلى أهل الكوفة كتابًا بمقدمه مع «قيس بن سهر الصيداوى»، بيد أنه عند القادسية اعتقلته شرطة «عبيد الله بن زياد» وأشخصوه إليه، فأمره ابن زياد أن يصعد القصر فيسب «الكذاب ابن الكذاب الحسين بن على»، وينهى الناس عن أن يطيعوه.


فصعد «قيس» إلى حيث اقتادوه، ولكنه وقف يقول: «يا أيها الناس . إن هذا الحسين بن على خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله، وأنا رسوله إليكم ! وقد فارقته بالحاجز فأجيبوه، والعنوا عبيد الله بن زياد وأباه». فما كاد يفوه بهذه الكلمات حتى عاجلوه وقذفوا به من حالق فمات.


وقيل إن هذا حدث أيضًا مع «عبد الله بن يقطر»، فأبى أن يلعن الحسين، ولعن لاعنيه وعبيد الله بن زياد، فألقوا به من شرفات قصر الإمارة فاندكت عظامه وتكسرت ولم يمت، فذبحوه.


وتوالى وصول الأخبار السيئة، حتى صار بين الحسين والقادسية ثلاثة أميال، فلقيه « الحرّ بن يزيد التميمى» بطلائع جيش عبيد الله بن زياد فى ألف فارس، فصارحه «الحرّ» بأنه لم يترك وراءه خيرًا يمكن للحسين أن يرجوه، ودار بينهما حديث طويل، بعد أن صلَّى «الحر» بمن معه بصلاة الحسين، وأنصتوا إليه ورضوا بكلامه، بيد أنه كان باديًا أن «الحرّ التميمى» لا يملك كل أمره، وأن من معه طاعتهم لأميرهم ابن زياد، وأنه مأمور بألاَّ يحيد الحسين عن الطريق إلى الكوفة، وألاَّ يُسمح له بالرجوع من حيث أتى، وهو فى ذلك كله تحت عيون رقباء، وفى جندٍ يصرون على أخذ «الحسين» أخذًا مهينًا إلى أميرهم «عبيد الله بن زياد»!


(للحديث بقية) .