فى الإصلاح الدينى : بعض الدعاة يستغل جهل العامة وعواطفهم فى الترويج لأحاديث وروايات كاذبة!

06/01/2016 - 9:07:46

د. صفوت حاتم د. صفوت حاتم

بقلم - د. صفوت حاتم

يلجأ بعض من يسمون أنفسهم « دعاة « إلى أسلوب غريب لجذب الجمهور إليهم والسيطرة على أفكارهم . وهذا الأسلوب يتلخص فى التوسع فى رواية الأحاديث خصوصا تلك التى تحمل الغرائب من علامات القيامة وأشراط الساعة وعذاب القبر وأهواله . وهو أسلوب فى الدعوة قد يلقى الروع والخوف فى قلوب الناس ويخيفهم من الذنوب والآثام ولكنه لا يقيم علما نافعا ولا ينمى عقلا ناهضا ولا ينشئ مجتمعا متطورا .


وفيما يبدو أن هذه الظاهرة – ظاهرة استغلال عواطف المسلمين ومشاعرهم – قديمة قدم المجتمع الإسلامى .


ولقد عالج هذا الموضوع بوضوح تام الإمام المجدد الشيخ « محمود شلتوت « فى كتابه «الإسلام عقيدة وشريعة»، وهو كتاب نحرض القراء على اقتنائه وقراءته لما فيه من البساطة والعمق وشرح لأصول العقيدة الإسلامية فى سلاسة ويسر .


وهكذا نرى الإمام « محمود شلتوت « يتكلم وكأنه يعاين حالنا ويصفه بدقة .


يقول رحمه الله : « ويجدر بنا أن نعرض لظاهرة غريبة شاعت فى الناس، والعلماء مسئولون أمام الله وأمام الرسول، تلك الظاهرة أننا نرى بعض المؤلفين قديما وحديثا يسرفون فى وصف الأحاديث بالتواتر وقد يقتصدون فيخلعون عليها أوصافا أخرى كالشهرة والاستفاضة والذيوع على ألسنة العلماء. وتلقى الأمة إياها بالقبول والثبوت فى كتب التفسير وشرح الحديث أو فى كتب التاريخ والمناقب .. الخ .


ويضيف الإمام الراحل محمود شلتوت : « وقد يشتط أناس فى سلوك هذا السبيل فنراهم يتتبعون مع هذا أسماء الصحابة والتابعين والأئمة والمؤلفين الذين جرى ذكرهم على ألسنة النقلة فى رواية الحديث وهم يعلمون أنها روايات ضعيفة لا تصبر على النقد . وأن هذه الأسماء التى يحرصون على جمعها توجد فى كل حديث حتى الأحاديث الموضوعة ( !!! ) . ولكنهم مع ذلك يجمعونها ويجتهدون فى عدها وإحصائها وذكر الكتب التى اشتملت عليها لأنهم يريدون خطف أبصار العامة ويستغلون عاطفتهم الدينية و « يزعمون « أن هذا الحديث أو تلك الأحاديث قد وردت عن نبيكم فى هذه الكتب الكثيرة « ( الإمام محمود شلتوت .. الإسلام عقيدة وشريعة .. ص ٦٢- ٦٣ .. طبعة دار الشروق ) .


وتلك الحالة التى يصفها لنا الإمام الراحل تلخص سبب ظهور وشيوع الدعاة غير المؤهلين من خلال القنوات الفضائية المتعددة واستيلائهم على عقول العامة من خلال الروايات والقصص المشهورة أو المجهولة عن النبي- عليه الصلاة والسلام - والصحابة رضى الله عنهم .


وقد كانت هناك فرقة من رواة الحديث تختص برواية أحاديث « الترغيب والترهيب « .


وعن هذه الفرقة من الرواة يقول الإمام « محمود شلتوت « : ولقد كان للقائمين ( بالترغيب والترهيب ) ونقل الملاحم والفتن وغرائب الأخبارالتى تميل النفوس إلى التحدث بها والاستماع إليها أثر عظيم فى خلع أوصاف الشهرة والتواتر على أنواع خاصة من الأحاديث التى ليست بمشهورة ولا متواترة بل ربما كانت غير صحيحة وقد تأثرت بذلك طبقة من الخاصة ( يقصد من علماء الحديث ) لم تعن بتحقيق الرواية ولا بمعرفة درجة الحديث واكتفت بنقل ما يقوله هؤلاء وإجرائه على ألسنتهم وفى كتبهم حتى شاع واشتهر « ( ص ٦٤).


أحاديث الدجال والمهدى المنتظر ويأجوج ومأجوج


وهكذا يصل الإمام الراحل « محمود شلتوت « إلى الهدف من هذا البحث بقوله إن بعض رواة الحديث قد : «رووا الأحاديث الضعيفة بل والموضوعة ثم توسعوا فوصفوا الآحاد بالتواتر والضعيف بالصحيح وتناسوا مقاييس التواتر والآحادية ومقاييس الصحة والضعف ومن هنا رأينا من يصف ( المعجزات الحسّية ) كانشقاق القمر وتسبيح الحصى وكلام الغزالة وحنين الجذع يصفونها بالتواترمع أنها غير متواترة وإنما هى آحادية كما قرره علماء الأصول .


وكذلك رأينا من يصف أخبار المهدى والدجال ويأجوج ومأجوج وما إلى ذلك مما يذكر باسم « أشراط الساعة « بالشهرة والتواتر وتلك الأحاديث كيفما كانت ليست من قبيل المُحكم الذى لا يحتمل التأويل حتى تكون قطعية الدلالة فقد تناولتها أفهام العلماء قديما وحديثا ولم يجدوا مانعاً من تأويلها .... « ( الإمام محمود شلتوت .. ص ٦٥ )


ويلخص الإمام « محمود شلتوت « الرأى فى هذه الأحاديث بقوله : إن ما تدل عليه ألفاظ تلك الأحاديث ليس عقيدة يجب الإيمان بها ( هكذا !! ) فمن أداه نظره أن يؤمن بظاهرها فله ذلك ومن أداه نظره إلى تأويلها فله ذلك شأن كل ظنى الدلالة « .


وفى نفس هذا الاتجاه ( الإصلاحى ) للمعتقدات الإسلامية يذكر العلامة الراحل الشيخ « محمد الغزالى « أن بعض أحاديث أشراط الساعة تغرر بالجماهير كأحاديث ظهور الدّجال الأعور قائلا : أذكر بعض ما قرأت عن الّدجال بإيجاز ففى حديث أنه مكبل بالقيود ببحر العرب أو المحيط الهندى وقد لقيه شخص اسمه تميم الدارى كان نصرانيا وأسلم ثم التقى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحدثه بأنه ( أى تميم الدارى ) لقى الدجال فى وثاقه الذى يحبسه عن الانسياح فى الأرض وأنه موشك على الانطلاق ليقوم بفتنته آخر الزمان « !!!


وفى حديث آخر – يقول الشيخ محمد الغزالى – وصف لأسرة الدّجال وفيه أن : أبويه يمكثان ثلاثين عاماً لا يولد لهما ولد وأخيرا يولد لهما غلام أعور ... !!!


ويضيف : « الروايات عنه كثيرة وفى إحداها أنه مكتوب بين عينيّ الدّجال ( ك ف ر ) أى كافر يقرأه كل مسلم !!


ويذكر الشيخ « محمد الغزالى « – رحمه الله – ألوانا من الأخبار العجيبة الغريبة عن ظهور « الدّجال « واتباع الناس له . ويُعقب عليها قائلا : « والأحاديث التى اقتبسنا منها أحاديث آحاد وبعضها فى الصحاح وقواعد الإيمان وأركان الصلاح مشروحة فى الكتاب والسنة بينها الإحاطة ببدء الخلق والأزمنة التى يستغرقها وحسبنا ما أثبته القرآن الكريم فى هذا المجال « ( السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث , الشيخ محمد الغزالى , صفحة ١٢٢ – ١٢٨ , طبعة دار السنابل للثقافة والعلوم) .


وبعد تفنيده لكثير من أحاديث الدجال وعلامات الساعة وحديث النطفة وحديث ما يقطع الصلاة من مرور المرأة أو الحمار أو الكلب الأسود نراه يحذر من خطر منهج الاعتقاد الثابت بتلك الأحاديث والآراء قائلا : « .. ذلك ما فهمته من حشد هائل من الأحاديث التى تباينت فيها عبارات الرواة وتخللتها بعض الأوهام وعندما كتبنا فى أحد مؤلفاتنا أنه لا سنّة بلا فقه كنا نريد أن نمنع أناساً يشترون أحد كتب الحديث ثم يطالعون أثرا لا يدرون ما قبله ولا بعده ثم يحدثون فوضى قد تراق فيها الدماء وقد شاعت أحكام فقهية كثيرة مصدرها هذا الاطلاع الطائش « . ( صفحة ١٢٩ ) .


أليس ما حذر منه الشيخ الراحل «محمد الغزالى « هو بالضبط ما يحدث فى واقعنا الآن من ظهور فرق مثل داعش وأخواتها أدى وجودهم إلى إراقة الدماء ؟!


ألا تحثنا هذه الدماء المراقة على وجوب الإصلاح الدينى وليس مجرد تجديد للخطاب الدينى؟!


ألا نحتاج إلى مراجعة جادة للخرافات والأوهام التى استقرت فى عقول ونفوس المسلمين وتوارثوها من أزمان الجهل والانحطاط ؟!