مــوت «سعيــد»

06/01/2016 - 9:02:43

  دكتور جوتشن جينتز المستشرق الألمانى مع محمد سعيد بنادى الصحافة الألمانى دكتور جوتشن جينتز المستشرق الألمانى مع محمد سعيد بنادى الصحافة الألمانى

بقلم - عادل سعد

مات محمد سعيد..


لا تُرجع الكلمات أحدا، ولاعزاء إلا لمن يعرفون قدر الراحلين.


عرفته فى مجلة «المصور» فى مطلع الثمانينيات، شابا متوهجا بالنشاط والحيوية والثقافة والجدية، كان يتولى قسم الأخبار وقسم التحقيقات، وعلى يديه تخرجت دفعات من الصحفيين الشبان .


إسكندرانى يعتز بالانتماء للثغر، خريج علوم سياسية وطموحه بلا حدود. يعشق الأسفار، ليوغوسلافيا والمجر، والكتابة عن الفن، ويواظب إلى جوار «المصور» على الاحتفاظ بباب ثابت فى مجلة «الكواكب» .


أصدقاؤه من الفنانين والمطربين بلا عدد فقد كان ناقدا موسيقيا موهوبا ومتحمسا لمواهب الشباب، وكم دخل فى معارك ضد الموسيقار محمد عبد الوهاب وسيطرته على أحوال الغناء .


لكن حبه الأول والأخير كان شادية، وعندما يتحدث عنها يختفى الجميع ولا يبقى غيرها فى خياله .


كان يتحدث بعشق عنها عندما خرج صوتها صادحا عقب نكسة ١٩٦٧ وكأنها طوق نجاة، كان الضباط الأحرار قبلها يذيعون أغانى من نوعية «يا جمال يا حبيب الملايين « أو « وزعيمك خلاكى زعيمة فى طريق الخير والعمران» وبدت إذاعة تلك الأغانى وكأنها نكتة فتوقفت الأغانى وسط مظاهر الموت والانكسار والحزن، حتى خرجت علينا شادية وكأنها تبكى وتستنهض الهمم « ما شفش الأمل فى عيون الولاد وصبايا البلد ولاشاف العمل سهران فى البلاد والعزم اتولد ولاشاف النيل فى أحضان الشجر ولا سمع مواوويل فى ليالى القمر .. أصل ماعداش على مصر .. يا حبيبتى يا مصر .. يا حبيبتى يا مصر».


كانت الكلمات تتحدى قرار قديم لعبد الناصر، بمنع ترديد اسم مصر والاستعاضة عنه باسم الجمهورية العربية المتحدة، فانفجرت شادية فى وجوههم جميعا بترديد اسم مصر ألف مرة.


يذوب محمد سعيد وطنية عندما يتحدث عن الوطن، وتلمع عيناه عند ترتيب الحقائق والأشياء، ويكتب كفنان ويحقق كمقاتل.


لكنها الدنيا دارت ودارت ودارت بإنسان رقيق القلب ونقى الوجدان.


وبدأت تسود الدنيا فى عينيه و«دار الهلال» توصد أبوابها أمام كفائته النادرة، وهو يرى أقزاما لا يساوون بصلة، يتولون قيادات المؤسسة، أو يقفزون على مجلته الأثيرة الكواكب، دون أن يلتفت أحد إلى وجوده.


يوما بعد يوم بدأ ينكمش محمد سعيد على نفسه وينغلق، حتى أغلق على نفسه باب الشرنقة.


ذات صباح استيقظنا على إصابة وجهه بالشلل، وكان لا يزال فى الخامسة والأربعين، وذات يوم فوجئنا بأنه يتقدم بطلب معاش مبكر، حتى لا يحصل على راتب بدون عمل، فقد كان الرجل يحترم نفسه وتاريخه .


كل هذا والأقزام يتلذذون بتعذيب وجدانه وتجاهله .


مضى على هذا العذاب خمسة عشرة عاما كاملة، سقط خلالها محمد سعيد فريسة الهواجس والأحزان والأمراض .


لم يتزوج، حتى لا ينقل عدوى الشقاء لمن يحب، وعاش وحيدا، يصلنا صوته عبر الهاتف، من خلال حسن عمار، رئيس العمال، وكان الوحيد الذى يواظب على الاتصال به والاطمئنان على سلامته .


آخر مرة طلبت من حسن عمار أن نتحدث معه سويا، وقلت للأستاذ محمد سعيد أن مياها ودماء جديدة جرت وأننا نتمنى أن يزورنا فى «دار الهلال»، فقال فى تثاقل أنه يرحب برؤيتنا فى أى وقت، لكنه لا يستطيع حتى الاقتراب من «دار الهلال»، خوفا على حياته.


أضاع الرجل عمرا فى مؤسسة كانت تموت يوما بعد يوم، بالديون والإدارة الفاشلة، وهو عاجز عن حمايتها من بعيد أو حتى حماية نفسه.


ومن أشهر قليلة جاء الخبر، سعيد يصارع الموت فى أحد المستشفيات الخاصة، لم تصمد مدخراته الخاصة سوى شهر أو أكثر، وأصبح المطلوب أن يطرد خارجا .


أياد عديدة من داخل «دار الهلال» امتدت لإنقاذ سعيد، ومن خارجها، ومن النقابة والمجلس الأعلى للصحافة، لكن الأوان كان قد فات ،ورحل عن الدنيا أستاذا مفلسا،لا يملك من الثروة سوى بعض تلاميذه الذين يتذكرون جيدا حيويته وإخلاصه لمهنة الصحافة، التى يبدو نجومها محسودين كالراقصات، والكل يعتقد أنهم مثل فقاعات الفضائيات يحصدون الملايين.


مات سعيد، ومعاشه لا يوازى خمس معاش صول فى البوليس، فقد كان يعيش بمبلغ أقل من ألف جنيه، برغم أنه كان مديرا للتحرير فى الثمانينيات.


مات وهو عاجز عن سداد ثمن أنبوبة المصل وعلب الدواء وسرير المستشفى .


وتلك الكلمات وردة نلقيها فى عجزعلى قبر محمد سعيد، بعد أن أعجزتنا ظروف الموت والدفن على عجل فى الإسكندرية، حتى عن حضور الجنازة.


سلاما على إبراهيم


كتبت فى العدد الماضى تحية من القلب، بمناسبة ٩٠ عاما على صدور العدد الأول من روز اليوسف،ووجهت التحية لكتيبة الزملاء الذين أسهموا بجهد وافر فى إصدار عدد تذكارى فى تلك المناسبة .


ولا أعرف كيف أسقطت أصابعى زعيم الكتيبة، الكاتب المبدع الخلوق إبراهيم خليل رئيس تحرير روز اليوسف عند ذكر الأسماء .


موهبة إبراهيم خليل ورغبته الجارفة فى استعادة شخصية روز اليوسف القديمة ومكانتها بين الصحف والمجلات لا تخفى على أحد، وخبطاته الصحفية وجرأته فى التصدى للإخوان ولخطايا الحكومة أحسده عليها، مرة لشجاعته لأن غيره من رؤساء التحرير لا يفعلون ذلك، ومرة أخرى لحسن العرض بلا افتعال، وثالثة لإعطاء الفرصة للشباب الموهوبين فى المجلة.


أعرف الآن لماذا سقط اسم ابراهيم خليل سهوا، فهو لم يغب أبدا، وكان ولا يزال الغائب الحاضر، بين كل سطور صفحات مجلة روز اليوسف وصاحب البصمات التى رفعت مستوى الأداء المهنى، وتجعلنى شخصيا ابتسم وأتمتم من القلب عند رؤية كل عدد جديد: «سلاما عليك يا إبراهيم»