مارد سيناء

31/12/2015 - 9:27:51

إيمان حسن الحفناوي إيمان حسن الحفناوي

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

كما كان مولده له مذاق خاص، كانت نهايته في هذا العالم، لكن لم تكن عزة وهو اسم أمه، تعرف أن وليدها ستستقبله الحياة بالزغاريد وتودعه أيضا بالزغاريد! ولأنه كان الابن الأكبر فقد سعدت به أسرته وعائلته، ولأنه كان ابن مصر البار فقد احتفل وطنه بزفافه شهيدا، محمد كان أول فرحة أب بسيط وأم وهبت نفسها لخدمة أسرتها، في إحدى قرى مدينة دمياط كان يتلقى تربية وتنشئة جعلته يعرف معنى الشرف وقيمة الضمير، فوالده البسيط لم يدخر وسعا بموارده القليلة في تعليم أبنائه، ووالدته الأصيلة كانت الصدر الحنون، تمنت مثل أي أم أن ترى ابنها الأكبر يكتسب قوته ويختار ابنة الحلال، تمنته عريسا، كانت تحلم بيوم فرحه، فقد أنهى دراسته بعدما حصل على مؤهل متوسط، دبلوم ثانوي صناعي قسم زخرفة، محمد كان يعشق الجمال والتوازن، لذلك اختار قسم الزخرفة، لكنه كان مؤمنا بالنصيب فلم يرفض عملا وجده في طريق البحث، التحق بالعمل في أحد مصانع الحلوى، ولأنه شاب، ولأن له شقيقين أصغر منه، كان عليه أن يلبي نداء الوطن، فالتحق بالقوات المسلحة مجندا في 20 أكتوبر 2014، حصل على تدريب لمدة ثلاثة أشهر في مدرسة الصاعقة العسكرية، ثم تم نقله للعريش كتيبة 103، ليعمل مع رفاقه منذ فبراير الماضي، وتم اختياره ضمن مجموعة المهام الخاصة في وحدات الصاعقة.


منذ التحق بهذا العمل تغيرت رؤيته لأشياء كثيرة، فمن يحيا الفعل نفسه ليس كمن يسمع عنه، هكذا كان يقول لأمه عندما تؤكد عليه أن يحافظ على نفسه فهو صديقها وحبيبها ومستودع أسرارها، هو الذي تأخذ بمشورته في كل أمورها، وتعطل قراراتها في أي شيء لحين يأتي إليها يملأ حضنها ويستمع إليها، لقد شغر مكانه في حضنك الآن يا عزة، فلتصبري لعل اللقاء في الجنة، كانت كلما تؤكد عليه أن ينتبه لنفسه من أجلها، يقول لها إن ما يفعله هو فعلا من أجلها، فلو استطاع أن يشارك في دحر الإرهاب فهو يحقق لها الأمان، وكأنه كان يعرف نهايته، فقد دأب منذ عدة أشهر على الإيحاء لوالديه بما سيحدث، كان يقول لوالدته "ماذا تتمنين لي يا حبيبتي؟" فترد عليه أنها تتمناه عريسا تقيم له فرحا يحضره كل أهل القرية، فيطأطئ رأسه قليلا، تحتار هي لماذا لا يرد ردا يريحها، الآن فقط عرفت، الآن أقامت له مصر كلها عرسا كبيرا، الآن اختلطت دموع الشوق بصرخات الألم بدعاء القبول عند الله، هي لا تعرف الآن بماذا تشعر، تعرف أنه في جنة ربه، لكنها تتمنى أن تلمسه، تعرف أنه ذهب شهيدا, دماؤه ستشهد له، لكنها كانت تتمنى أن تراه ولو لثانية واحدة، كان آخر طلب له أن يسمع صوتها، قبل أن يستشهد بساعات اتصل بوالده يطلب أن يحادث أمه لكن الوالد كان خارج البيت فعاد مسرعا واتصل به ليسمع صوت أمه كما طلب، للأسف لم يستجب الهاتف للاتصال، أكثر من مرة يحاول ولا جدوى، ترى ماذا كان يريد أن يقول لها؟ تسمع من الناس أنه ضحى بنفسه واحتضن الإرهابي لينسفهما معا الحزام الشيطاني، لكنها كانت تتمنى أن تكون هناك تجمع أشلاءه بيديها، هاتان اليدان اللتان حملته رضيعا، كانت تريد منه قبلة، ترى هل ظل وجهه كما هو؟ وجنته التي كانت تقبله لم تتحطم؟ عيناه اللتان كانتا تحتضنا قلقها عليه هل كما هما؟ آآآاآاه يا فلذتي، لم أعد أعرف ماذا أفعل، أنت شهيد، أنت في الجنة الكل يتحدث عنك، أنانية مني أن أحزن يا مهجة قلبي؟ أنانية مني أن أتمناك بجواري؟ أحاول أن أتماسك، لكن هل سيطول تماسكي؟ هل لن يخذلني قلبي؟ إنني كطائر ذبحه سكين الشوق فهو يرقص، هل هي الرقصة الأخيرة؟ أم تراه سيتمكن من المواصلة؟ على الأريكة التي تقبع في ركن الغرفة الصغيرة كان والد محمد، يحاول أن يبدو طبيعيا، فهو رجل البيت، هو السند، لو ظهر انهياره سينهار الجميع، ثم لماذا ينهار؟ ألم تكن الوطنية هي ما ربى عليهاابنه؟ ألم يعلمه معنى التضحية؟ كم مرة رآه ابنه وهو يذهب عمله في أوج قيظ أغسطس، أو صقيع أيام ديسمبر، كم مرة كان يوفر من قوته حتى يجد للصغار ما يكفيهم لغذائهم؟ كم مرة فكر أن يشتري ملابس شتوية تناسب برد القرية وفي آخر الأمر يذهب لشراء مستلزمات لصغاره، كان بوسعه أن يفعل الكثير ويوفر مالا أكثر، لكنه اشترى آخرته، لماذا الآن يشعر بغصة في قلبه؟ يفتقد ضناه؟ أكيد، لكن رحمة ربنا جعلت هذا الابن البار يغيب كثيرا لمدة عام قبل رحيله، فأجازاته كانت قليلة، لم يذهب فجأة، كان يعده لهذا الوض، الآن فقط شعر الأب أن ابنه كان يعده ويعلمه الشجاعة، فقد قال له منذ شهرين: "لتعلم يا أبي الحبيب أنني قد أذهب ولا أعود، أنتم لا تعرفون الوضع هناك مهما تابعتم الأخبار", رد عليه وقتها:"طيب يا ابني لا تقلقني، انتبه لنفسك", فرد عليه بأن انتباهه لمصر هو انتباهه لنفسه وأهله ووطنه، كان يعدني لهذه اللحظة هكذا يحدث أيمن نفسه، وأيمن هو اسم الأب المكلوم، لكن يا حبيبي إذا تحليت بعقلي، فماذا أفعل مع قلبي؟ آه لو تعلم ماذا شعرت وأنا أرى نعشك يلفه علم بلدي، آه لو تعلم ما يشعر به الأب عندما يحمل جثمان ولده، أي أب يا حبيبي يفرح عندما ينجب ولدا، ومن أهم أسباب فرحه أنه يكون قد ضمن من يحمل نعشه، لماذا تبادلنا الأدوار؟ لم يكن يدر بخلدي أبدا وأنا أحملك في سريرك الصغير عندما كنت رضيعا أن يأتي اليوم لأحملك أشلاء في صندوق، أعرف أن الجنة مصيرك، يسعدني هذا، لكننا بشر يا ابن عمري، وتنحدر دمعة تغافل الأب وهو منزوٍ في ركنه، تلمحه الأم، تذهب إلي حيث يجلس، تربت على كتفه، وتقول: ألم تنصحني بالجلد؟  فيجيبها بعينيه دون أن ينطق:"إنما أشكو بثي وحزني لله".


يفيقان على صوت زغاريد وكف يقرع الباب، إنها إحدى الجارات، كانت مسافرة وحضرت لتوها لتقدم واجب العزاء، تدخل بزغاريدها، وتقول لهما كلمة تهدئ حزنا يعشش بقلبيهما، قالت وهي تجلس: "لم تقدما فقط رجلا ضحى من أجل الوطن "بل قدمتما ابنا للجنة".