أبرزها تعديل قانون الاتصالات 4 تحديات في طريق مصر الرقمية

30/12/2015 - 12:16:06

تحقيق يكتبه : عبد اللطيف حامد

يجزم المسئولون والخبراء فى قطاع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات أن المجتمع الرقمى أو المعرفى الذى يسعى الرئيس عبد الفتاح السيسى لتحقيقه فى مصر لن يتحول إلى واقع فى المرحلة المقبلة، إلا إذا حسمت الحكومة ومجلس النواب أمرهما بوضع حزمة تشريعات وقوانين فى العام الجديد تضمن توفير الأجواء اللازمة لفتح الباب أمام هذا القطاع ليكون قاطرة التنمية لكل المجالات.. ويأتى فى مقدمة هذه التشريعات الإسراع بتعديل قانون الاتصالات ليتناسب مع الطفرة التى حدثت فى هذا المجال على مدى السنوات العشر الأخيرة، ويتيح لجهاز تنظيم الاتصالات صلاحيات أوسع حتى يستطيع ضبط المنظومة بغطاء قانون واضح، وليس مجرد توازنات أو استثناءات، ثم تمرير قانون التوقيع الإلكترونى المعطل منذ ٢٠٠٢ رغم إصداره بسبب عدم النص على إلزام الجهات والمؤسسات به، وتجاهل الحجية القانونية للمستندات الإلكترونية، مرورا بإصدار قانون أمن الفضاء المعلوماتى لحماية وتأمين المعلومات والبيانات المصرية من أى اختراق إلى جانب قانون حرية تداول المعلومات.


يرى المهندس حسام صالح رئيس لجنة التكنولوجيا بجمعية شباب الأعمال وخبير تكنولوجيا الاتصالات والإنترنت أن مبادرتى الرئيس عبد االفتاح السيسى بشأن تصميم وتصنيع الإلكترونيات محليا والتعلم الإلكترونى لابد أن تمثل بداية انطلاقة حقيقة لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فى مصر خلال عام ٢٠١٦ فى ظل الدعم السياسى غير المسبوق له، وعلى الحكومة بمختلف وزاراتها ومؤسساتها ترجمة هذا التوجه الرئاسى إلى خطوات عملية، وتشريعات وقوانين لفتح أبواب الاستثمار، والإنتاج فى هذا القطاع الحيوى خصوصا أنه يأتى فى المرتية الثانية بين مختلف القطاعات مساهمة فى الناتج القومى بمعدل يتراوح من ٣.٥ إلى ٤ فى المائة سنويا، ويمكن أن يرتفع فى حالة الاهتمام به إلى نحو ١٢ فى المائة إلى جانب أن بنيته الأساسية قوية، ولا تقتصر على مجرد الأجهزة والإمكانيات المادية بل تتجسد فى قوى بشرية ومجموعات من المبرمجين والمحترفين فى العديد من الشركات العاملة فى مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، ولديهم من القدرات والمهارات ما يمكن الدولة من تحقيق تطور هائل دون تحمل أعباء أو ميزانيات جديدة، ويتميز بأنه قطاع شاب، حيث إن ٨٥ فى المائة من العاملين به شباب، ويكفى أنه القطاع الوحيد الذى حافظ على تماسكه على مدى نحو ٥ سنوات منذ عام ٢٠١١ وحتى الآن، ولم تحدث فيه انهيارات أو اهتزازات خطيرة، فلم تقم الشركات العاملة فيه بالخروج من السوق المصرى رغم الصعوبات الأمنية والاقتصادية، ولم تسرح العمالة، والأهم أنه مازال يمتلك فرصا متعددة للنمو والتوسع.


مضيفا أن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات يحتاج لتضافر بين الحكومة والقطاع الخاص وجهاز الاتصالات باعتباره المسئول عن تنظيم ومراقبة المنظومة كلها، بالإضافة إلى هيئة تنمية وصناعة تكنولوجيا المعلومات التى قامت بدور كبير خلال المرحلة الماضية فى مساندة ودعم كافة الأطراف ببرامج وسياسات تساعدها على مواصلة نشاطها، لكن طالما أننا فى بداية عام ٢٠١٦ واكتمال خارطة المستقبل ببرلمان جديد يجب تعديل قانون الاتصالات ليتواكب مع المستجدات والظروف الحالية، لأن المشرع فى عام ٢٠٠٤ لم يكن لديه هذا الكم من وسائل الاتصالات، والتركيز وقتها كان منصبا على شركتى محمول بعدد مشتركين لم يتجاوز ٥ ملايين مشترك بينما أصبح لدينا الآن ٣ شركات محمول والبعض يسعى لشركة رابعة، وأكثر من ١٠٠ مليون مشترك، ولذلك نحتاج لتعديلات جديدة تقوى موقف جهاز الاتصالات، وتضع التزامات محددة على شركات الاتصالات وفى الوقت نفسه تراعى إزالة أية عقبات تواجهها فى تقديم خدمة مقبولة إلى جانب تمرير قانون التجارة الإلكترونية حبيس الأدراج منذ عام ٢٠٠٨ لتقنين التعاملات التجارية عبر الإنترنت خصوصا أن لدينا الكثيرين الذين يتعاملون بيعا وشراء عن طريق مواقعهم الشخصية، ووجود هذا القانون سيوفر لهم الضمان الآمن، وفى الوقت نفسه يدخلهم ضمن المنظومة الرسمية لدفع ضرائب ورسوم للموازنة العامة للدولة، ولو حدث هذا الأمر يمكننا تقنين نحو ٤٠ فى المائة من الاقتصاد غير المرئى.


تشريعات المجتمع الرقمى


ويتفق مع الرأى السابق المهندس طلعت عمر نائب رئيس جمعية مهندسى الاتصالات، مؤكد أن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فى ضوء مبادرتى الرئيس السيسى يمكن أن يتحول إلى قاطرة التنمية الرئيسية للمجتمع فى جميع المجالات، ونريد مظلة تشريعات تخدمه، وتخلق الأجواء المناسبة لحمايته، وجعله جاذبا للاستثمار لكى يستطيع تحقيق أهداف فى التنمية مع إدراك أن المجتمع الرقمى يبنى أساسا على مجتمع المعرفة أو المعلوماتية، ويحتاج إلى حرية تداول المعلومات وأمنها، والشفافية فى الإفصاح عنها، وأى مجتمع رقمى بدون وسائل حماية وتأمين يساوى صفرا، وبالتالى يجب سن حزمة قوانين تحمى وتؤمن هذا القطاع من أية اختراقات، وتجريم ارتكاب أى عبث بأمن المعلومات محليا، وكذلك نحتاج لحماية المجتمع من الجرائم الالكترونية، أحد توابع المجتمع الرقمى بقانون يشدد العقوبات على من يتورط فيها، والقصاص للضحايا من هؤلاء الجناه.


ويعترف د. عبد الرحمن الصاوى رئيس لجنة التشريعات بوزارة الاتصالات بأن هناك حزمة تشريعات أساسية بدونها لن يحدث أى نقلة أو تطور فى قطاع الاتصالات أو حتى الاقتصاد القومى بصفة عامة، ولن نجد صدى لما طرحه الرئيس عبد الفتاح السيسى مؤخرا عن ضرورة التحول إلى مجتمع المعرفة أو المجتمع الرقمى خلال المرحلة المقبلة، ويأتى على رأس هذه التشريعات تعديل قانون الاتصالات أو إصدار قانون جديد يعطى جهاز تنظيم الاتصالات صلاحيات أوسع، وقدرة على فرض قراراته على جميع استخدامات الاتصالات فى مصر لضمان حقوق جميع أطراف المنظومة سواء المواطنين أو المستثمرين أو الدولة، وفى الوقت نفسه لابد أن يكون لدى الدولة خطة قومية لاستخدامات الاتصالات وتطويرها لجذب مستثمرين جدد لأن الاستثمارات فى القطاع شبه توقفت منذ يناير ٢٠١١ بسبب الفوضى التى سادت الموقف، والشركات أصبحت لا ترى دورا حقيقيا لجهاز الاتصالات، ولم يعد مسئولوه قادرين على تنفيذ قراراتهم على هذه الشركات بل إن بعض مقدمى الخدمات أصبحوا مراكز قوى، ويتحكمون فى صناعة القرار مما يدفع فى اتجاه تدهور القطاع، كما أن الحديث عن نشر خدمات الاتصالات على مستوى الجمهورية، وتفعيل خطة الإنترنت السريع «البرودباند» تحول إلى مجرد شعارات فى ظل تراجع الاستثمارات نظرا لعدم وجود قانون حاكم بشكل واضح ومحدد للجميع، فضلا عن تدنى مستوى خدمات المحمول والإنترنت، وتكرار الشكاوى منها بطول البلاد وعرضها لدرجة أن الخطوط تتداخل مع بعضها كما كان يحدث فى التليفون الأرضى فى الستينيات من القرن الماضى.


تعديل قانون الاتصالات ضرورة


ويلفت د. الصاوى إلى أن تأخير إصدار تعديلات قانون الاتصالات رغم الانتهاء منها فى لجنة التشريعات بوزارة الاتصالات، وإرسالها إلى مجلس الوزراء ووزارة العدالة الانتقالية ٤ مرات لإدخال بعض التعديلات ومراعاة بعض التحفظات ثم وضع مسودة نهائية ومتكاملة منذ اكثر من ٣ سنوات أمر غير مفهوم، وكان اللهو الخفى هو المتسبب فى تعطيل تمرير المسودة بشكلها الحالى الذى استوفى كل الاعتبارات، وتعديل نحو نصف القانون لتلافى كل الثغرات الموجودة فى قانون ١٠ لسنة ٢٠٠٤ بداية، وفى مقدمتها تقوية موقف جهاز الاتصالات حتى يستطيع أداء دوره كمنظم للقطاع بالشكل الأمثل وبقوة القانون، ثم معالجة واضحة لمسألة قطع خدمات الاتصالات التى أثارت أزمة فى بداية ثورة يناير لعدم النص فى القانون على جهة محددة والاقتصار على ذكر الجهة المختصة وهنا شاعت المسئولية بين عدة جهات منها وزارة الداخلية ووزارة الاتصالات ومجلس الوزراء، وتم النص فى التعديلات أن يكون قطع الاتصالات من سلطة رئيس الجمهورية بناء على قرار من مجلس الوزراء بشرط أن يرفع تقريرا إلى مجلس النواب خلال ٣٠ يوما توضح مبررات هذا القرار، أما فى حالة اضطرار وزير الداخلية لقطع الاتصالات فى منطقة ما عند الضرورة كحدوث عمل إرهابى بهدف مطاردة الجناه وعدم التواصل بينهم لا يتجاوز ذلك ساعتين مع إبلاغ رئيس الجمهورية به، وهذا الأمر مطبق فى كل دول العالم مع تركيز التعديلات على حقوق المستخدمين، وإلزام شركات المحمول بتقديم خدمات جيدة تتناسب مع المستوى العالمى، وتجريم استخدام الخطوط مجهولة البيانات حتى لا يتم استعمالها بشكل غير مشروع.


أما القانون الثانى وهو التوقيع الإلكترونى الذى صدر فى ٢٠٠٢ ولم يطبق حتى الآن لثغرة خطيرة تمثلت فى عدم النص على إلزام الجهات والمؤسسات به، وعدم الحجية القانونية للمستندات الإلكترونية، وحرصنا داخل لجنة التشريعات على تدارك هاتين الثغرتين، وعلى مؤسسة الرئاسة أن تعلم أنه لا يمكن الكلام عن المجتمع الرقمى بدون إصدار هذا القانون بعد تعديله لأن هناك العديد من المحاولات لإجهاضه حتى لا يخرج للنور بهذا الشكل، ويكفى أننا عانينا الأمرين حتى يصل مشروع القانون إلى لجنة الإصلاح التشريعى، واستمر الأمر خلال مدة تولى ثلاثة وزراء للاتصالات هم المهندس هانى محمود ود.محمد سالم والمهندس عاطف حلمى، وحتى داخل هذه اللجنة وجد عراقيل فى طريقه، وأنا شخصيا عندما طلبت مناقشة أعضاء اللجنة للمسودة قال أحدهم وهو مستشار قانونى كبير فى الحكومة وقتها «أنت عايز تخلى كل حاجة نعكلها بالكمبيوتر، لن نسمح به أبدا» فكان ردى: هناك محاكم الكترونية فى العديد من دول العالم، ولن يطبق هذا القانون طول ما أمثالك موجودين فى صناعة القرار، وأيضا قال عضو آخر وهو مستشار قانونى «أنا قرأت التعريفات ووجدتها غير واضحة، ومحتاجين نناقشها ثم ننظر فى التعديلات التى أدخلتموها» فقلت له: حضرتك جاى بعد ١٢ سنة من إصدار القانون تقول نناقشه، فتدخل رئيس لجنة الإصلاح التشريعى للسيطرة على الموقف، واحال مشروع القانون الجديد للجنة جديدة ليدخل فى الأدراج، وعلى مجلس النواب أن يدرك أن هذا القانون ضرورة قصوى، وبدونه لا صحة لأى مستندات الكترونية سوف تتناقل بين الجهات الحكومية وبعضها أو حتى مع القطاع الخاص أو الافراد، ويمكن أن يقضى على ظاهرة الطوابير التى أصبحت سمة فى كل الجهات الخدمية سواء فى المرور أو التأمين الصحى أو السجلات المدنية للحصول على الخدمة، فالعالم كله لم يعد يتعامل بشكل مباشر فى مجال الخدمات بل إن كلها تتم إلكترونيا، وكل مواطن يكون له رقم قومى منذ الطفولة يحصل من خلاله على كل حقوقه، والمؤسسات الحكومية تتواصل مع بعضها عند الحاجة لاى بيانات إلكترونيا وفقا لهذا القانون.


تأمين الفضاء المعلوماتى


ويقول رئيس لجنة التشريعات بوزارة الاتصالات إن القانون الثالث يتمثل فى أمن الفضاء المعلوماتى، فنحن نتكلم منذ سنوات عن حرب المعلومات، والتجسس عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى بينما نفتقد لتشريع ينظم ويضمن تأمين المعلومات لدى الأجهزة الحكومية أو البنوك أو شركات المحمول، ولابد من الإسراع فى إصدار هذا القانون خصوصا أنه جاهر وبشكل تفصيلى يراعى كل الأبعاد والضوابط فى ٨٦ مادة، وتضمن ثلاث مواد تحدثت عن ضمان وسلامة أمن المعلومات الشخصية لأنه من غير ذلك لا يمكن أن نعيش، أو نجذب استثمارات جديدة فى مجال تكنولوجيا الاتصالات، وهنا ألفت النظر إلى تراجع ترتيب مصر فى مجال «الكول سنتر» من المرتبة الرابعة إلى المرتبة الثانية عشرة بسبب وقف الشركات الأجنبية تعاملاتها مع الشركات المصرية بعد انتقال هذه الخدمات من الصوت إلى البيانات، وطالما أن تقديم هذه الخدمة يحتاج للحصول على بيانات ومعلومات العملاء لابد من وجود قانون يحميها، وعلى الحكومة أن تجد حلا لإصرار وزارة العدل على وأد هذا القانون المهم جدا بحجة وجود مشروع قانون الجرائم الإلكترونية منذ ٢٠ سنة لأن هذا المشروع ضمن قانون أمن الفضاء المعلوماتى، والأمر المؤكد أن الحرب على هذا المشروع «سبوبة» بدليل أنه لم يتقدم أحد أو جهة للاعتراض عليه حتى الجهات السيادية وافقت على المسودة، إلى جانب قانون عام هو قانون حرية النفاذ إلى المعلومات الذى أعتبره من القوانين المكملة لقانون الاستثمار، والعديد من دول الاتحاد الاوربى تشترط وجوده عند التعاون مع أى دولة فى مجال تكنولوجيا المعلومات.