أحلام مصرية على أبواب ٢٠١٦ العدل الاجتماعى إلى متى يبقى فريضة غائبة فى حياتنا؟!.

30/12/2015 - 11:54:30

كتب - يوسف القعيد

أنطونيو جرامشى مفكر إيطالى. ربما كان من أهم الناس الذين شغلهم تعريف المثقف. وفى كراسات السجن التى تركها تأملات كثيرة حول من هو المثقف؟ وما الذى يميز المثقف عن الإنسان العادى؟ أكتب هذا الكلام من الذاكرة وليس بين يدىَّ كتاب جرامشى. ولا كتاب آخر من الكتب التى صدرت عنه.


ربما مرت سنوات على قراءتى لجرامشى. خصوصاً فى تلك الأيام التى كنت مشغولاً فيها بإجراء حوارى الطويل مع الأستاذ محمد حسنين هيكل حول جمال عبد الناصر وتعامله مع المثقفين الذين عاصروه. لكن يبقى فى الذاكرة تعريف جرامشى للمثقف أنه هو الإنسان الذى يشعر بأنه يعانى من مشاكل لا يعانى منها شخصياً. لكن الواقع المعاصر له يمر بهذه المعاناة. ولهذا يتصرف باعتبار أن القضايا العامة قضايا تخصه. بصرف النظر إن كانت تخصه أو لا تخصه.


كتبت هذا الكلام على سبيل التقديم. لا لأثبت لنفسى أو لغيرى أننى أنتمى لجماعة المثقفين. ولكن لأذكر نفسى - دائماً وأبداً - أن ما يعانى منه الناس لا بد أن أعانى منه حتى لو كان بعيداً عنى ولا يقترب من حياتى الشخصية. ليس إيماناً منى بالقول أنه ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط. ولكن لإدراكى الشديد بالدور الاجتماعى للمثقف والثقافة وما يمكن أن يفعله المثقف فى إطار مجتمعه وعصره وزمانه. فالمثقف هو الحالم الأعظم بالآتى. وهو المدرك الكبير لما يجرى حوله. وهو الذى يستطيع أن يحرك الناس تجاه الحلم الكبير الذى يراه على البعد.


ولكن لإيمانى أن ارتباط المثقف العضوى بزمانه وناسه وأهله شرط أساسى لكى يستحق أن يوصف بأنه مثقف. أما من يحمل ذاته على كتفيه ويتحرك بها فى كل مكان ويعتبرها مركز الكون. فإن هذا من الصعب - إن لم يكن من المستحيل – وصفه بالمثقف.


مع الأيام الأولى من ٢٠١٦ ماذا أريد لمصر؟ وبأى الأمور أحلم بها؟ وعندما أقترب من دنيا الأحلام والأمانى أعترف أن هناك الكثير من الأمور التى تتحقق. والإنجازات التى تتم. فى كل مكان من بر مصر. لكنها جميعاً تعانى من أنها تفاصيل تحتاج مشروعا كبيرا ينتظمها.


والتفاصيل قد تكون مهمة للناس فى حياتهم اليومية. فمعالجة مشاكل الكهرباء والمياه والغاز والطعام والشراب وانتقال الإنسان من مكان لآخر من مسكنه إلى عمله. وأهمية أن يكون هذا المكان مناسباً لآدميته. وعمله فى نطاق قدرته. أيضاً مطالبه اليومية من مأكل وملبس ومشرب حتى الترفيه اليومى مطلوب أن نوفره لهذا الإنسان.


ويسبق هذا كله ويلحق به العلاج. لأنه يا ويل المصرى الذى يمرض وهو فى مصر. فلا وجود للعلاج إلا بأسعار لا يقدر عليها إلا نخبة النخبة من المصريين. العلاج المجانى أصبح وهماً من الأوهام. وذكرى من ذكريات الماضى. وإن توفر العلاج الآن – حتى فى المستشفيات الحكومية – المفترض أنها مجانية أو هكذا يقال لنا أنها مجانية. فهو غالٍ لا يقدر عليه إلا النصف فى المائة. أى الأثرياء الكبار فقط. فمن لعلاج الفقير؟!.


أصل لما كتبت من أجله أننى أتمنى لو أن ٢٠١٦ شملت مشروعاً ضخماً يشعر الناس بالعائد منه بمجرد البدء فيه ولا يكون مفروضاً عليه بالانتظار لانتهائه بعد سنوات لكى يدرك المواطن المصرى العادى أن ثمة مشروعاً جديداً نُفِّذ فى بلاده.


لست خبيراً اقتصادياً ولا واحداً من علماء الاجتماع. ولا من محترفى السياسة. وأترك لهؤلاء أن يقدم كل واحد منهم ما يتصور أنه المشروع العام الكبير الذى يمكن أن ينتظم المصريون جميعاً بداخله. وأن يذوبوا فيه. وأن يعبر كل واحد عن نفسه فى مواجهة هذا المشروع.


وإن كان من حقى أن أشير لمشروع بعينه. فأقول إنها قضية العدل الاجتماعى الغائبة. والتى أتصور أن استمرار غيابها من أخطر ما يواجه هذا الوطن من تحديات. غياب العدل الاجتماعى يعنى أن على المصريين أن يواجهوا فى العام الجديد ما أسميه بتحدى البقاء. وتحدى الاستمرار. وتحدى التجانس. وتحدى الرضاء الاجتماعى فى حده الأدنى.


لا أقصد توفير الحاجات الضرورية – وهى غير متوفرة رغم كل ما يقال – ولا أقصد الذين يعيشون على الكفاف. وأعدادهم أكبر من أى تصور. لكن مفهوم العدل الاجتماعى بالنسبة لى أكثر شمولاً من هذا. فهو يعنى أن نوفر للفقير ما يمكن أن يحيا به ليس فى الحد الأدنى. ولكن فى الحد المقبول.


أصل إلى المسكوت عنه فى قضية العدل الاجتماعى وهو ثروات من لا يعرفون كيف يتصرفون فيها. سواء كانوا رجال أعمال أو أصحاب مشروعات كبرى أو من كونوا تكتلات اقتصادية عملاقة. فهؤلاء عليهم واجب لا بد أن يقوموا به تجاه الوطن. وذلك هو الشق الثانى من مطلب العدالة الاجتماعية الغائبة عن حياتنا.


لن أقفز إلى ضريبة تصاعدية. ولن أطالب من الذين يحكمون البلد الآن أن يأخذوا ممن عنده لكى يعطوا من ليس عنده. لكن لا بد من مشروع يصبح مشروع ٢٠١٦، بل إنه ممكن أن يكون مشروع القرن الحادى والعشرين فى مصر. تلخصه كلمتان فقط: العدالة الاجتماعية.


أقسم بالله العظيم، أننى لا أهدد أحدا. ولا ألوح بشئ. لكنى ما زلت أذكر المجموعة القصصية الشهيرة للدكتور طه حسين: المعذبون فى الأرض. والتى صدرت قبل ثورة يوليو بعام أو أكثر قليلاً. وكانت تدور حول معنى واحد حاول طه حسين أن يؤكده فى كل حكاية من حكايات هذه المجموعة القصصية.


هذا المعنى هو أن فى مصر – وقتها - من يموت من الجوع وفى مصر – وقتها أيضاً - من يموت من التخمة. وأضيف من عندى أننا الآن يمكن أن نترجم عبارة طه حسين بعبارة معاصرة أن لدينا الآن ساكن القبر وبجواره مباشرة ساكن القصر. وأنهما يتجاوران فى مكان واحد وزمان واحد. وأن استمرار هذا التجاور من رابع المستحيلات. لأنه ضد منطق الأشياء وطبيعة البشر.


أطلب من القارئ صك البراءة. وأطلب من المسئول منديل الأمان عندما أقول أنه بعد صدور هذه المجموعة بأشهر قليلة قامت ثورة الثالث والعشرين من يوليو.


إما العدالة الاجتماعية. وإما أن نقف فى مواجهة المجهول الذى لا يعرف مداه إلا الله سبحانه وتعالى. إما العدالة الاجتماعية أو نقرأ إهداء “المعذبون فى الأرض” لطه حسين. عندما أهدى عمله إلى من لا يجدون ما ينفقون. ومن يجدون ما لا ينفقون. وأقول إن الزمن دار دورته الكاملة وأصبحنا نعانى مما كانت تعانى منه مصر الملكية.


هل من الممكن أن نجعل من ٢٠١٦ عام العدل الاجتماعى؟ لا أقول تقريب الفوارق بين الطبقات. فنحن – للأسف الشديد – لا نعترف بوجود طبقات فى مصر. ولكن محاولة تخفيف ما يعانيه الفقير ومن يعيش تحت خط الفقر. ومحاولة إقناع أصحاب المليارات أنهم لا مستقبل لهم فى هذا الوطن وسط واقع قلق لا يعرف الاستقرار إليه سبيلا.


إن الاستقرار الحقيقى يأتى بوجود مجتمع يشعر أبناؤه جميعاً بالتراضى. ولا ينظر أحد لأحد بحقد. ولا يتصور أحد أن هناك من أخذ نصيبه. أو اغتنى على حسابه. العدل الاجتماعى أيها السادة هو الكلمة الأولى وربما كانت الأخيرة لكى نصل إلى مجتمع التراضى هذا. حتى لو كان الوصول مستحيلاً. على الأقل نحاول. وشرف المحاولة أهم ألف مرة من أن نجلس نلعن الزمان.