إسرائيل بين عام مضى واستشراف عام جديد

30/12/2015 - 11:03:22

بقلم - لواء. نصر سالم

قبل أيام من بداية العام المنصرم ٢٠١٥ وفى تلك الغرفة المؤقتة الكائنة فى الطابق الخامس عشر من مبنى وزارة الدفاع الإسرائيلية- التى عادة ما تعطى لرؤساء الأركان الجدد- جلس رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلى الجديد الجنرال غادى آيزنكوت يتفحص وثيقة شاملة مقدمة من وحدة البحث فى الاستخبارات العسكرية (أمان) تحمل عنوان “تقرير الاستخبارات العسكرية السنوى” الذى يقدم التوقعات السياسية والعسكرية للسنة القادمة ويحتوى على المخاطر المحتملة المطلوب مواجهتها فى خطة العمل الأمنية والاقتصادية والسياسية لدولة إسرائيل.


ونظراً لكون العام ٢٠١٥ عام انتخابات جديدة وتشكيل حكومة جديد وينتظر رئيس وزراء جديدة ووزير دفاع جديد فإن العبء الأكبر سيلقى على أكتاف رئيس الأركان الجديد- لحين انتهاء الانتخابات وتشكيل الحكومة الجديدة وتسمية وزير الدفاع الجديد- وسيستمر وقت ما حتى يتفهموا الموقف ويبدأوا فى اتخاذ القرارات، أى أنه سيكون الوحيد القادر على إعطاء الأجوبة الأمنية ومراقبة الموقف فى كل المجالات.


لقد بدأ تقرير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية برسم الصورة الإقليمية من زاوية الدولة العظمى:


- “فى الشرق الأوسط لا يوجد راع دولى يقوم بترتيب التوازنات وخلق التعاون الدولى لتهدئة المنطقة”.


- روسيا (بوتن) تكثف جهودها لزيادة تأثيرها فى الشرق الأوسط من خلال السيطرة الشديدة على سوريا.


- الولايات المتحدة التى تمتعت لسنوات طويلة بحرية الحركة فى الشرق الأوسط، لا تتحرك بدون تحالفات.


- سوريا الكبرى لم تعد قائمة، والمصطلح المقبول اليوم هو سوريا الصغرى للأسد تسيطر على ٢٠- ٣٠٪ من الدولة والباقى كانتونات مستقلة تحارب بعضها البعض.


- مكان إسرائيل هو فى هضبة الجولان وثمن مساعدتها الإنسانية لمتمردى الجيش السورى الحر هو انتشار جماعات سنية معتدلة على طول جزء كبير من هضبة الجولان مع اتخاذ وجهتها إلى الداخل فى سوريا، إنهم يخلقون حاجزاً ويمنعون دخول عناصر جبهة النصرة وداعش إلى هضبة الجولان “الإسرائيلية”، إلى الشمال من القنيطرة توجد عدة قرى درزية تشكل مركزا لعمل معاد لإسرائيل فى هضبة الجولان، والوحدات التى تعمل هناك يتم تحريكها من حزب الله والجيش السورى يقود أحدها ابن سمير مغنيه الذى قتلته إسرائيل عام ٢٠٠٨ وأخرى يقودها سمير قنطار الذى أطلق سراحه من سجون إسرائيل.


نقطة ضوء فى الظلام (الذى تراه إسرائيل)


انهيار الدولة القومية فى ليبيا وانقسامها إلى ثلاث دويلات كيرنابكة (طبرق) فى الشرق، وطرابلس فى الغرب، فزان فى الجنوب.


- السودان انقسمت إلى قسمين (السودان- جنوب السودان) اليمن وسوريا والعراق والصومال مفككة وقد يمتد إلى دول أخرى ويتعمق أكثر فى الدول المفككة حالياً.


مركبات داعش- سياسية وليست عسكرية- فى الوقت الحالى، موجودة فى معان فى الأردن، ومنظمة أنصار بيت المقدس فى سيناء، التى كانت مرتبطة بالقاعدة أعلنت مؤخراً ولاءها لداعش.


- يشير التقرير إلى أربعة معسكرات فى الشرق الأوسط تحارب بعضها البعض.


الأول: هو الخط الشيعى الرايكالى الذى يضم إيران وسوريا وحزب الله والجهاد الإسلامى والحوثيين فى اليمن، ويحاول ضم حماس والتعاون معها.


الثانى: المعسكر المعتدل ويضم مصر والأردن والسعودية ودول الخليج، وقد انضمت قطر فى الأيام الأخيرة بعد مساع سعودية.


والتفاهم مع قطر مهم جداً لإسرائيل، حيث تستطيع منع وإعاقة أى تصعيد من غزة ويبعد الإيرانيين عن حماس.


الثالث: هو الذراع السياسية للإخوان المسلمين الموجودون فى غزة وإسرائيل والأردن ومصر.


الرابع: هو الجهادى السنى داعش وجبهة النصرة وأنصار بيت المقدس وما يتفرع عنها.


وإسرائيل هى المراقب الذى تصيبه بين الحين والآخر شظايا الحرب.


فى ظل هذا التقرير الاستخباراتى الوردى الذى لم تحلم به إسرائيل يوماً ما ممثل فى:


حدود آمنة، ودول مجاورة مهلهلة، ومن بقى منها متماسكاً شغلته مشاكله الداخلية من اقتصاد إلى إرهاب إلى بقايا عفنة من حقبة اللامبالاة الوطنية والقومية، أتمت إسرائيل انتخاب الكنيست العشرين فى ١٧ مارس ٢٠١٥ وشكلت حكومتها الليكودية اليمينية المتطرفة فى يوليو من نفس العام، لتتخلى بصلف رئيس وزرائها عن كل المواثيق والاتفاقيات التى وقعتها، خاصة ما يتصل باستكمال حل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية، ويعلن فى تحد سافر أنه لا سبيل للحل إلا من خلال المفاوضات المباشرة بين الجانبين الإسرائيلى والفلسطينى- دون أى وساطة - وما إن ينفرد بالرئيس الفلسطينى محمود عباس إلا ويوجه إليه فى تحد سافر “لا سبيل أمامكم إلا الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل”، فلا يجد الرئيس الفلسطينى أمامه إلا الرفض، لأن الاعتراف لا يحل المشكلة الفلسطينية بل يضاعفها- لأن يهودية دولة إسرائيل تعنى طرد حوالى مليونى فلسطينى من (عرب)٤٨ الذين يعيشون فى شمال إسرائيل ويحملون الجنسية الإسرائيلية- إلى خارج إسرائيل وتشريدهم بعد الاستيلاء على أرضهم وديارهم مثلما حدث لمن سبقهم من أصحاب أرض فلسطين، وفى ظل هذا الانصراف العربى بمشاكله وكوارثه عن القضية الفلسطينية، والنهم الإسرائيلى فى نهش ما تبقى من أراض فلسطينية فى القدس الشرقية والضفة الغربية والاستباحة الطاغية للجولان للحد الذى يطلب فيه رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو من الرئيس الأمريكى (فى زيارته الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية) الاعتراف بضم إسرائيل للجولان السورية معللاً طلبه بأن ذلك يمنع إيران من مهاجمة إسرائيل من الجولان- بل إن ما نادت به إسرائيل والعرب من قبل أن الأرض مقابل السلام، تحول لدى إسرائيل إلى “السلام مقابل الأمن”.


- لم يجد الشعب الفلسطينى أمامه بارقة أمل رغم هذا الاعتراف من حكومات وبرلمانات عدد ١٣٦ دولة من ١٩٣ دولة هى أعضاء الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية- فكانت انتفاضة الطعن والدهس من جانب أعداد من الفلسطينيين لبعض الإسرائيليين- تعبيراً عن رفضهم لهذا التجاهل الإسرائيلى لحقهم فى العيش الكريم على أرضهم تحت علم دولتهم الفلسطينية- رغم المجابهة الشرسة من الجانب الإسرائيلى بقتل من يقومون ومن لا يقومون بالدهس بالسيارات أو الطعن بالسكاكين حتى بدون اشتباه، ولكن لمجرد الرغبة فى قتل كل من هو فلسطينى ويكفى الادعاء بأنه كان ينوى دهس أو طعن أى جندى أو مواطن إسرائيلى، وعلى الحدود الشمالية لن تنسى إسرائيل أن توجه ضربه لابن عماد مغنية ومعه جنرال إيرانى تواجد فى الجولان فتتخلص منهما.


وما إن قامت روسيا بنشر قواتها فى سوريا والقيام بعملية جوية موسعة ضد تنظيم داعش فى سوريا بالتعاون مع الجيش السورى بعد سقوط طائرة الركاب التابعة لها فوق سيناء، إلا وسارعت إسرائيل بالتنسيق العسكرى معها بدءاً من زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلى لروسيا ولقاء الرئيس بوتن إلى اتصال مسئولين روس بمستشار الأمن القومى الإسرائيلى (يوسى كوهين).


نتج عنه: تقديم روسيا لضمانات موثقة بأنه لا النظام السورى ولا الإيرانى عازمان على فتح جبهة ثانية فى الجولان.


- عدم وصول أى أسلحة متطورة لحزب الله أو نشر قوات برية إيرانية فى سوريا.


- تبادل المعلومات بين الروس والإسرائيليين.


- إطلاق قناة لتبادل المعلومات حول تطور الأوضاع فى سوريا والتنسيق الكهرومغناطيسى الذى يضمن عدم التشويش بينهما.


- إقامة خط مباشر بين مركز قيادة الطيران الروسى في قاعدة حميميم السورية ومركز قيادة سلاح الجو الإسرائيلى.


ولأن إسرائيل لم تكن طرفاً فى العقوبات الأمريكية على روسيا بسبب الموقف فى أوكرانيا، فقد أعطى هذا الوضع سعة فى صدر الروس استغلته إسرائيل فى اصطياد أهدافها الثمينة داخل سوريا كلما أمكنها ذلك، كما حدث فى الهجمة الجوية الإسرائيلية على دمشق والتى أنهت حياة الأسير الأشهر سابقاً فى السجون الإسرائيلية والقيادى فى حزب الله (سمير القنطار) بحجة أنه كان يخطط لعمليات عسكرية ضد إسرائيل فى الجولان، كل هذا وذاك بينما إسرائيل تعمل حثيثة لزيادة قدرتها العسكرية بين تطوير للأسلحة التى تقوم بتصنيعها بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية مثل الصواريخ المضادة للصواريخ (حيتس٣) الذى تم تجربته بنجاح قبل انتهاء عام ٢٠١٥ والتعاقدات الجديدة على الطائرة الأمريكية متعددة المهام ف ٣٥ (الشبح) حيث جرى التعاقد على صفقة جديدة بخلاف ما سبق التعاقد عليه من قبل.


التوقعات المنتظرة لإسرائيل عام ٢٠١٦:


إن عام ٢٠١٦ هو العام الأخير فى فترة الحكم الثانية للرئيس الأمريكى باراك أوباما، وهو عام ينكفئ فيه الرئيس وحكومته على إنهاء ما بدأوه من أنشطة فى الداخل والخارج دون الشروع فى أى مبادرات جديدة، إضافة لعامل مهم جداً هو أن الرئيس الأمريكى عادة يريد أن ينهى حكمه وهو على علاقة طيبة باليهود فى الداخل الأمريكى وفى إسرائيل تجنباً لأى ضرر قد يصيبه منهم كما حدث لبعض أسلافه من الرؤساء السابقين الذين لم ينالوا رضا اليهود عن مواقفهم.


- فلا ينتظر أن يتغير أى وضع فى القضية الفلسطينية هذا العام وربما الذى يليه (عام الدراسة والفهم من الرئيس الأمريكى الجديد).


- وستحاول إسرائيل استثمار التباعد بين روسيا وتركيا لصالحها بالمزيد من التعاون الاقتصادى والسياسى والعسكرى مع كل منهما على حدة.


- ستزداد الدعوة لجذب المزيد من يهود أوربا وآسيا للهجرة إلى إسرائيل كعامل ضغط تستفيد منه فى إعلان يهودية الدولة.


- المزيد من فرض الأمر الواقع فى القدس العربية بالتوسع فى بناء المستعمرات واستمرار محاولاتها لهدم المسجد الأقصى والاستيلاء على أجزاء من باحته.


فى المجال العسكرى


بالرغم من الإعلان عن تخصيص ٦٠مليار شيكل أى ما يساوى ١٢٠ مليار جنيه مصرى كميزانية للجيش الإسرائيلى عن العام ٢٠١٦ ومصادقة اللجنة البرلمانية المشتركة بالكنيست عليه فى جو من الهدوء، إلا أن وزارة الدفاع كما درجت دائماً، سترفع حجم الميزانية إلى مبلغ يفوق ذلك من حجم ميزانية العام الحالى التى ستبلغ ٣٨٤ مليار شيكل.


الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية الجديدة:


على خلاف العادة قام رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلى الجنرال (زينكوت) فى أغسطس الماضى بإعلان وثيقة الجيش الإسرائيلى، التى تعرض استراتيجيته علنا للجمهور، من خلال الصحف العالمية، بينما احتفظ بنسخة سرية من الوثيقة الكاملة لصناع القرار الإسرائيلى.


شملت الاستراتيجية العسكرية الجديدة سبع نقاط محدودة هى:


رفع كفاءة سلاح المشاة:


نظرا لتغير العدائيات يلزم إحداث تغيير فى منظومة الجيش الإسرائيلى ليكون ملائماً للتطورات الجديدة وأبرزها تقوية سلاح المشاة وتطوير التدريبات الخاصة به مع زيادة القدرات الاستخباراتية واقتناء أحدث الأسلحة المتطورة مع وجود لغة تواصل مشتركة بين الأفرع الرئيسية (بر، بحر، جو، سايبر).


مصادر التهديد: ليست إيران


ولا سوريا بالمستوى الأول:


لم تعتبر الوثيقة إيران ولا برنامجها النووى هو الخطر الوجودى الأول وإنما التنظيمات الأقل من دولة والتى أسمتها (دولانية) وهى تحديداً حزب الله وحماس، ومع التطورات التى حدثت فى الدول العربية بعد ما أسموه (بالربيع العربى) أصبحت الأهداف الأساسية للجيش الإسرائيلى ليست الجيوش النظامية وإنما التنظيمات المسلحة.


لن تسعى إسرائيل لخوض الحروب،


لكن عليها الانتصار إن خاضتها:


أشارات الوثيقة إلى أن الجيش قد يقوم بعمليات عسكرية رادعة للأعداء فى الظروف الطبيعية والقيام بعمليات عسكرية خارج الحدود لتحقيق النصر ويجب على الجيش أن ينهى الحرب بانتصار ساحق.


مع ضرورة تأمين الأهداف المدنية ضد أى أعمال عدائية.


الحروب الطارئة والعمليات المحدودة:


المتوقع أن مثل هذه الحروب أو المعارك الطارئة تكون فى الغالب من جانب التنظيمات المسلحة الدولانية كحزب الله وحماس، وتقول الوثيقة إن استعداد الجيش في كل من حالة الحرب مع التنظيمات الدولانية أو الجيوش النظامية، تكون هى نفس الاستعدادات، وأن الجانب السياسى أى الحكومة الإسرائيلية يجب أن يكون موجوداً أثناء المعارك الطارئة لإجبار العدو أو الخصم على الاستسلام.


آلية الحروب:


إن إسرائيل قد تواجه عدة حروب مستقبلية مع دول لديها حدود مشتركة أو دول لا تشترك معها في الحدود أو تنظيمات مسلحة، الأمر الذى يجب على الجيش فيه التنسيق بين الأفرع المختلفة لتوحيد الجهود ومنع تكرار الأخطاء.


الجهود الوقائية فى الحروب:


مع بداية الحرب التى لن يسعى إليها الجيش الإسرائيلى، يجب أن يقوم في أول رد فعل له برد مباشر على هجمات العدو بغرض تدمير واحتلال أرضه وتدمير بنيته التحتية مع قيام القوات الخاصة بمهام محددة والعمل بكامل الحرية دون إرباكه بالحسابات الاقتصادية والمالية بهدف ردع العدو بالمفهوم الذى يفهمه ويجعله يرتدع.


أهمية سلاح السايبر:


أصبحت حروب السايبر “الأمن الإلكترونى” جبهة قتال جديدة لدى جيش الدفاع الإسرائيلى بأفرعه الثلاثة “بر، بحر، جو” يتم إلحاق السايبر بها ويعتزم رئيس الأركان تشكيل سلاح جديد مستقل تحت اسم “السايبر”.


والخلاصة: التى يمكن الخروج بها أن الجيش الإسرائيلى لم يغير من عقيدته القتالية، كما يريد أن يوحى بذلك من خلال إعلانه أنه لن يخوض الحروب إلا بهدف الردع - والردع كما يعرفه الخبراء هو درجة أعلى من الدفاع أو حماية الأوطان، لأن أى جيش لدى أي دولة له وظيفتان، الأولى حماية الوطن والدفاع عنه ضد أى اعتداء.


والثانية: هى ردع أى معتد أى منعه من التفكير فى الهجوم على دولته خشية تعرضه للهزيمة والتدمير.. وهذه هى الدرجة الأعلى من الحماية أى التى تحتاج إلى قوة وقدرة أكبر، الكل يخشاها.


وباقي ما جاء في الوثيقة هو من البديهات التى يعرفها كل العسكريين أى تغيير نوعية وحجم وأسلوب استخدام والقوات طبقاً لنوع وحجم وأسلوب العدو المنتظر.