مصر والعروبة عام جديد بتحركات سياسية جديدة لدعــــم الأمـــن القومـــى العربــى

30/12/2015 - 10:20:03

  اجتماع مجلس جامعة الدول العربية فى دورته السادسة والعشرين فى القاهرة اجتماع مجلس جامعة الدول العربية فى دورته السادسة والعشرين فى القاهرة

بقلم - السفير: د.عزمى خليفة

سويعات ويهل علينا عام جديد، بإشراقة أمل جديدة تجعلنا نفكر فيما آلت إليه الأمور العربية مع نهاية عام يودعنا، وسبل علاج سلبيات هذه الأمور بحيث ندعم أمننا القومى العربي، الذى جعل من العرب القوة السادسة في العالم في أعقاب حرب ١٩٧٣، وهو ما أكد أن القوة العربية لم ينقصها السلاح، ولكن ما كان ينقصها في ذلك الحين إرادة القيادة التي يمكنها حسن استخدام ما توافر لدى العرب من إمكانيات حتي إن كانت إمكانيات دفاعية في حرب كان المفترض فيها استخدام إمكانيات عسكرية هجومية، وهو ما جعل هذه الحرب موضع اهتمام وتدريس في أعتي الأكاديميات العسكرية في ذلك الحين وهو ما عبر عنه صراحة الجنرال الفرنسي اندريه بوفر، حينما زار مصر بدعوة من أكاديمية ناصر العسكرية وألقى خلال الزيارة عددا من المحاضرات كان لي شرف الاطلاع عليها وتقييمها في ذلك الحين حينما كنت مجندا بفرع المعلومات والتقديرات بالأمانة العامة لوزارة الدفاع المصرية.


إن العام المنصرم كان تأثيره على الأمن القومى سلبيا في مجمله، ففى منطقة الخليج تدهور الموقف العربي نتيجة عدة عوامل أهمها انخفاض الأهمية الاستراتيجية للمنطقة ككل وبخاصة بعد عقد الاتفاق النووي الإيراني وبعد استخدام واشنطن تقنية جديدة لاستخراج البترول كان من شأنها مضاعفة ما تنتجه من كميات بترولية وهى تقنية التكسير الهيدروليكى او الحفر الأفقى، مع تزايد الأهمية النسبية للبترول الإفريقي المكتشف عبر العقد الأخير في ربوع القارة الإفريقية، مما أدى إلى تغيير الخريطة الاستراتيجية لموارد الطاقة.


وتواكب مع هذا الانخفاض النسبى في الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج العربية تزايد نسبي في الأهمية الاستراتيجية للقارة الآسيوية التي تشهد انتقالا مستمرا في مصادر الثروة والسلطة من الولايات المتحدة الامريكية وغرب أوربا إليها مع صعود المارد الصيني والمارد الهندى اقتصاديا ومع تواجد أربع دول نووية بها، من الراجح أن تنضم إليهم إيران بعد عقد من اليوم وهى الصين وكوريا الشمالية والهند وباكستان، إضافة للتقارب الصينى الروسي الذى يخل بميزان القوى العالمي في أي صراع قادم لحساب الشرق الصاعد.


إضافة إلى ذلك فإن جناح الشام الذى يعد البوابة الشمالية الشرقية للأمن القومى العربي قد شهد تحولات عديدة أيضا، فقد أكد التدخل الروسي في الأزمة السورية لواشنطن بما لا يدع مجالا للشك أن تقديراتها بشأن القوة الروسية بنيت على معلومات خاطئة وأن روسيا قوة عالمية ينبغي أخذها فى الاعتبار شاء من شاء وأبي من أبى، وأن هذا التدخل قد أدى إلى تغيير موازين القوي على الأرض، فانحسرت المناطق التي يسيطر عليها داعش في سوريا والعراق بنسبة ٢٧٪، مما سمح بالحديث عن التفاوض بين النظام السوري والقوي المناوئة التي تحمل شعارات إسلامية لا تعكس سلوكياتها الواقعية والتى تؤكد عمالتها لقوى إقليمية مثل تركيا وقطر والسعودية وإسرائيل وقوى عالمية مثل الولايات المتحدة الأمريكية، مما سمح مؤخرا بصدور القرار رقم ٢٢٤٥ لمجلس الأمن الذى يحث الأطراف المتنازعة على التفاوض وسمح للمبعوث الأممي لممارسة نشاطه لتحديد الأطراف التي ستجري المفاوضات بينها وفقا لدورها في الأزمة السورية ووفقا لقوتها على الأرض.


كذلك على نفس المسرح الشامى تحرك الموقف في العراق في نفس الاتجاهات التي حكمت الأزمة السورية، فبالرغم من وصول القوات التركية إلى الموصل، وهو حلم توسعي تركي قديم، إلا أن العراق بدأ صحوة لاستعادة دوره مرة أخرى كدولة موحدة وإعادة فرض سيطرته على ثرواته البترولية ومحاربة داعش في مختلف الأقاليم العراقية وهي اتجاهات ينبغي العمل على دعمها مستقبلا.


أما على المسرح الغربي، فالشمال الإفريقي شهد تحولات هامة أيضا تبعث على الأمل في الساعات الأخيرة لعام ٢٠١٥ المنصرم، فقد وقع الفرقاء الليبيون اتفاق الصخيرات وتتجه الأمور إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، كما تلقى الإرهاب ضربات موجعة على جانبي خط التماس العربي الإفريقي في نيجيريا والسنغال ومالي والمغرب والجزائر، إضافة إلى الإجراءات التي اتخذتها الدول الأوربية في الشمال لمكافحة الإرهاب في أعقاب أحداث باريس.


هذه الأوضاع الجديدة والتحولات التي تعكس في مجملها أبعادا إيجابية تدعونا لمحاولة التعرف على الأبعاد المحتملة لسياسة مصر الخارجية في عام ٢٠١٦ تجاه التحركات الإقليمية في الشرق الأوسط وبخاصة تجاه السعودية وسوريا والعراق وليبيا والجزائر وتجاه روسيا وواشنطن باعتبارهما القوتين الأعظم المنخرطتين في الإقليم.


نقطة البدء لمصر هي الدائرة الداخلية فمصر ستستمر في بناء قوتها الذاتية بمعنى السير على خطين متوازيين هما إعادة إعمار الاقتصاد المصري، والاستمرار في بناء وتحديث قوتها الذاتية العسكرية، مع المحافظة على المكتسبات التي حققتها في مجال مكافحة الإرهاب وتطهير البلاد منه داخليا، وهذا لن يكتمل إلا بدعم علاقاتها بالسعودية والإمارات والكويت أساسا وبالاستمرار في تطوير علاقاتها بكل من روسيا وفرنسا.


أما العلاقات مع السعودية، فبالرغم من قوتها إلا أنها تشوبها بعض الشوائب نتيجة خطوات سعودية لم تدرس جيدا فإنشاء الجيش الإسلامى الذي أعلنت عنه السعودية لايزال مترنحا وهو ما سبق وحدث في تشكيل قوات عاصفة الحزم، كما أن التفكير في إنشاء هذا الجيش جاء على حساب القوة العربية المشتركة التي أوقفت السعودية تكوينها من خلال مسرحية هزلية شاركتها فيها باقي دول مجلس التعاون الخليجي، رغم حاجة العرب اليوم لهذه القوة العربية المشتركة، ويرجع ذلك لاحتواء السياسة الخارجية السعودية على مكون دينى إسلامى تحول نتيجة التجاور الجغرافي مع إيران والتنافس معها وطبيعة الصراع السوري إلى مكون مذهبي فاتسمت سياستها بالطائفية.


السعودية إحدى ثلاث دول عربية إلى جانب الجزائر وسوريا أو العراق بالتبادل وفقا للظروف التي تتحمل مسئولية دعم الأمن القومي العربي مع مصر، ومن هنا تأتي أهمية اعتراف السعودية بالدور الإيراني بدلا من محاولة الاستعاضة عن ذلك بتشكيل محور مصري تركى سعودى ليس لأن مصر لديها مشكلة في التعاون مع تركيا كما يردد بعض قصار النظر، وإنما لأن فكرة الصراع السني الشيعي هي في الأساس فكرة أمريكية طرحت في إطار مناخ الاستقطاب الإيراني السعودي في أعقاب نجاح الثورة الإسلامية في إيران ١٩٧٩ بهدف تطويق أمريكا لعزل هذه الثورة.


ومن ثم سيشهد عام ٢٠١٦ استمرار المحاولات المصرية للتعاون مع السعودية في ظل وجود قدر من الاختلاف في الرؤى، مما سيحد من نتائج هذا التعاون ولعل الفيصل في هذا التعاون ستوقف على ما ستؤول إليه الأوضاع في الأزمة السورية، والتي تتجه غالبا ما تتجه نحو حل سلمي يستند إلى مرحلة انتقالية تشهد صياغة دستور جديد للبلاد وانتخابات حرة لرئاسة الجمهورية.


أما ليبيا وهي الجار الملاصق لمصر في الغرب والتي تتمركز بها جماعة الإخوان المسلمين وعدد من الميليشيات العسكرية وعدد من الحركات الإرهابية في مقدمتها داعش، فمن المؤكد أنها ستشهد اهتماما مصريا، بحيث تجتهد مصر في استئصال حدة الإرهاب منها لأن في ذلك دعما لأمن مصر القومي، ودعما للأمن القومي العربي من خلال إيجاد تواصل مباشر بين مصر والجزائر وهى الجناح الذى يستند إليه الأمن القومى العربى إلى الغرب من مصر إلى جانب السعودية فى الشرق، مما يزيد من حجم التعاون المصرى الجزائري في مكافحة الإرهاب في مجمل الشمال الإفريقي من ناحية وفي ليبيا وتونس تحديدا من ناحية أخرى.


كذلك إلى جانب دعم مصر للحوار السوري والخطوات التي اتخذتها حكومة العراق للحفاظ على وحدة أراضيها في وجه الغزو التركي، فمن المؤكد مع تولي مصر عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن سيتزايد ثقل الدور المصري في دعم هاتين الدولتين الشقيقتين سوريا والعراق بالتنسيق مع الأردن التى تتولى حاليا مقعدا غير دائم فى مجلس الأمن.


أما القطبان الأعظم روسيا وأمريكا، فالعلاقة المصرية معهما ستستند إلى مبدأ التوازن القائم على الترحيب بأي تعاون وفقا، بما يخدم جدول الأعمال المصري العربي وليس بهدف تكوين محاور سياسية خاصة أن مفهوم الأمن القومي العربي أصبح يعتمد على مكون من الأمن الإنساني إلى جانب مكون من الأمن الاقتصادى الاجتماعي ومكون من الأمن الثقافي ولم يعد مفهوم الأمن القومي مستندا إلى مفهوم عسكري ضيق بل كان يتطلب فيما مضي المحاور العسكرية التي تخطاها الزمن.


ولكن نظرا لطبيعة العلاقات الحالية، فمن الراجح أن تستمر العلاقات المصرية الروسية في الرسوخ وأن تتسع لتشمل أبعادا في الإنتاج المشترك لبعض السلع وبخاصة في إطار جهود مصر لتسويق محور قناة السويس ليصبح واحدا من أقوى وأكبر المناطق الصناعية المتكاملة في منطقة الشرق الأوسط.


أما العلاقات مع واشنطن، فالراجح أنها ستستمر في الفتور خاصة أن أيام الرئيس الأمريكي باراك أوباما ستصبح معدودة وستكون حركته بطيئة إلى أن يرحل من البيت الأبيض في نوفمبر القادم ويصعب تصور إمكانية حدوث تطور مفاجئ في العلاقات المصرية الأمريكية في هذه الفترة القصيرة.


إذن ترجح كافة المؤشرات استمرار انتقال مركز الثقل السياسي العالمي إلى آسيا خاصة أن الصراع الدولي في أواسط آسيا سيشهد تكثيفا لضمان تأمين خطوط نقل الغاز إلى الشرق والغرب على السواء وتأمين المنطقة من الإرهاب، ومن ثم ستقل الأهمية النسبية الاستراتيجية لمنطقة الخليج بالتالي مع تنشيط الدور المصري في كافة المحاور القريبة منها بما يدعم أمن مصر والأمن القومي العربي.