أردوغان بين هوس السـلطة ووهم الخلافة

30/12/2015 - 10:16:47

لواء دكتور مصطفى كامل السيد

صرح رجب طيب أردوغان فى مؤتمر انعـقـد فى تركمانستان ذات العـرق التركى يوم الثلاثاء ١٥ ديسمبر ٢٠١٥، بأنه يُمكن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، شريطة أن ترفع الحصار عن غـزة، وأن تصرف التعـويضات للضحايا الأتراك التسعة الذين كانوا على متن السفينة التركية مرمرة، التى كانت ضمن أسطول الحرية، والتى أطلقت عليها إسرائيل النيران، عندما كانت تحاول فك الحصار عن غزة وتقديم المعـونات الإنسانية لأهلها فى ٢٠١٠.


وفى المقابل صرح مصدر سياسى إسرائيلى، «وفقا لما أوردته جريدة يديعوت أحرنوت» بأن إسرائيل ترفض شروط أردوغان لتطبيع العلاقات، بل وتتمسك باحتلال غـزة، وأن الرئيس التركى قد لجأ إلى تركمانستان لتكون بديلا عن روسيا لإمدادها بالغاز الطبيعى، حيث تُعـد رابع أكبر دولة فى العالم امتلاكا للغاز، وفى نفس الوقت يهدف أردوغان من تطبيع العلاقات مع إسرائيل إمداد بلاده بالغاز الإسرئيلى عن طريق خط أنابيب يصل بين تركيا وإسرائيل تحت مياه البحر المتوسط، والإستغـناء نهائيا عن الغاز الروسى، خاصة أن تفاعلات العلاقات التى أحدثتها إسقاط المقاتلة الروسية فى الأراضى السورية المتاخمة للحدود التركية.


كما أكدتها البصمة الحرارية للطائرة قد تستغرق زمنا طويلا


والغريب أن أردوغان قد مارس فى العراق ما ينهى عـنه إسرائيل، فقد اخترق حدود العـراق، وانتهك سيادته على أقاليمه، واحتل جزءا من أراضيه، وحاول أردوغان تبرير تواجد قواته بأنها تقوم بتدريب العـناصر الكردية، التى تحارب داعش، وهو ما يتناقض مع موقفه الرافض أساسا لوجود دولة كردية على حدود تركيا، وأعلن فى غـطرسة مجَة بأن قواته لن تنسحب وأنها باقية فى «بعشيقة» ولن يقوم بسحبها لدواعى الأمن القومى لتركيا، وفى مفاجأة غـير متوقعة قرر سحب قواته من العراق، تنفيذًا لقرار سيده فى الولايات المتحدة بالرغم أن من هذه القوات هى التى كانت تقوم بتأمين وصول شحنات خام النفط، الذى ينهبه داعش من آبار شمال العراق إلى بلاده، كما كان يهدف تواجد هذه القوات على مقربة من الموصل أو الـبـئـر، الذى لا ينضب من خام البترول لينقض عليها، والتى كانت يوما ضمن دولة الخلافة العـثمانية وتنازل عنها أتاتورك فى منتصف العـقد الثالث من القرن الماضى، والتى تُعـتبر الآن داخل نفوذ إيران التى تسيطر الآن على العـراق بأسره، وقد أعلنت إيران أن خفض إمداداتها من الغاز الطبيعى لهضبة الأناضول التركية بنسبة قد تتعدى الـ ٤٠٪ تعـود إلى أسباب فنية، وهى إشارة واضحة فاضحة لتبرير موقفها إذا أضطرت لأن تتوقف عن إمداد تركيا بالغاز تعـزيزا للموقف الروسى أولا، ما لم يتسق دور تركيا مع موقفيهما، أى موقف روسيا وإيران الداعمين للنظام السورى، ويبدو أن الحلقة قد بدأت تضيق على تركيا بعـد أن أصبحت كل دول محيطها الإقليمى المباشر (روسيا وسوريا والعراق وإيران) مناهضة لسياستها ودورها كتابع أمين للولايات المتحدة تأتمر بأوامرها.


وواهم من يظن أو يتصور، أن التعاون بين تركيا وإسرائيل قد إنقطع يوما، بل قد ازداد تماسكا وارتباطا، خاصة فى المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، حتى فى أحرج فترات توتر العلاقات بينهما، سواء أزمة مقتل الأتراك التسعة، الذين كانوا على متن السفينة التركية مرمرة، أو عـندما افـتعـل أردوغان أزمة انسحابه من منتدى دافوس، بعـد أن امتنع رئيس الجلسة عن منحه الوقت الكافى للرد على خطاب رئيس إسرائيل، فانسحب وسط تصفيق الحاضرين، فقد كشف أوباما عن المكالمة التليفونية التى قدم فيها نتانياهو اعـتذار إسرائيل لأردوغان عـن مقـتـل الأتراك الذين كانوا على متن السفينة مرمرة، حيث أبلغـه استعـداد إسرائيل لتقديم تعـويضات لأسر الضحايا، فقبل أردوغان هذا الاعـتـذار على الفور بعـد أن أظهر تشددا وتمنعا كبيرا من قبل، ولكنها طبيعة الرئيس الأمريكى الذى وعـد الجميع بكل شىء، لكنه لا يُعطى أحدا أى شىء، وطبيعة نتانياهو المتشككة والضالعة فى إنتهاز الفرص وابتزاز الآخرين حتى حلفائه الأقرببين، وطبيعة أوردوغان الدؤوب دائما على أن يكون محور الأضواء، خاصة بعـد أن تمكن من الجمع بين السلطة التنفيذية كاملة غير منقوصة، والتى لم يتنازل عن أى كبيرة أوصغـيـرة منها عـندما كان رئيسا للوزراء.


ويشير الواقع إلى أن أردوغان قـد استطاع توظيف هذين الحدثين بمهارة فائقة، خاصة بعـدما تعـمد الإعلام الأمريكى والتركى والقطرى (قنوات الجزيرة) إبرازهما، حتى بدا هذان الحدثان من أهم الأحداث، التى طُرحت على الساحة الدولية، إلى الحد الذى استُقبل فيه أردوغان استقـبال الفاتحين بعـد الأزمة الأولى، وجعـل منه بطلا غازيـا فى الأزمة الثانية، فصار بطلا قوميا يدغـدغ مشاعـر مؤيديه، وقد مارس دوره مرة أخرى فأخذ يدافع عـن أولئك الذين قتلوا بواسطة ما وصفهم بالانقلابيين فى مصر وأطلق إشارة مسرحية بأصابع يده الأربعة، فصارت شعارا لفض اعـتصام رابعة العدوية.


وجدير بالملاحظة أن أوردوغان يلجأ إلى افتعال مثل هذه الأزمات كلما تراجعـت شعـبية حزبه أمام شعـبية الأحزاب الأخرى خاصة حزب السعـادة الإسلامى، لكى يستعـيدها كلما اقتربت الانتخابات (مارس ٢٠٠٩ ومارس ٢٠١٤، والانتخابات الرئاسية الأخيرة التى تم إعادتها، وحصل حزبه على الأغلبية التى تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده بالتزوير حتى يتحكم فى مفاصل الدولة التركية).


أما عن التعاون الذى لم ينقطع بين تركيا وإسرائيل، فقـد تعـمدت الولايات المتحدة توسيع مجالاته خاصة التعـاون الأمنى والعسكرى، حيث سمحت لتركيا بإنتاج الطائرة ( C F١٦ ) حتى أصبحت الدولة التى تمتلك أكبر عـدد من هذا النوع من الطائرات فى العالم بعـد الولايات المتحدة، وسمحت لها بتصدير فائض إنتاجها للدول الحليفة والصديقة، ثم أمدتها بالأجهزة والمعـدات اللازمة لصيانة طائرات هذه الدول فى مصانعها، شريطة أن تقوم إسرائيل بتصنيع المعـدات الإلكترونية المعـقـدة Avionics لهذه الطائرات حتى تضمن استمرار التعاون التركى الإسرائيلى، كما وضعـت الولايات المتحدة خطط تطوير القوات المسلحة التركية باعـتبارها القوة الثانية بعـد الولايات المتحدة فى حلـف الناتو، وربطت هذه الخطط بتكنولوجيا التصنيع الإسرائيلى بحكم التراخيص الممنوحة لها من الشركات الأمريكية لوكهيد وبوينج، خاصة طائرات نظام الإنذار والسيطرة المحمول جوا AWACS الإواكسAir Born Warning And Control System التى عـقـدت تركيا صفقة ضخمة منها، إذ يعـتبر هذا النظام هاماً جدا لمنظومة الأمن القومى التركى، حيث يرتبط بإستكمال الشبكة الإلكترونية المضادة للصواريخ البالستية الموجهة ضد الـقـواعـد الجـويـة الرئيسية (كورتشك ـ إنجرليك) القريبتين من الحدود السورية والمجهزتين لاستقبال جميع أنواع طائرات حلف الناتو، واللتين تستخدمها قـوات الحلـف فى المناورات السنوية المعـروفة بإسم « نسر الأناضول « والتى تشارك فيها إسرائيل بصفة أساسية، وهو ما يعـنى من الزاوية العسكرية أن إسرائيل تتمتع فى تركيا بما يتمتع به حلف الناتو من حيث استخدامات الأراضى والقواعد الجوية التركية، كما يشمل التعاون العسكرى بينهما كل مجالات التصنيع الحربى لكل ما تنتجه الدولتان من معـدات قتال خاصة دبابات القتال الرئيسية، وهو الأمر الذى يؤدى إلى إحداث التكامل بينهما، ويعـمل على ترسيخ قاعـدة الصناعات الحربية التى يمكنها تلبية الجزء الأعـظم من احتياجاتهما، فهل سيحقق هذا التعاون الغاية الإستراتيجية التركية؟


وبالرغم من أن الولايات المتحدة تعـمل عـلى تعـظيم قدرات تركيا العـسكرية والأمنية، حتى تُبقيها عـضوا رئيسيا فى حلف الناتو، ولا تجعلها عُرضة لاستقطابها من أى قوى عالمية أخرى (روسيا، الصين) وبالرغم من أنها تمثل القوة العسكرية الثانية فى حلف الناتو وتتحمل الأعـباء عن حلفائها الأوربيين، إلاَ أن هؤلاء الحلفاء يرفضون قبولها عـضوا طبيعـيا فى اتحادهم بالرغم من النهضة الاقتصادية التى بدأت مع صعـود التيار الإسلامى وارتقاء حزب العـدالة والتنمية قمة السلطة منذ ٢٠٠٢، ولم يستوعـب الإدراك التركى الأسباب الحقيقية التى تحول دون انضمامها لهذا الاتحاد، إذ يكمن السبب الأول فى الاختلاف الجذرى بين نسقها القيمى والنسق القيمى لدول غرب أوروبا عـرقيا ودينيا وثقافيا، والسبب الثانى هو اختلاف نسقها الاجتماعـى عن النسق الاجتماعى الأوربى خاصة فيما يتعلق بمعدلات النمو السكانى، إذ يبلغ معدل النمو فى تركيا ٢ ٪ وهو ما يعادل عشرة أضعاف النمو السكانى فى غرب أوربا ٠,٢٪، وبالتالى ستكون الدول الأعـضاء مضطرة لاستيعاب فائض العـمالة التركى الضخم فى حالة انضمامها للاتحاد، مما قد يؤدى إلى اختلال الأنساق الاجتماعـية فى هذه الدول، وبالرغم من هذا الرفض فـقـد سعـت تركيا إلى إحداث بعـض التحولات فى نسقيها القيمى والاجتماعى، إلى الحد، الذى اعتنقت فيه العـلمانية المفرطة دون تعـقل أو انضباط، ولم تفرق بين التغـريب والتحديث، من أجل إرضاء الدول الأوربية ويقبلونها عضوا فى اتحادهم، لكن كل ذلك كان هباء منثورا، ذلك أن أردوغان لم يدرك حتى الآن حجم المتناقضات التى تعج بها المعادلة الإستراتيجية التركية، إذ يكمن التناقض الأول فى عـدم إمكان تركيا حسم إشكالية الاختيار بين أن تكون الدولة الأخيرة الأكثر تخلفا فى النسق الإقليمى الأوربى، حيث لا تستطيع المنافسة فى أسواقه، أم تكون الدولة الأولى الأكثر تقدمًا فى نسقها الإقليمى فى منطقة الشرق الأوسط تنافس منتجاته المحلية وتغـرق أسواقه بمنتجاتها، أما الـتناقض الثانى وهو الأهم فهوعـدم قدرتها على حسم هويتها أيضا حتى الآن، فبينما تتظاهر بالتمسك بمبادئ الشريعة الإسلامية، إلا أنها لا تستطيع إخفاء مظاهر العـلمانية المفرطة، تبدى شغـفا كبيرا للانتماء إلى الغرب، لكنها لا تستطيع أن تنسلخ من الشرق، تريـد محاكاة حضارة الغـرب لكنها لا تستطيع أن تتخلى عـن ثقافة الشرق، فلا أصبحت شرقية ولا أضحت غربية، ولا أمست إسلامية ولا باتت علمانية، ففقدت هويتها بين هوس السلـطة ووهم الخلافة حيث يتمتع بهما رئيسها أردوغان، بل ستظل تركيا كذلك دوما، ما لم تدرك أنها لا تستطيع الانسلاخ من إطارها الإسلامى، وما لم تدرك أيضًا أهميـة التوجه إلى عـمقها الطبيعى الجغـرافى والتاريخى والثقافى، ولعـل ذلك يتطلب تغـييرا جذريا واستعدادا فكريا مختلفا، ومنظورا جديدا لتناول الأمور من القائد السياسى التركى، وأن يتخلى عن هوس السلطة ووهم الخلافة، وبغير ذلك ستظل تركيا عرضة لتفاعلات متناقضات معادلتها الإستراتيجية، وربما ستظل كذلك دوما، ما لم يحدث مثل هذا التغـيـيـر