تحديات روسيا فى ٢٠١٦ مقاومة الحصار والاكتفاء الغذائى والاتجاه للتصنيع وتفادى الاستنزاف الاقتصادى بحل مشكلة أوكران

30/12/2015 - 10:13:37

بقلم - د. نبيل رشوان الخبير فى الشئون الروسية

لقد كان عام ٢٠١٥ مليئا بزخم الأحداث بالنسبة للقيادة الروسية، كما شهد الكثير من الأزمات، هذا بخلاف أزمات العام المنصرم ٢٠١٤ وأزمة القرم وأوكرانيا وما أحدثته من ردود فعل غربية متشنجة منها فرض عقوبات اقتصادية على روسيا وحصارها مع محاولات الغرب الدؤوبة خفض أسعار النفط بمساعدة بعض الحلفاء فى المنطقة العربية وذلك لمزيد من الضغط على الاقتصاد الروسى الذى يعتمد بدرجة كبيرة على النفط والغاز فى مداخيله من العملات الصعبة، أتت بعد ذلك أزمة سقوط الطائرة الروسية فوق شبه جزيرة سيناء، وما تلا ذلك من اتخاذ روسيا إجراءات احترازية تجاه القاهرة، وأوقفت حركة الطيران بين البلدين، وهو ما أصاب السياحة المصرية فى مقتل.


وبعد القرم أثارت روسيا حفيظة الغرب مرة أخرى بتدخلها النشط فى سوريا لضرب قواعد الإرهابيين، وهو الأمر الذى أثار دولة مثل تركيا التى كانت تطمح فى أن تجد لها دورا فى سوريا تستعيد به دورها العثمانى، وتقيم حائط صد عن أراضيها فى شمال سوريا، لمنع أى تسلل أو مساعدات قد تصل مقاتلى حزب العمال الكردستانى الذى يقاتل تركيا من أجل حقوق الأكراد من رفاقهم الأكراد السوريين، ولكن تدخل الدب الروسى قلب الطاولة على الجميع، فالدول العربية التى كانت تطمح لتغيير نظام بشار الأسد بدعم أمريكى سياسى فى المحافل الدولية وعسكرى من خلال تحالف عسكرى يضم ٦٤ دولة، ثم اتبعته العربية السعودية بتحالف آخر من ٣٤ دولة، دون جدوى فقد كان لروسيا قواتها على الأرض وفرضت كلمتها وأصرت على بقاء بشار فى أى مفاوضات قادمة، واعتباره جزءا من الحل، ووجهت ضربات موجعة للإرهابيين القادمين من أصقاع الأرض لتقوم بذلك بضربة وقائية مضادة للإرهاب الذى ستعانى منه فى حالة انتصار الإرهاببين فى سوريا.


لم يعجب التدخل الروسى تركيا منذ البداية، فافتعلت أزمة اختراق الطائرات الروسية للمجال الجوى التركى، اعتذرت روسيا واستدعت عسكريين أتراكا لروسيا ووقعت اتفاقا تنسيقيا بين هيئتى الأركان فى البلدين، لكن وبدون سبب وفوق الأراضى السورية أقدمت تركيا على ما أثار غضب الدب الروسى الشديد، عندما أسقطت طائرة روسية من طراز سوخوى ـ ٢٤ ، وهو الأمر الذى استهجنته روسيا بعد أو وصفه الرئيس الروسى بأنه طعنة فى الظهر من دولة كنا نعتبرها صديقة، للحق كانت العلاقات التركية فى قمة تطورها، لم تشهد مثل هذا التطور حتى فى فترات حكم الأنظمة العلمانية، لكن للأسف كما قال الرئيس بوتين جاءت الطعنة منها. لكن فى المقابل تركيا التى العضو فى الناتو، والتى تم إدخالها الحلف لقربها من الاتحاد السوفييتى، وحرص الغرب على إبقائها عضوا فى الحلف فى مقايضة مع صواريخ كوبا أثناء أزمة الكاريبى، وسمح فقط بسحب الصواريخ السوفيتية من كوبا، وجدت تركيا نفسها محاطة بروسيا من كافة الاتجاهات، من الشمال بالقرم بعد استعادة روسيا له، ومن الشمال الشرقى أرمينيا حيث توجد بها أهم قواعد روسية وقد زادت روسيا من قواتها هناك بعد التوتر الأخير مع تركيا، ثم أتت روسيا عبر سوريا من الجنوب، مما وضع تركيا فى وضع حرج خاصة بعد أن بدأت روسيا فى التنسيق ودعم حزب الشعوب الديمقراطى الكردى سياسياً إثر قيام رئيس الحزب بزيارة روسيا، وإدانته إسقاط الطائرة الروسية من قبل حكومة أنقرة، ووعد روسيا بمساعدته سياسياً.


لكن الأهم فى كل ما حدث خلال العام ٢٠١٥ المنصرم، أن روسيا خرجت عن نطاق الدولة المحلية أو لنقل المسيطرة فى الفضاء السوفييتى السابق، أو الدولة التى تنتهج أسلوب الدفاع السلبى من خلال المنظمات الدولية والاحتجاج الدبلوماسى على هذا الموقف أو ذاك، وتحولت إلى الدفاع النشط عن مصالحها، فكان أن استعادت القرم فى ساعات معدودة، ثم تدخلت فى سوريا بقوة أذهلت الجميع وغطت على أى نشاط للولايات المتحدة وتحالفها الدولى، وأصبحت اللاعب الرئيسى فى أى حل قادم فى سوريا، وهذا هو الأمر الذى أزعج الغرب بالدرجة الأولى فبعد أن ظن أنه انتهى من أى دور روسى فاعل على الساحة الدولية، إذا بروسيا تفرض كلمتها فى أوكرانيا ثم فى سوريا، وتستعيد القرم إلى أحضانها بعد أكثر من ٦٠ عاماً الذى كان جزءا من أوكرانيا، بل وضعت أنف الغرب وأوربا فى الوحل، أليس الغرب هو الضامن لوحدة الأراضى الأوكرانية مقابل تخلى الأخيرة عن سلاحها النووى عقب انهيار الاتحاد السوفييتى. ووجد الغرب نفسه أمام روسيا لا حول ولا قوة.


أما إلى أين ستتجه الأمور خلال العام القادم، أنا أعتقد أن روسيا مهما كانت قوتها لن تتحمل العقوبات الغربية إلى ما لا نهاية وخاصة الاقتصادية منها، وأتصور أن روسيا سوف تضغط على تركيا اقتصاديا وتشدد من ضغطها، لكنها فى نفس الوقت، لن تقطع شعرة معاوية بدليل أنها لم تقطع إمدادات الغاز أو توقف البناء فى المحطة النووية التركية حتى الآن، ورغم تدهور العلاقات التجارية ووقف السياحة، إلا أنها لم توقف حركة الطيران حتى الآن، العلاقات الاقتصادية بين البلدين أخذت أبعاداً وآفاقاً كبيرة، فتركيا المنبوذة أوربياً، وجدت متنفساً فى روسيا خاصة أن بضائعها ليس لها سوق فى أوربا حيث الدول الصناعية الكبرى، ورغم انصياع كافة الدول الأوربية وتأييدها للعقوبات على روسيا، إلا أن تركيا لم تنضم لهذه العقوبات ووافقت على أن تكون منفذا لوصول الغاز الروسى لأوربا عن طريقها، بعد أن أوشكت أوربا على مقاطعة الغاز الروسى فى إطار العقوبات، حتى إن بعض الدول مثل بولندا بدأت فى شراء الغاز القطرى المسال مع دخول الغاز الإيرانى على الخط ومعبر توريده لأوربا لن يكون إلا تركيا. لا ينكر أحد أن روسيا كان سوق الخضر والفواكه والملابس التركية الأكبر، وبلغ حجم التبادل التجارى بين البلدين ٣١ مليار دولار عام ٢٠١٤، وكان الطموح أن يصل إلى ١٠٠ مليار، على أى حال أتصور أنه لكل الأسباب التى ذكرتها، تعتبر تركيا شريكا تجاريا مهما لروسيا، والدولتان تحتاجان لبعضهما بعضا، خاصة إذا وضعت الأزمة السورية على مسار الحل السياسى ستبقى مشكلة القرم وجنوب شرق أوكرانيا، وستكون روسيا فى حاجة لمنفذ يخفف عنها العقوبات الغربية وهنا لا بديل عن تركيا، تحسن العلاقات بين البلدين لا مفر منه، خاصة أن اقتصاد البلدين فى أمس الحاجة إلى ضخ استثمارات جديدة ودماء جديدة، لفك حصار أوربا والغرب على روسيا، ونبذ الغرب لتركيا كدولة لم تستطع حسب الغرب الاندماج فى المنظومة الأوربية، وتعاونها مع روسيا منفذ اقتصادى هام يعوضها عن أوربا ، كما أن تركيا لن تتحمل اقتصاديا ضغط حرب حزب العمال الكردستانى عليها، ورغم قيام بعض الجماعات الإسلامية بإثارة القلاقل فى القرم لاستنزاف روسيا. كما يقول حكماء السياسة «ما يجمعه الاقتصاد لا تفرقه السياسة». من المتوقع انتهاء الأزمة مع تركيا مع حلول ٢٠١٦. تركيا فى النهاية تدرك أن الناتو الذى تتمتع بعضويته قد يتركها فريسة للدب الروسى فى حالة تصعيد الأزمة معه إذا كان الثمن مواجهة مع موسكو. لكن قبل الانفراجة سوف يستنفد الجانبان أقصى ما يمكن من وسائل الضغط على الآخر، فكلاهما لديه من عزة النفس ما يمنعه عن تقديم تنازلات مباشرة.


فيما يتعلق بأزمة سقوط طائرة الركاب الروسية فوق سيناء، فإن الوضع لم يأخذ أبعاداً سياسية أو اقتصادية كبيرة، فالعلاقات بين القاهرة وموسكو تسير على خير ما يرام، وخاصة العلاقات الاقتصادية والتجارية، بل إن موسكو لا تمانع فى أن تحل القاهرة محل تركيا فى مسألة زيادة الصادرات لتعويض البضائع التركية، تبقى أزمة عودة السياحة الروسية، وأتصور أنه بمجرد أن تعود حركة الطيران بين البلدين إلى سابق عهدها ستعود السياحة الروسية، فالقضية ليست فقط فى أزمة الطائرة ولكنها أيضاً مادية بسبب سعر العملة الروسية الذى انخفض لأكثر من النصف أمام الدولار، والجميع يعرف أن انخفاض سعر النفط والغاز أدى إلى انخفاض دخل روسيا من العملات الأجنبية، وهو ما زاد الأمر صعوبة، لكنى لا أتصور أن أزمة السياحة الروسية ستستمر لفترة طويلة وكل ما فى الأمر أنه يجب إيجاد آلية للتغلب على مسألة انهيار العملة المحلية فى روسيا أو التعامل بالعملات المحلية فى البلدين.


وتبقى الأزمة السورية على الساحة الدولية هى القضية التى تسعى روسيا إلى كسبها بأى شكل فى المستقبل القريب، فهى التى ستعيد روسيا على حصان أبيض إلى منطقة الشرق الأوسط، قد يكون ملطخاً بالدماء بسبب الضربات الاقتصادية التى تعانى منها، ولكنها ستعود كقوة دولية صاحبة مرجعية يمكنها التأثير فى الأحداث فى العالم، حتى الآن تفرض روسيا كلمتها فى الأزمة السورية، وفرضت بشار الأسد كأحد القوى الرئيسية على الساحة السورية، وكان لها منطقها الذى فرضته وهو أنها لا توافق فى تغيير الأنظمة من الخارج وبالقوة. وإذا نجحت روسيا فى فرض وجهة نظرها حتى النهاية فستكون لاعبا أساسيا على الساحة الدولية.


روسيا طبعا تعانى من حصار اقتصادى خانق، وجاء انخفاض أسعار النفط بفعل فاعل، فكان تأثيره على الاقتصاد الروسى مضاعفا، ولذلك سيكون على روسيا لتخطى الأزمة الحالية وتدعيم مكاسبها السياسية على الساحة الدولية، بأن تتخطى الأزمة الاقتصادية الحالية، وكما قال الرئيس بوتين فى خطابه السنوى للشعب على روسيا أن تنتج غذاءها بالكامل، وتتجه لتصدير المواد الغذائية المنافسة والتى تتميز بالنظافة البيئية، مع حلول عام ٢٠٢٠ ، كما أن عليها أن تتوقف عن الاعتماد على تصدير النفط والغاز فقط كمصدر رئيسى للعملات الصعبة وأن تتحول إلى الإنتاج الصناعى، كبديل لتصدير المواد الخام والمحروقات، شأنها فى ذلك شأن الدول الصناعية الكبرى وفى تصورى روسيا قادرة على هذا، فلديها كل مقومات الدولة الصناعية، ولكنها لعنة النفط وارتفاع أسعاره فى السنوات السابقة جعلها تعتمد على شراء المواد المصنعة، ولم لا وهى تمتلك من الأموال ما يغنيها عن التصنيع، وأتصور أن الأزمة الحالية المرتبطة بأسعار النفط والحصار الغربى، جعلا روسيا تفكر الآن جدياً فى التصنيع. وهى بالفعل بدأت فهى تنتج وتصدر ٤٠٪ من المفاعلات النووية فى العالم.. فى زيارتى الأخيرة لروسيا عبر الكثيرون من المواطنين الروس عن ترحيبهم بالعقوبات الغربية ولكن ليس على أساس أنا جدع أنا أتحمل، ولكن لأن نتيجة هذه العقوبات جعلت روسيا تستكفى من منتجات الألبان بالكامل بعد أن كانت تستوردها من مختلف دول العالم بداية من أوكرانيا وحتى سويسرا وفرنسا مروراً بجمهوريات البلطيق. وفى كل الأحوال ورغم الطموح الروسى للتصنيع فإنه لا توجد دولة فى العالم تستطيع العيش بمفردها، وربما تكتلات روسيا بداية من البريكس إلى منظمة شنغهاى للتعاون الاقتصادى وأيضاً مروراً بتجمع المحيط الهادى، سيشهد تطورا جديداً، بحيث ستأخذ هذه التكتلات أبعاداً أكثر تأثيراً عالمياً، ستكون روسيا بمنظوماتها العسكرية الحديثة التى أظهرت فعالية فى الحرب على الإرهاب هى محورها.