ساحة الوطنية وأرض الفنانين روز اليوسف 90 عاما

30/12/2015 - 8:57:10

يظل إحسان عبد القدوس رجلا يندر تكرار شجاعته ونزاهته في الصحافة المصرية والعربية.


تذكرت تلك الكلمات التي ترددت أمامي كثيرا من أساطين الصحافة المصرية مع تصفح الإصدار الفاخر لروز اليوسف بمناسبة ٩٠ عاما على صدورها . بفضل المهندس عبد الصادق الشوربجي رئيس مجلس الإدارة والفنان محمد بغدادي والموهوب عصام حنفي ورشاد كامل والصديق الخلوق عصام عبد الجواد انسابت داخل عيوني لقطات لاتنسى من مواقف روز اليوسف الخالدة.


صافحت عيناي مقال إحسان عبد القدوس : « الجمعية السرية التي تحكم مصر « عقب حركة الجيش في يوليو ١٩٥٢ اعتراضا على إلغاء الديمقراطية عقب أزمة مارس ١٩٥٤،وما تلاها من زج إحسان في المعتقل،واتصال عبد الناصر به في محبسه ليقول : « أنا مضطر أعمل كده لحماية الثورة « ثم الأمر بخروجه من السجن في سيارة للعشاء في بيت عبد الناصر.تذكرت لحظات جلوس إحسان الخارج من السجن على طاولة العشاء التي تركت مرارتها في حلق إحسان عبد القدوس من تصرفات ضباط يوليو ، هؤلاء الذين كانوا يتهافتون على مقابلته في زمن الملك فاروق،ولطالما كتب إحسان بإخلاص عن مصر وما جرى في تلك السنوات البعيدة في مقاله الشهير : « على مقهى الشارع السياسي »


روزا اليوسف الأم صاحبة الجريدة لم تخنع أمام عنف عبد الناصر وأرسلت وقتها عبر صفحات المجلة رسالة مفتوحة لجمال عبد الناصر تقول كلماتها كرنين الطبل : «أنت في حاجة الى الخلاف تماما كحاجتك للاتحاد» .


وكانت ما نشيتات الخطاب : « فاطمة اليوسف تقول ل « عبد الناصر « : الحرية كفيلة بقتل أعدائها كما يقتل نور الشمس ديدان الأرض - الحرية رئة المجتمع ولن تستطيع وحدك ان تفعل كل شيء – أنت أول من يجب عليه الثقة في مواطنيه .


وياليت عبد الناصر استمع لهذا الكلام .


إحسان عبد القدوس قاد حملة صحفية عنيفة عقب هزيمة الجيوش العربية في حرب ١٩٤٨ اتهم خلالها عدداَ من موردي الأسلحة للجيش المصري بشراء أسلحة فاسدة،وبدأت التحقيقات، ولما اندلعت حركة الجيش في يوليو ٥٢ كان من المصلحة النفخ في نيران فساد فاروق والأسلحة الفاسدة بل وجرى إنتاج أفلام سينمائية عن الجنود المصريين الذين فوجئوا بأن المدافع والبنادق تنفجر في وجوههم وصدورهم بدلا من الأعداء،ووسط كل هذا الجو الدعائي خرج النبيل إحسان ليعلن على الملأ أن التحقيقات أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أنه لا يوجد ما يسمى بالأسلحة الفاسدة،ولقد رصدت سكرتيرته السيدة نيرمين القويسني ما جرى ببراعة في كتابها المهم الذي كان عنوانه على ما أعتقد : « إحسان .. يتذكر « ونشرت المقالين اللذين يعتذر من خلالهما إحسان عن قضية الأسلحة الفاسدة التي فجرها ليبريء ضميره .


بعد إحسان والسيدة والدته جرت في روز اليوسف مياه ودماء عديدة،واصطبغت المجلة بشخصية يصعب تقليدها، فقد كانت دائما مسرحا للرسامين،ووفرت لهم شاشة عرض لانتقاد الحياة السياسية والاجتماعية عبر صفحاتها، ولم يكن غريبا بعد ريشة عبد السميع وجمال كامل وهبه عنايت أن يبزغ كالشهاب الساطع نجم حجازي الرسام الذي يظل - من وجهة نظري - أعظم رسامى الكاريكاتير في تاريخ العرب،فكرا وفنا ،كان حجازي رحمه الله متوافقا مع نفسه لأبعد الحدود ولا يقبل أن يسيطر عليه أحد،ورسم شخصيات مصرية مضغوطة « مبططة « من هموم الحياة،وما أجمل أن ترى ميوعة البنات وإفلاس المثقفين والسبارسية وكروش اللصوص بريشة حجازي صاحب المدرسة العريقة في شجاعة الفن والحرية.


بالرسامين أضافت روز اليوسف بعدا جديدا للتعبير عن الحرية بأسلوب آخر،وحتى عندما راح حجازي ليرسم في مجلة سمير ابتكر شخصية : « تنابلة السلطان» بقصرهم وكروشهم والعصابات السوداء على عيونهم .


كان حجازي يرسم من أجل أن يعيش كإنسان،ولما خرج صوت الشاعر أحمد فؤاد نجم كالحريق عقب هزيمة يونيه،لم يكن غريبا أن تتزين صفحات أول دواوينه الممنوعة من النشر، بلوحات حجازي ،التي قدمها بالطبع بلا مقابل .


تلك لمحات سريعة من روز اليوسف التي نحبها وصنعت خيالنا بكتابات صلاح حافظ الخالدة وعبد الرحمن الشرقاوي وأحمد بهاء الدين وصلاح جاهين وبهجت وفتحي غانم وكامل زهيري وصبري موسى وإسماعيل دياب وعادل حمودة.


ودعونا نذوب عشقا في ذلك العدد التذكاري،الذي يرصد ببراعة مسيرة مصر في زمن الحرب وسنوات الإرهاب ولا يتوقف عند متاعب الاقتصاد والتنمية ويتخطاها نحو آفاق حرية الإبداع وجرأة الكتابة والخوض في مساحات الممنوع والمسكوت عنه في حياتنا السياسية والاجتماعية.


كل عام و»روز اليوسف « صانعة النجوم وقائدة الفكر بألف خير .


وتحية لزملائنا هناك الذين نحبهم دائما من كل قلوبنا .