سعيد عبده وشركاه أعاد الاعتبار للرائد شفيق متري دار المعارف 125 عاما من التنوير

30/12/2015 - 8:54:17

بقلم - عادل سعد

داهم نظام عبد الناصر قلعة دار المعارف الحصينة،منارة الثقافة الرصينة ورائدة أدب الأطفال وصاحبة الدور التنويري الرائد والكبير، حاصرتها مخالب التأميم ،وصدر قرار بضمها لإدارة محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام،وانزوى صاحبها شفيق مترى في ركن بارد ، حزنا على ضياع أكبر مؤسسة للنشر في الشرق الأوسط. بتلك الكلمات الجريحة استهل زميلنا الموهوب إيمان الملاح قصة دار المعارف في ذلك الكتيب الفخيم الصادر عن المؤسسة العريقة بمناسبة مرور ١٢٥ عاما على تأسيس «مطبعة المعارف ومكتبتها بالفجالة « على يد نجيب متري في ١٨٩٠.


تصدّر مراسم الاحتفال بدار المعارف سعيد عبده رئيس مجلس الإدارة الجديد وكان لا فتا أن يكون إلى جواره وزير الثقافة حلمي النمنم وسفير لبنان وعدد من الأشقاء العرب الذين ما زالوا يتذكرون الدور الرائد لدار المعارف .


شفيق متري الذي نجح بالعرق في تسلم تركة أبيه المؤسس من العرق والكفاح ودرس في فرنسا وألمانيا لتطوير مطبعة دار المعارف حتى أصبحت من معالم دور النشر والثقافة العربية في الشرق،لم يتحمل طويلا، القرار الصادر بمنحه نفقة ١٠٠ جنيه شهريا من الدار التي يمتلكها ليلاحق العمال والمطابع وقال لمدير الدار الجديد: «كيف أعيش بمائة جنيه وإيجار شقتي ١٠٠ جنيه ؟» فقال الرجل :«احمد ربك لأننا أبقينا عليك »


وهكذا خرج الرجل يائسا يجر قدميه ، وهاجر لفرنسا للحاق بنجله الوحيد الذي كان يعمل في دار «هاشيت لطباعة القواميس»


مات شفيق متري صاحب السلاسل العظيمة وأول من أدخل الحروف العربية على الطباعة والذي كان يصدر كتبا بما قيمته مليونان من الجنيهات سنويا في الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي ، وهو ما يساوي حاليا،في اضعف التقديرات مائتي مليون جنيه مصري على الاقل،فضلا عما كانت دار المعارف مع كتبها المنتشرة في كل مكان في العالم تكسبه من تقدير لاسم مصر ورفع صورتها الثقافية والحضارية وتأكيد ما كانت تقوم به مصر من قيادة للحياة الفكرية العربية نحو الثقافة والنور.


مات بعد كل ما أنجزه وقام به وحققه للدار وللثقافة المصرية والعربية ،ولم يهتم أحد بتكريم الرجل ولا الإشارة إلى دوره فضلا عن تحديد وضعية خاصة له بعد التأميم سواء في الإدارة أو المقابل المادي، فقد تعاملت معه الثورة باعتباره لا يزيد عن « ملاحظ عمال « وهو ما انعكس على حالته النفسية وجعله حتى آخر عمره يشعر بمرارة لا تزول .


أعادت دار المعارف أقدم دار نشر في المنطقة العربية ورابع دار نشر على مستوى العالم الاعتبار لأصحابها مرتين، واحدة في عهد صلاح منتصر عندما تقرر وضع تمثال نصفي للرائد نجيب متري الأب مؤسس الدار في مدخل دار المعارف ، والذين رأوا شفيق متري في أيامه الاخيرة قبل وفاته قالوا إنه سعد كثيرا بوضع تمثال لوالده المؤسس في صالة الاستقبال الرئيسية بمبنى دار المعارف ، وكانت المرة التالية في تلك الاحتفالية الجميلة وإصدار ذلك الكتيب الذي أعاد الاعتبار لشفيق متري بوصفه احد رواد الثقافة المصرية والعربية .


تحية لسعيد عبده رئيس مجلس إدارة دار المعارف الجديد على تلك الاحتفالية الموفقة ، التي جرى خلالها تدشين مطبعة لدار المعارف ، يمكن من خلالها انتاج الكتاب زمنيا خلال ثلاث دقائق بالألوان والصور والتجليد ، في إشارة مهمة لضرورة تطوير دار المعارف وإعادة إحياء دورها كرائدة للطباعة والنشر من جديد .


شخصيا أتمنى من الرائع سعيد عبده أن يعيد طباعة كتاب : « تاريخ الحركة القومية « للرافعي بأجزائه،وهو كتاب مهم يقدم تاريخ مصر بلا تزييف،وهو أحد معالم إصدارات دار المعارف ، فضلا عن الإلياذة والاوديسة لهوميروس ترجمة البستاني والتي كتب مقدمتها الدكتور طه حسين ، و»حكايات كليلة ودمنه » لابن المقفع ومغامرات جيلفر لجوناثان سويفت وأعداد مجلة الكتاب الصادرة عنها وغيرها وغيرها من روائع عناوين دار المعارف.


لقد تربيت صغيرا على محبة صورة هذا الرجل المشقوق الرأس، في إعلان كان يتكرر مع كل إصدارات دار المعارف ولا يغيب أبدا عن ذهني ،الإعلان عبارة عن رجل مبتسم يقدم الخدمة لزوار معارض كتب المؤسسة العريقة ، رأسه كتاب مفتوح ، وتحته عنوان دائم : « أطلبوا الأستاذ عارف في دار المعارف»


وأتمنى أن تنشط دار المعارف وتستعيد دورها الرائد ويعود الأستاذ عارف مبتسما على يد سعيد عبده وشركائه إلى دار المعارف.