دماء على جدار السلطة (٥) خروجًا عن مبادئ الإسلام!

30/12/2015 - 8:34:47

بقلم - رجائى عطية

كتب الأستاذ العقاد «عبقرياته» عن الخلفاء الراشدين، وكتب ضمن العبقريات، عن خالد بن الوليد وإن لم يل الخلافة، ولم يكن من الخلفاء، ولكنه استحق بتميّزه وعظمته ودوره أن يندرج ضمن هذه العبقريات . ولكن العقاد وجد أن اكتمال الصورة عن هذه الحقبة الهامة فى تاريخ الإسلام، يستوجب أن يكتب عن شخصيتين كان لهما دور مؤثر فى مسار الأحداث، منذ أواخر خلافة عثمان بن عفان، وطوال تداعيات الفتنة الكبرى، بيد أنه لم يدرجهما فى إطار «العبقريات»، بل وكانت كتابته عنهما أميل إلى النقد انتصافًا للحق والتاريخ معًا : عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبى سفيان . وتستطيع أن ترى اتجاه العقاد فى كتابته عن «معاوية»، من أول سطرين قدم بهما لكتابه عنه، بقوله : «التاريخ عرض الإنسانية .. والعرض مناط الحمد والذم فى الإنسان»


أعتقد أن من أكبر الظلم للحق والإنصاف، أن يوضع أو يُذْكر معاوية قبالة علىّ، بحكم أنه الذى خرج عليه وعلى بيعته وأدار صراعًا خدمته الظروف فيه خدمةً كان آخرها نجاح الخارجى عبد الرحمن بن ملجم فى اغتيال الإمام علىّ، وإخفاق صاحبيه مع معاوية الذى أصيب إصابة غير قاتلة، وعمرو الذى نجا بعدم خروجه لصلاة الفجر فى ذلك اليوم، فقتل بدلاً منه «سارقة» قائد شرطته فى مصر .


من أكبر الظلم للحق وللتاريخ ـ أن يُذكر معاوية قرين الإمام علىّ، فشتّان بينهما فى كل شىء، وإذ ليست المقارنة هدفى، فإنه يكفى الإشارة هنا إلى أن عليَّا أراد أن يعود بالمسلمين إلى الخلافة كما كانت زمن الصديق والفاروق، وأنه قد سار سيرة عمر مع رعية أشد وأعسر وأرغب فى الدنيا من الرعية أيام عمر، وأن معاوية أراد مُلْكًا واتجه بكل قواه إلى إقامة «ملكية وراثية» وإن تمسك بنسبة نظامه إلى «إمارة المسلمين» !


وقد أقام معاوية منازعته وخروجه على بيعة الإمام، ومحاربته، على المطالبة بدم عثمان، وكان من المفارقة فى هذا الافتعال أن الإمام على وإن عارض سياسة عثمان، فإنه نصح له وردَّ الناس عنه وعن الفتنة، وهو الذى دافع عن عثمان وهو معه تحت حصار الثوار بالمدينة، بينما أبطأ معاوية فى نجدة الخليفة برغم توفر وسائله وعدته فى الشام، واتساع الوقت أمامه لنجدة الخليفة الذى حوصر حصارًا طويلاً فى المدينة .


ومن المفارقة، أن معاوية المتصدى ـ على غير صفة ولا سند ـ للمطالبة بدم عثمان، لم يجد بأسًا وهو ينازع الخليفة الرابع الإمام على فى ولايته بمصر ويبعث لمنازعته حليفه عمرو بن العاص، من أن يقوم معاوية بن حُديج أحد رجاله وبعض أشياعه هناك، بعد قتلهم محمد بن أبى بكر الصديق الخليفة الأول، بالتمثيل بجثته، ثم إحراقها على رءوس الأشهاد فى «جوف جيفة حمار» .. وقد روى الطبرى فى تاريخه (٥ /٩٤ ـ ١٠٥) ـ مقدمات وتفاصيل هذه الحادثة المروعة، وكيف ثار «عبد الرحمن بن أبى بكر» ـ على
«عمرو بن العاص»، وكان فى جنده، حين رأى أن الدائرة دارت على أخيه محمد بن أبى بكر، وأن معاوية بن حُديج وأشياعه يتعقبونه، وأنهم استخرجوه وهو يختبئ من مخبئه وهو يكاد يموت عطشًا، ومنعوه الماء، فوثب عبد الرحمن بن أبى بكر إلى
عمرو بن العاص قائلا : «أتقتل أخى صبرًا ؟!» .. «ابعث إلى معاوية بن حُديج فانهه» . ولكن ابن حُديج لم ينته، وجعل يتشفى فى محمد بن أبى بكر الصديق متذرعًا بعثمان، ويتوعده بأنه بعد أن يقتله سيلقيه فى جيفة حمار، ونفذ بالفعل وعيده على رءوس الأشهاد، فقتلوا ابن الصديق صبرًا، ومثلوا بجثته، وحرقوها فى جوف جيفة حمار !


وهذه الفعلة الشنيعة ليست من الإسلام الذى نهى رسوله عن المثلة ولو بالكلب العقور، ولا يبررها أن يكون «محمد بن أبى بكر الصديق» من معارضى عثمان، أو متهمًا بالمشاركة فى أمره، فقد صار الرجل فى أيديهم، وصارت الأمور لعمرو بن العاص ولهم فى مصر، وفى وسعهم أن يحاكموه وفق شريعة الإسلام، وأن يحققوا الأمر ويسمعوا دفاعه، وأن ينزلوا به العقاب المقرر إن ثبت عليه ما يتهمونه به، ولكنهم لم يفعلوا، ومنعوا عنه الماء، وقتلوه صبرًا، ومثلوا بجثته، وحرقوها فى جوف حمار ميت !


وقد مرّ بنا ما حدث فى ولاية معاوية ـ من إسراف فى القتل والدماء فى البصرة وفى الكوفة، على يد زياد بن أبيه ( أو ابن أبى سفيان ) تبعًا لاستلحاق معاوية إياه، ومقتلة
«حُجر بن عدىّ» وأصحابه، وسنرى أشد من ذلك نُكْرًا فى مأساة قتل الحسين وآل البيت فى كربلاء !


ملكية لا خلافة


شف معاوية من البدايات، عن أنه يتجه بالخلافة الإسلامية وإن حلا له التمسك اسمًا بها، إلى ملكية وراثية تكون لعقبه وذرية بنى أمية من بعده .


ولست أحب أن أتوقف قليلاً أو كثيرًا عند المشورة المنسوبة للمغيرة بن شعبة بحض معاوية على اتخاذ هذا الطريق، فسواء حدثت هذه المشورة أو لم تحدث، فمن المحقق أن معاوية ما كان ليمضى فى هذا الطريق لولا اقتناعه به . وهو اقتناع يمكنك أن ترى جذوره من السجال الذى دخله معه الصحابى الجليل أبوذر الغفارى إبان توليه الشام فى خلافة عثمان، وهو سجال حافل بالنعى على «معاوية» إسرافه وبناءه قصر الخضراء، واتخاذه الحاشية، والتوسع فى الإنفاق مما أسماه «مال الله»، واعتراض أبى ذر على هذه التسمية لأنها حق يراد به باطل، فنحن جميعًا إلى الله، ولكن هذا المال «مال المسلمين»، ولهم حق الرقابة على إنفاقه، وأن تسميته بمال الله لا يُراد بها إلاّ احتجانه عن المسلمين أصحاب الحق فيه !


وقد سبق هذا النعى، نعىٌ آخر نعاه عليه الفاروق عمر بن الخطاب فى خلافته، فقد أورد الرواة أنه حين أراد تفقد معاوية بن أبى سفيان على ما كان يوليه إياه بالشام، لاحظ أن معاوية تلقاهم فى «كوكبة» كثيرة السلاح، وأنه حين نزل عن فرسه وسلم على أمير المؤمنين بالخلافة، لم يرد عليه عمر، وأن أبا عبيدة بن الجراح بما عرف عنه من رفق، طفق يتوسط له لدى عمر، ويقول له : «يا أمير المؤمنين أتعبت الفتى فلو كلمته ؟!» . فقال عمر لمعاوية : «إنك لصاحب الجيش الذى أرى ؟» قال معاوية : أجل . فقال له
عمر : لم ؟! . فقال معاوية : «لأننا ببلاد يكثر بها جواسيس العدو، فإذا نحن لم نتخذ العدة والعدد للعدو استخف بنا، وهجم على عوراتنا . وأنا ـ بعد ـ عاملك، فإن وقفتنى وقفت، وإن استزدتنى زدت، وإن استنقصتنى نقصت» .


هنالك قال له عمر : «والله لئن كنت كاذبًا إنه لرأى أريب، ( وإن كنت صادقًا إنه لتدبير أريب )، ما سألتك قط عن شىء إلاّ تركتنى فيه أضيق من رواجب الضرس ( أى يصعب الخروج منه ) . لا آمرك ولا أنهاك» .


والواقع الذى نعرفه الآن من دراستنا لأحوال الشام آنذاك، أن معاوية كان فريدًا بين الأمراء الذى اختط ذلك، وأن أمير الأمراء بالشام «أبا عبيدة بن الجراح» لم يكن يتخذ حشمًا ولا حاشية ولا بطانة ولا كوكبة مدججة بالسلاح، ومع ذلك كان نافذ الكلمة على المسلمين وعلى أهل الشام، ومحل تقدير واحترام من الجميع حتى من الأعداء .


دلالة سب الإمام علىّ من على المنابر !


وليس يفوت أنه من أمارات هذا الاتجاه إلى «الملكية»، إعلان معاوية سب الخليفة الرابع الإمام علىّ ـ على منابر المساجد، وإلزام ولاته وعماله بهذا السب واللعن اللذين تأذى منهما المسلمون، ولم يكن ذلك بسياسة خلافة دينية ترعى القيم والأصول والمبادئ الإسلامية، وتوقر صحابيًّا جليلاً له قرابة ومنزلة وولى أمور المسلمين خمس سنوات، وإنما كانت سياسة «مُلْك» يسعى لإسكات القادحين الناقدين، ويستجلب ثناءً واستكانةً من باب الخشية وتوقىِّ غضب السلطان، أو اكتساب رضاه . وقد جاء فى تاريخ الخلفاء للسيوطى، عن الإمام أحمد بن حنبل، أنه سأل أباه عن علىّ ومعاوية، فقال له : «اعلم أن عليًّا فتش له أعداؤه عن عيب فلم يجدوه، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيادًا منهم له» .


دلالة الاستلحاق !


على أن من أدلة هذا الاتجاه إلى «الملكية» والابتعاد عن «الخلافة» وأحكامها، مسألة «الاستلحاق» التى انفرد بها معاوية عن باقى قومه، وخالف عن أحكام الشريعة الإسلامية، ليستلحق «زياد بن أبيه» ـ لا بنفسه، ولكن بأبيه (أبى سفيان) الذى كان قد فارق الدنيا من نحو عشر سنوات سابقة على هذا الاستلحاق !


والقاعدة فى الإسلام أن الولد للفراش، وللعاهر الحجر، فقلب معاوية القاعدة إلى نقيضها، حتى تجرأ يونس بن عبيد أن يقول له : «قضى رسول الله أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقد جعلتَ الولد للعاهر وللفراش الحجر» .


والغريب أن معاوية لم يكن صاحب صفة فى هذا الاستلحاق، فهو لم يقرّ به نسبًا على نفسه، أو يستلحق أحدًا بنفسه، وإنما استلحقه بأبى سفيان وبعد عشر سنوات من وفاته، ولم يكن معاوية هو الابن «الوحيد» لأبى سفيان، وإنما كان لأبيه ذرية واسعة من الذكور والإناث، ومن ذرياتهم من الأحفاد، ولا يصح فى شريعة الإسلام ولا فى أى شريعة، أن يفرض معاوية هذا النسب وما يستتبعه معنويا وماديا على كل ورثة أبى سفيان من الأبناء والبنات والأحفاد . وقد قيل إن معاوية احتاج إلى أن يعنف بقومه، من بنى أمية خاصة ومن قريش عامة، ليدخل عليهم هذا النسب الجديد، وليس أدل على هذا الإجبار من أن المؤرخين لم ينقلوا إقرار أحدٍ من بنى أبى سفيان أو من بنى أميّة ـ بهذا النسب، بينما السكوت عن الإفصاح بقبوله ـ إن كانوا جدلاً قد سكتوا ـ هو إعلان ضمنى ـ تحسبوا من نتائجه ـ لرفضهم هذا الاستلحاق !


وقد لقى «زياد» نفسه شططًا وأى شطط من هذا الاستلحاق الذى أعلن بمشهد من المسلمين فى دمشق، ولم ينج معاوية هو الآخر من هذا الشطط الذى احتمله، فقد نقل الرواة أن معاوية أجلس زيادًا إلى جانبه على المنبر، ودعا من شهد على «سميّة»
( أم زياد ) بأنها عرفت معاوية معرفة الإثم، وسمع زيادٌ فى أمه قولاً لا يحب الكريم ولا يقبل أن يسمعه فى أمه، وبلغ من ضيقه مما يسمع على مشهد من المسلمين أن انفجر فى بعض الشهود قائلاً : «لا تشتم أمهات الرجال فتُشتم أمك!»، وقال لآخرين : «إنما دعيت شاهدًا لا شاتمًا !»


من سياسة المُلْك لا الخلافة !


والواقع الظاهر أن هذا الاستلحاق وغيره مما أسلفناه ـ كان من سياسة «الملك»
لا الخلافة، وأنه كان توطئة لتثبيت الملك وتكريس استمراره، بضمان نقل «زياد» من شيعة الإمام علىّ الذى قاتل معه فى الجمل وصفين وبقى من شيعته، إلى صف معاوية بوساطة سعى فيها المغيرة بن شعبة، فكان هذا الاتفاق الذى أبرم بينهما تحالفًا على مساندة “زياد “ للحكم الذى اقتنصه معاوية بالخروج على الإمام علىّ وعلى البيعة المعقودة له . واقتضى “زياد “ ثمنًا لهذه النقلة أو لهذا الحلف، المكانة التى تبوأها ثم ابنه لدى معاوية، وهذا الاستلحاق بأبى سفيان بعد أن فارق الدنيا بنحو عشر سنوات.


وحاصل ذلك، وغيره، أن معاوية لم يكن بحاجة إلى تحريض من المغيرة بن شعبة أو غيره على جعل ولاية الأمر وراثية من بعده لابنه يزيد، وإنما كان عاقدًا العزم ـ وإِنْ
لم يُظْهِرْ ـ على هذه الخطوة، وغاية ما فى الأمر أنه لم يخرج بها ويعلنها إلاّ حين استتبت له الأمور، وسنحت الظروف بفرض ما يعلم أنه يخالف الإسلام ولا يرضاه جمهور المسلمين ! وقد كان لهذا الاستخلاف آثار بالغة فى تاريخ الإسلام والمسلمين !


( للحديث بقية )