انا أم البطل ...

30/12/2015 - 8:26:03

حمدى رزق حمدى رزق

بقلم - حمدى رزق

ابنى حبيبى يا نور عينى


بيضربوا بيك المثل


كل الحبايب بتهنينى


طبعا منا أنا أم البطل


كلما تناهى الى سمعى هذا المقطع من أغنية « أم البطل « بصوت شريفة فاضل المبحوح ، سال الدمع من عينى ، وبكى قلبى ، ذكرى قديمة شهيد فى العائلة ، فى كل عائلة شهيد ، وطن الشهداء ، مواكب الشهداء تتقاطع فى الطريق ، كل شهيد يسلم شهيد ، طابور من الشهداء ينتظر دوره ، خير أجناد الأرض منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر .


كانت كلمات الاغنية تدوى فى قعور البيوت الحزينة ، فتسيل الدموع أنهارا ، ترطب لهيب القلب ، قلب مصر .  


كل الحبايب بتهنينى ، طبعا منا أم البطل ، أتعرفون لماذا ترتدى أم البطل اللباس الابيض يوم تشييعه ، أتعرفون لماذا يودعون الشهيد بالزغاريد ، لماذا يفرحون والقلب مفطور حزين ، لأنهم يشيعونه الشهيد  الى الجنان ، لا الله الا الله والشهيد حبيب الله ، ذاهب إلى خالقه ، سبحانه ، وإلى جوار حبيبه ، صلى الله عليه وسلم ، وعد الله حق ، الى الجنة ان شاء الله . 


الحاجة عزة درويش أم البطل محمد أيمن شويقة ( نموذج ومثال ) ، أم البطل تمالكت نفسها ، وهمت تصلب عودها ، وتغلبت على امراضها ، وهن العظم منها واشتعل الراس شيبا ، قامت قومتها ، قومة مصر من الرقاد، واستقبلت جثمان الشهيد ، وبسملت ، وترحمت ، وتشهدت   واحتضنت الحبيب العائد فى صندوق ، قبلته ، استودعته عند الذى لاتضيع ودائعه ، وعادت الى بيتها مرفوعة الراس ، أم الشهيد ، أم البطل .


فى بلدتنا الصغيرة بوسط الدلتا  ، يضعون أم الشهيد فوق الرؤوس ، فوق الشواشى ، وينزلونها منزلة خاصة ، يتبركون بها ، وكان روح الشهيد تسكنها ، عادة ما تتسمى الامهات باسماء الاكبر من بين الابناء الذكور ، إلا أم الشهيد تتسمى باسم الشهيد تكريما .


وفى مصرنا الجبيبة ، يستقبل الرئيس أم الشهيد فى القصر ، اعترافا بالجميل ، تعيش البطن اللى حملت وربت ، أم الشهيد عنوان عريض للتضحية والفداء ، كل التضحيات تتصاغر امأم التضحية الكبيرة ، ان تضحى بفلذة الكبد ، هذا مالايطيقه إلا الأمهات ، ولهن الجنة ، شفاعة الشهيد .


وبقيت أنا أم البطل ، الأم المصرية تضرب المثال ، تقدم للوطن الغالى ، لا أحد يطيق تضحية هذه الأم المضحية ، تهب الوطن عن طيب نفس ولدها ، وترضى بالقسمة والنصيب ، راضية تناجى ربها ، والدعوات تحف مجلسها ، ربنا يصبر قلبك يا امى .


هى البطلة ، هى مصر ، ولن يخذل الله شعبا فيه مثل هذه الأمهات الطيبات الكريمات ، وسر بقاء هذا الوطن دعوات الامهات فى غسق  الليل ، من لم يجرب حرقة القلب ، يصمت عن الشكوى والأنين ، هناك أمهات تنأم ملوعات خشية على الحيلة فى اصقاع بعيدة .


وياتيها صوته من بعييييد ، يرتجف الفؤاد ، يرقص مذبوحا من الالم ، ازيك يا امى ، انت كويسة ، انا كويس ، الظروف صعبة ، والصحراء قاسية ، والليل بهيم ، والبندقية فى الخص بتبص بعيون من نار ، الحمد لله النهاردة ربنا سلم ، كانت معركة ، ربنا نجانا ، الطلقة مرت جنبى ، لكن ربنا شاهد وحافظ ، دعواتك حفظتنى ، وترد التى هى خائفة على ولدها ، ربنا معانا ، ادعى لى ياأمى ، وترد التى دمعها على خدها ، دعيالك من قلبى ، دعيالك يا ابن بطنى ، القلب داعيلك ، وهدعيلك .  خلى بالك من روحك ومن سلاحك ومن زمايلك ، مستنيالك ياروح الروح .


عادة هذه مكالمة أخيرة ، لم تشبع منه امه بعد ، ملا حياتها بهجة ، ونور أيامها بضحكته ، وادخرت ذهبها ليوم خطوبته ، واحتفظت لنفسها فى سرها اسم عروسته ، اختارتها على عينها ،  حطت عينيها عليها من زمن ، ست البنات ، تنتظر يوم عودته ، وتأدية خدمته ، تدفع ضريبة الوطن الطيب من قلبها ، تهب الوطن الطيب فلذة كبدها ، ويوم لبس الميرى ، بسملت وحوقلت ، وقرات المعوذتين ، وبخرت ، ويحفظك من عين  العدو ، وتخزق عين الحسود بعود من بخور طيب الرائحة ، وتطبطب على كتف الزين ، وتقبل الوجنتين ، وتحضنه حضن الحبيب قبل ان يغيب ، وتجلس جنب المذياع وتاتى كلمات أم كلثوم تقلب المواجع،


حطيت على القلب ايدي وانـــــــــا بودع وحــيدي


وأقول يا عين اسعفيني وابكي وبالدمـــــع جودي


من يوم ما سافر حبيبي وانا بداوي جروحي


اتاري في يوم وداعه ودعت قلبي و روحي


طالت عليّ اللـــيالي وانت يا روحــــي انت


لا قلت لي فين مكانك ولا حــــــترجع لي امتى .. 


وتجود عينيها بالدمع مدرارا ، وبدل الدموع دم ، ودم الشهيد رائحته زكية ، من طيب الجنة  ، والنعش طاير إلى الجنان ، ويحكون كثيرا عن خفة النعش ، كان طاير لوحده ، وتوقف النعش هنيهة أمام باب الدار ، يودع أمه ، وتند عنها آهه ، تخشى الا يلحق بموعده مع ربه ، تزعق على النعش بما تبقى فيها من روح وبأعلى صوت من فوق دماغها  ، مع السلامة .. مع السلامة ، والقلب داعى لك ، وتنداح نسوة القرية فى كورس جماعى ، مع السلامة ، مع السلامة  ويلوحون بطرحهن السوداء  .


ممنوع فى جنازة الشهيد حضور المعددة ، هذا ما وجدنا عليه آباءنا ، تمتنع تماما   هو ذاهب إلى ربه ، وإلى جوار حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم  ، ممنوع البكاء ، ولكن غصب عنها ، قلب الأم ، دموعها تسبق حضورها ، تروى الأرض  ، وإن جفت بدل الدموع دم ، ودم الشهيد يزرع فينا الأمل ، تنبت أشجار فى صحراء الياس ، تلهمنا جادة الطريق ، طريق الأمل .