العالم يحتفل محمد والمسيح فى وقت واحد

27/12/2015 - 12:26:00

د. سالم عبدالجليل وكيل وزارة الأوقاف سابقا وأستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

من يمن الطالع أن يأتي ميلاد نبي الله محمد ونبي الله عيسى عليهما الصلاة والسلام في وقت واحد لا يفصل بينهما سوى بضعة أيام ،، مما يجعلنا نتوقف عند العلاقة بين النبيين الكريمين ..


ونحن كمسلمين لا يتم إسلامنا ولا يكمل إيماننا إلا بإيماننا بكل أنبياء الله ورسله كنبي واحد “ لا نفرق بين أحد منهم “ سورة البقرة ، الآية : ٢٨٥ ..


دعوة جدة عيسى له ولأمه مريم :


فلقد أخبرنا الله تعالى أن جدته ( أم مريم وهي امرأة عمران ) دعت ربها سبحانه وتعالى لمن في بطنها ولذريته أن يقيهم ويحميهم من الشيطان الرجيم .


نعم ، لما حملت امرأة عمران توجهت إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء قائلة: { رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [سورة آل عمران ، الآيتان :٣٥ ، ٣٦].


فكانت دعوة الجدة لحفيدها ساريةً من ذلك الجيل إلى الجيل الذي بعده، وظهرت آثارها في مريم وفي ولدها عيسى، فحفظ الله ابنتها مريم وابن بنتها عيسى وهما كل ذريتها ، أكد على ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله : ( ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها ) ثم يقول أبو هريرة : واقرأوا إن شئتم (( وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)).


القرآن الكريم يشهد لمريم بالصديقية والاصطفاء والعفة :


قال تعالى: { مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ } [المائدة:٧٥].


وقال تعالى : { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ } [سورة آل عمران:٤٢-٤٣] مكانة عظيمة، بل لقد وصلت إلى مكانة من القرب أنه دخل عليها نبي الله زكريا فوجد عندها فاكهةً في غير زمانها وأوانها { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [آل عمران:٣٧] .


قال الله تعالى: { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } [التحريم:١٢]


فضل مريم في السنة الشريفة :


خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعة خطوط وكان أحد الخطوط يشير إلى مريم بنت عمران عليها رضوان الله، ثم قال لأصحابه: ( أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد و مريم بنت عمران و آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ).


معجزة حمل مريم بعيسى :


خلق الله بني آدم على أربعة أنواع: فمنهم من خلقه من أبٍ وأم كسائر البشر، ومنهم من خلقه بلا أبٍ ولا أم: وهو آدم، ومنهم من خلقه من أمٍ بدون أب: وهو عيسى، ومنهم من خلقهم من ذكرٍ بلا أنثى: وهي حواء.


فإذاً: كان عيسى نموذجاً فريداً في البشرية أن يخلق بغير أب؛ لذا قالت مريم: { وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ } [آل عمران:٤٧] لا بالحلال ولا بالحرام، فأتاها جبريل على هيئة بشر، وكانت امرأة عفيفة فلما رأت أمامها رجلاً فزعت واستعاذت بالله منه: { قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً } [مريم:١٨] إن كنت تخاف الله ابتعد عني: { قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } [مريم:١٩-٢٠] لست بغياً ولا بذات زوج، فمن أين يأتي الولد؟! { قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } [مريم:٩] فماذا فعل جبريل؟ { فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا } [الأنبياء:٩١] فالنفخة خرجت من جبريل، فحملت، وهذا على الله يسير، فالذي خلق كل هذا الكون لا يعجزه أن يخلق إنساناً بغير أب، وهكذا خلقه من أنثى بغير ذكر، فهذا هو عيسى عليه السلام.


عيسى كلمة الله وروح منه:


من مريم خرج عيسى عليه السلام بدون أب، أم صالحة وجدة صالحة: { إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً } مخلوق بكلمة الله: (كن) فسمي : (كلمة الله) ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ( من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ) رواه البخاري .


فإذن: عيسى خلق بالكلمة: (كن) فكان، ولذلك يسمى عيسى بـ(كلمة الله).


وسمى روح منه لأنه روحٌ من عند الله وهو عز وجل مصدر إيجاده .


ولا يعني هذا أن عيسى جزء من الله ، تعالى الله عن ذلك ، فلقد قال الله تعالى: { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ } [الجاثية:١٣] فهل ما في السموات وما في الأرض جزء من الله؟! كلا .. بل هو مصدر خلقها وإيجادها، وكذلك عيسى مصدر خلقه هو الله عز وجل.


صفة عيسى الجسدية في السنة النبوية:


لقد جاء وصف عيسى عليه السلام في الأحاديث الصحيحة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لقيت ليلة أسري بي عيسى ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس ).ومعنى : (ربعة) يعني: وسط ؛ ليس بطويلٍ جداً ولا بقصير جداً.


وقوله: (كأنه خرج ديماس) الديماس يعني: الحمام الذي يغتسل فيه، والمراد بذلك وصف عيسى بصفاء اللون ، فهو كمن يخرج من الحمام صافياً نقياً نظيفاً، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بنقاء اللون، ونضارة الجسم والوجه.


وقال صلى الله عليه وسلم: ( أراني الليلة عند الكعبة في المنام فإذا رجلٌ آدم كأحسن ما يرى من آدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رَجِلُ الشعر، يقطر رأسه ماءً، واضعاً يديه على منكبي رجلين يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح بن مريم ).


ومعنى ( إنه رجلٌ آدم ) : أبيض مشرب بحمرة.


ومعنى: ( لمته بين منكبيه ) اللمة شعر الرأس، وقد جاوزت المنكبين وألمت به.


( رجل الشعر ) قد سرحه ودهنه .


بشارة عيسى بنبينا عليهما الصلاة والسلام :


عيسى عليه السلام بشر بنبينا صلى الله عليه وسلم: { وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } [الصف:٦] وقال عليه الصلاة والسلام: ( وسأنبئكم بأول ذلك؛ دعوة إبراهيم وبشارة عيسى بي ). وقَالَ صلى الله عليه وسلم : أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ.صحيح البخاري .


دين عيسى هو الإسلام :


دينهم واحد : وهو الدين الذي رضيه الله للخلق وأنزل به الكتب وأرسل به الرسل لجميع البشر ولكل الأمم ، اسمه الإسلام، وإن سُمّيت الأمم بأسماء مختلفة، لنسبة تاريخية أو غيرها ، إلا أمتنا ـ أتباع محمد عليه الصلاة والسلام ـ فإن الله تعالى شرفنا وجعلنا ننتسب إلى ديننا فسمانا المسلمين : قبل أن نخلق ، وألهم إبراهيم عليه السلام أن يدعو بعد انتهائه من رفع قواعد البيت الحرام وكان من دعائه ، كما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ }سورة البقرة ، الآيات : ١٢٧ : ١٢٩، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى : { هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ }سورة الحج ، الآية ٧٨.


أما غيرنا فأسماؤهم ليست على أساس دينهم، فبنوا إسرائيل هم جميع أبناء يعقوب عليه السلام، جاء موسى ودعاهم إلى الله تعالى، ثم خرج بهم من مصر وذهب للقاء ربه فلما رجع وجدهم يعبدون العجل، فاختار سبعين رجلاً لميقات الله تعالى وهناك أعلنوا توبتهم وقالوا: {إِنَّا هُدْنَا إلَيْكَ}سورة الأعراف، الآية : ١٥٦، ومن ساعتئذ أطلق عليهم اليهود.


وجاء عيسى فدعا اليهود إلى العودة إلى عبادة الله تعالى وحده بعدما أشركوا وعبدوا العزير وحرفوا التوراة فكفروا، عندئذ قال عيسى كما أخبر الله تعالى : { مَنْ أَنصَارِي إِلَى الله قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ الله فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ }سورة الصف ،الآية : ١٤،فلم يجبه إلا الحواريون قالوا: {نَحْنُ أَنصَارُ الله} ، عندئذ أطلق عليهم النصارى ، وقيل لأنه وأتباعه عاشوا في قرية اسمها : الناصرة.


ومما يؤكد أن الدين واحد وأنه الإسلام لا غير وهو الدين الذي دعا إليه عيسى عليه السلام، ما حكاه القرآن الكريم:{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى الله قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ الله آمَنَّا بِالله وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}سورة آل عمران ، الآية : ٥٢.


نزول عيسى حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم


قال صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكماً مقسطاً ) متفق عليه .


ويفيض المال، وتحل البركات حتى قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( طوبى لعيش بعد المسيح، طوبى لعيش بعد المسيح، تؤمر الأرض أن تخرج بركتها وأن تخرج زرعها ، حتى أنك لو زرعت أو بذرت زرعك على الصفا -أي على الحجر- لنبت )، فالبركات تتنزل إلى الأرض، بل ترعى الذئاب مع الغنم، والأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، كما قال الصادق صلى الله عليه وسلم، ويمسك الصبي الحية فلا تؤذيه، يعيش الناس حالة من الأمن والاستقرار والأمان، بصورة لا يستطيع بليغ أن يعبر عنها على الإطلاق.


ولذلك كان السلام على عيسى في كل مراحل وجوده: السلام عليه يوم وُلِد، ويوم يموت، ويوم يبعث حيًّا ..


فيوم ولد: أحرزه الله من الشيطان، فلم ينخس أمه -مريم- في بطنها عند الولادة، كما يفعل بكل النساء فيبكي المولود .


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان، غير مريم وابنها)) متفق عليه.


وفي حياته: كف الله عنه بني إسرائيل: {وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} [المائدة: ١١٠].


ثم رَفَعَه مطهرًا له: { إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا} [آل عمران: ٥٥].


وعند موته: يكون السلام والأمن قد عم الأرض.


ويوم يبعث حيًّا: فقد أَمَّنه الله من الفزع الأكبر يوم البعث، حين ينفخ في الصور ..


قال صلى الله عليه وسلم: ((ولَنْ يُخْزِي الله أُمَّةً أَنَا أَوَّلُهَا وَالمَسيحُ آخِرُهَا؟!))متفق عليه.


رفع عيسى حيًا إلى السماء :


قال تعالى : {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا}


جاءت الوفاة في القرآن على معانٍ منها:


١- النوم: قال الله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} [الأنعام: ٦٠] أي: يُنيمُكم.


٢- الموت: قال الله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت} [السجدة: ١١].


وقد جمع الله المعنيين في قوله سبحانه: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} [الزمر: ٤٢] فاستعمل الوفاة في الحالين: النوم والموت؛ لأن النوم أخو الموت؛ كما قال صلى الله عليه وسلم لما سُئل: أفي الجنة نوم؟ قال: ((لا .. النوم أخو الموت))(١)، والجنة لا موت فيها.


وقد جادل أقوامٌ بأن الوفاة المذكورة في حق عيسى هي الموت؛ لأنها لم تقترن بقرينة الليل أو النوم؛ وهذا باطل لأن أصل الكلمة لا يعني الموت كما تقدم، والأمر يتطلب القرينة إذا كان المعني الأصلي للفظ هو الموت.


قال صلى الله عليه وسلم لليهود: ((إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة))(أخرجه الطبراني ).


وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام من النوم: ((الحمد الله الذي أحيانا بعد ما أماتنا)) متفق عليه .


فقد رُفع لينزل مرة أخرى، ويُتِم مضمون دعوته .. قال تعالى : {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} والذين اتبعوه هم الذين آمنوا به وعملوا بوصاياه، وأهمها الإيمان بالرسول الذي بشر به وهو محمد صلى الله عليه وسلم .


وبذلك تقوم الحجة الإلهية على الخلق ، ابتداءً بإقرار عيسى بعبوديته عند ولادته ..{قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} [مريم: ٣٠].


ومرورًا بجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، كما قال الله سبحانه: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} [الصف: ١٤] ..


وانتهاءً بمساءلته يوم القيامة: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب*ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} [المائدة: ١١٦، ١١٧].


هذا هو الرباط بين محمد والمسيح عليهما السلام ... ومهما اختلفنا في الاعتقاد مع المسيحيين فإن الإخاء الإنساني يجمعنا ، ومعايشتنا لهم كشركاء في الوطن نأكل من طعامهم ونتزوج من نسائهم شريعتنا ..قال صلى الله عليه وسلم: ((ولَنْ يُخْزِي الله أُمَّةً أَنَا أَوَّلُهَا وَالمَسيحُ آخِرُهَا؟!))متفق عليه.


كل عام وأنتم بخير بمناسبة ميلاد محمد والمسيح عليهما السلام.