رواج حفلات المديح فى ذكرى المولد الشريف: مــــــــدد.. يا رسول الله

27/12/2015 - 12:16:51

تحقيق: أشرف التعلبى

“ولد الهدى فالكائنات ضياء.. وفم الزمان تبسم وثناء”، “الروح والملأ الملائك حوله.. للدين والدنيا به بشراء”، بهذين البيتين، وغيرهما، مدح الشاعر أحمد شوقى النبى محمد، الذى تحل ذكرى مولده خلال أيام.


ولاحتفالات المولد النبوى فى مصر اختلاف عن باقى الدول الإسلامية. محبى النبى ودراويش آل البيت لا يفوتون هذه المناسبة إلا ويضعون بصماتهم عليها، إذ يحيونها بالميل بالجسد يساراً ويميناً، تراهم تشعر أنهم يحلقون فى السماء، ومع كلمات موشحات لشيوخ الإنشاد الديني، ترى حلقة فنية جميلة، تليق بمولد أفضل خلق الله.


ويحتفل المسلمون بالمولد النبوى للمرة الثانية خلال نفس العام الميلادي، فبعد أن وافق المولد فى المرة الأولى يوم ١٢ ربيع الأول ١٤٣٦، يوم ٣ يناير ٢٠١٥، سيوافق نفس التاريخ من السنة الهجرية ١٤٣٧ اليوم الأربعاء ٢٣ ديسمبر ٢٠١٥. ويرجع ذلك إلى أن السنة الهجرية أقصر من السنة الميلادية بـ١١ يومًا، وهو ما يجعل التواريخ الهجرية الموجودة فى أول ١١ يومًا من السنة الميلادية تتكرر مرة أخرى فى نهاية السنة الميلادية.


تأتى الاحتفالات بذكرى المولد النبوى الشريف هذه السنة وسط أجواء مشحونة فى العالم الإسلامي، حيث يطغى الهاجس الأمنى والبحث عن الاستقرار فى كثير من الدول التى تعيش على واقع من الإرهاب والاستقطاب السياسى والطائفى الحاد.


عدد كبير من الطرق الصوفية تحتفل بالمولد النبوي، تختلف جميعها تقريبا فى الشكل وتتفق فى الجوهر، وهو حب النبى وآل البيت. الاختلاف يكون فى طريقة وتوقيت اقامة ليلة المدح والإنشاد، ولكل طريقة قصائدها التى اعتادت عليها وألفتها فى حب الرسول والصحابة، وتشمل احتفالية المولد النبوى الإنشاد، والابتهال، والوعظ الديني، والخطب، وقراءة القرآن الكريم.


روحانيات من حب النبى


وتعد مناسبة مولد النبى فرصة للمداحين والمنشدين أن يظهروا قدراتهم الروحية والصوتية فى حب النبي، إذ يحيون ليالى المولد طوال الأيام الأولى من شهر ربيع الأول. محمود التونى نجل “ساقى الأرواح” و”أمير المنشدين”، كبير شيوخ المنشدين بمصر والعالم العربي، أكد لـ”المصور” أن للإنشاد دورا فى محاربة الإرهاب والفكر المتطرف، موضحا: هذا يظهر فى القصائد التى ننشدها، وتتلخص كلها فى قصيدة الشيخ أبوالعزائم والتى تقول: “الحب أرقى درجات المريدين بالوصول لرتب المريدين”، وبالتالى فكلمات القصائد تحس على التسامح والحب بين الناس والتواضع والزهد، فالإنشاد يعتمد على قصائد الصوفية، ومعظم قصائدى التى أنشدها هى لكبار شعراء الصوفية مثل أبو العزايم وابن الفارض، وأحد مميزات الإنشاد أنه يعتمد على الارتجال، وآلالات الموسيقية المستخدمة هى مكونة من فرقة بسيطة جدا ليس بها مغالاة، والجمع نفسه يوحى بالألفة والحب بين الناس.


وواصل: حفلات وليالى الإنشاد تحارب المتطرفين فكرياً، وقد كان أحد أهداف جماعة الإخوان المسلمين هى التخلص من الطرق الصوفية، وإلغاء الإنشاد والموالد، والمولد يعنى تجمع الناس على ذكر وطاعة الله وليس على المعاصي، كما أن المولد مصدر رزق لعدد كبير من الأسر، فالناس تطعم الأحبة والمريدين بدون مقابل، وهذا يؤدى إلى الألفة والتسامح بين الجميع.


ولفت إلى أن ليالى الإنشاد تجمع المسلمين على الخير والطاعة، وهو عكس أفعال الإرهاب الذى يجمع الناس على الشر والقتل وسفك الدماء بدون حق، معتبرًا أن “الاخوان والسلفيون يعرفون جيداً أن الصوفية ضد فكرهم تماما، لأن الإنشاد والتصوف يدعو للإسلام الوسطى بعيدا عن التشدد والمغالاة”.


ويقول التونى الإبن إن والده الشيخ أحمد التونى لم يتقاض أية مبالغ مالية نظير الحفلات التى ينشد بها، فسعادته كانت فى الإنشاد، والروحانيات هى التى كانت تدفعه


ويربط التونى الإبن كذلك بين تطور الإنشاد والتكنولوجيا، مؤكدا أن الأخيرة ساهمت فى ازدهار الإنشاد، وأُصبحت هناك مطالب يومية من المتابعين بصفحات مواقع التواصل الاجتماعى لتحميل الحفلات الخاصة بالموشحات والإنشاد، كما أتاح موقع الفيديوهات “يوتيوب” فرصة لتسجيل وسماع الحفلات القديمة.


وتابع: هناك قنوات تليفزيونية متخصصة لبث حفلات المدح، وهذا فتح مجالا قويا للتواصل مع المريدين، وهذا العام المولد النبوى مزدهر أكثر من السنوات السابقة، وهذا يعود إلى الاستقرار والأمان الذى أصبحنا نعيش فيه خلال حكم الرئيس السيسي، وهذا شجع الناس على الحضور والاستماع، مما أدى إلى زيادة الإقبال بشكل لافت للنظر.


نجل شيخ المداحين


المنشد مهدى ياسين التهامي، نجل شيخ المداحين ياسين التهامى والذى ينتمى لأسرة تعشق المدح والإنشاد، أكد أن الإسلام كله تسامح، والإنشاد يدعو لذلك وإلى احترام الأديان الأخرى، فالرسول (ص) حث على ذلك فى دعوته لنشر الإسلام، موضحاً أن رقعة الإنشاد اتسعت، والانفتاح والتكنولوجيا لهم دور فى ذلك، “فالإنشاد ملائم ومواكب لكل متطلبات العصر والحداثة، وكان للقنوات الدينية وقنوات المدح التى تم فتحها كان لها صد كبير بين الناس، وتعلقوا بها أكثر من أى قناة أخرى، والإنشاد له تاريخ لا يمكن إغفاله أو إنكاره، وهذه أمور متأصله ولها توثيق فى الشعر، ومنذ سنوات كنا نسمع أن مستمعى ومحبى الإنشاد هم جيل كبار السن، لكن الآن تغير الوضع وأصبح المريدون والمحبون والمستمعون لحفلات الإنشاد هم من جيل الشباب والأطفال وكل الأعمار، وهذا دليل على ازدهار الإنشاد وليس اندثاره، وأصبح فى تقدم وازدهار ملحوظ”.


ونوه إلى أن الإنشاد متأصل منذ مدح الرسول، من أكثر من ١٤٠٠ سنة، ومازال قائما كونه مفيد للبشرية، “ومن أكثر القصائد التى برزت الإنشاد هى للشعراء ابن الفارض والحلاج ومحب الدين بن العربي، وهؤلاء قالوا كلاما أكثر بلاغة، وبالتالى فللإنشاد دوره وتأثيره فى المجتمع”.


نجل الشيخ التهامى أكد أن والده أنشد بعض كلمات وحكم الأولياء فى كنائس أوربا وبريطانيا والهند، حيث أنشد فى سماحة الإسلام فى ديوان الشعر القائل فيه: “المسلمون فى المساجد والنصارى فى الكنائس واليهود بالمعابد، ألم يكن آدم واحد، أليس دين الله واحد؟”، متابعًا: هذه الأمور أصولية وتاريخية، وسبحانه وتعالى قال “لا إكراه فى الدين” والواجب على الناس عدم أذى الآخرين وإن كانوا غير مسلمين، والنبى (ص) قال “من آذى ذميا فقد آذاني”، فالاسلام دين السماحة والعفو واحترام الآخر، ومن هنا فالإنشاد ينشر العفو والسماحة والتعامل بين الناس بالإخلاق الحميدة.


صوت نسائى بين الرجال


ورغم أن مشاركة النساء لم تحظ بمساحة كبيرة فى الإنشاد الديني، سواء فى الابتهال أو التواشيح أو فى الحضرات الصوفية والموالد؛ واقتصرت المشاركة على الشيوخ والمنشدين، إلا أن الحاجة “وفاء مرسي” استطاعت أن تصعد وسط كبار من المنشدين مثل الشيخ ياسين التهامى والشيخ أحمد التونى والشيخ إيهاب يونس وأمين الدشناوى وغيرهم..


وأكد الحاجة وفاء أن للإنشاد دورا كبيرا فى نشر سماحة الإسلام وتعاليمه الرحيمة، “فحب سيدنا النبى (ص) هو الذى يدفع المنشدين إلى المدح لتغذية روح المريدين والمحبين”. وأضافت: “ننشد قصائد تشرح للناس كيف يكون الإسلام وكيف عانى الرسول من الكفار، حتى استطاع نشر الرسالة، وأيضا نحس الناس على العمل من أجل مصر، فالعمل عبادة والرسول كان يعمل”.


وأكدت مرسى أن الإنشاد الدينى صامد منذ أقدم العصور، وهناك زيادة فى أعداد المتابعين والمترددين على حفلات الإنشاد الديني، والجميع بدأ يتجه للإنشاد والتراث الثقافي، والحمد لله رغم هجوم الجماعات الإرهابية ضد الإنشاد والمنشدين، وكانوا يريدون هدم الأضرحة إلا أن الإنشاد استمر فى مواجهة هؤلاء وبقوة؛ لأنه صاحب رسالة قوية وكلماته من القرآن والسنة، وله دور مهم فى توعية الناس بمخاطر الفكر المتطرف، وكيف يريد هؤلاء تدمير الأمة وتدمير الإسلام وهدم الأضرحة وتشويه آل البيت، ونحن نستخدم الإنشاد فى نشر سماحة الدين الإسلامى وتقبل الآخر، فالدين الإسلامى الوسطى يدعو إلى أن يعيش المجتمع كله فى سلام وأمن واستقرار، والإنشاد بشكل عام يجذب الوجدان، ونحن الآن فى أمس الحاجة لنشر مبادئ الإسلام التى تدعو للسماحة ونبذ العنف. وكلمات القصائد من تعمل على صفاء القلوب من الحقد والكره.


وترى مرسى أن الإنشاد انتشر جداً، وازداد عدد المنشدين وأصبح هناك جيل من المحبين والمستمعين من شباب الجامعات، وأصبحت حفلات الإنشاد أكثر ازدهاراً خلال الفترة الأخيرة، موكدة أن هناك تواصل كبير مع عدد من الباحثين فى دراسات عليا الماجستير والدكتوراة فى تخصص الإنشاد وتأثيره على المجتمع ودوره فى نشر تعاليم سماحة الإسلام، مشيرة إلى أن هناك حفلات تقام بشكل مستمر فى بيت السحيمى والأوبرا والقعلة وبيت المعز وقصر الغول بالقاهرة، فضلا عن وجد وفود تحضر ليالى المولد النبوى من أمريكا وألمانيا وتركيا.