دون مزايدة أو مجاملة للسعودية هل تورطت مصر فى التحالف الإسلامى العسكرى لمحاربة الإرهاب؟

27/12/2015 - 12:11:52

  السيسى فى لقائه قبل أيام مع محمد بن سلمان السيسى فى لقائه قبل أيام مع محمد بن سلمان

تحليل يكتبه: أحمد أيوب

بعيدا عن المزايدات، أو المجاملات التى تصاحب أى فكرة تطرح من جانب المملكة العربية السعودية، وبعيدا أيضا عن أى تخوفات من تبعات المعارضة أو مكاسب التأييد التى يسعى إليها بعض أصحاب المصالح والمرتعشون عند مناقشة أى قضية.


وبغض النظر عن المحاولات الخبيثة للربط بين مشاركة مصر فى التحالف والإعلان السعودى عن حزمة جديدة من المساعدات المالية والنفطية التى تمتد لتوفير احتياجات مصر لخمس سنوات قادمة، فمصر لا تبيع مواقفها، ولا تقدم أبناءها مقابل أموال ومليارات الدنيا.


لكن فى النهاية يبقى التحالف الإسلامى العسكرى الذى أعلنت عنه السعودية يستحق التوقف أمامه بموضوعية وروية، فالقضية ليست مجرد تحالفات وتجميع موافقات من دول، وليست مجرد نوايا، كما أن محاربة الإرهاب لا يمكن أن تتحقق بالبيانات ولا بالتحالفات، وأكبر دليل على ذلك كارثة التحالف الذى تقوده الولايات المتحدة لضرب داعش فى العراق، فحسب وزارة الدفاع الأمريكية نفسها وبعد عام كامل من عمر التحالف نفذت القوات المشاركة فيه نحو ٥٩ ألف طلعة جوية، منها أكثر من ٨ آلاف طلعة بالذخائر الجوية الثقيلة دمرت حسب أرقام البنتاجون ١٦ ألف هدف داعشى وكل هذا تكلف أكثر من ٤ مليارات دولار، ورغم ذلك ما زالت داعش تتوسع فى العراق وتزيد قوتها وتزيد بؤر مناطق الحرب الساخنة فى العراق، بل وتنتقل إلى دول مجاورة أخرى.


إذن القضية فى محاربة الإرهاب ليست مسميات ولا تجمعات وإنما بالتحركات الفعلية والمواجهة الحقيقية، وهذا ما يجب أن يحققه التحالف الإسلامى أولا لتقليص الكوارث التى ارتكبها التحالف الأمريكى الذى ادعى محاربة الإرهاب، بينما هو فى الحقيقة يدعمه ويسلحه ويفتح أمامه مساحات التمدد، وثانيا لحماية المنطقة والدول العربية تحديدا من التفتت والسقوط.


حسب ولى ولى العهد السعودى محمد بن سلمان فالتحالف الإسلامى يضم ٣٤ دولة تختلف مساهمة كل دولة على حسب ما تملك أن تقدمه أو تقبل أن تتعاون به، من يريد المشاركة العسكرية بالقوات والأسلحة فله ذلك، ومن يفضل التعاون بالمعلومات والدعم الاستخباراتى فلن يمانع التحالف فى دعمه.


هذا المنطق قد يبدو إيجابيا، لكنه قد يتحول فى لحظة إلى سبب فى فشل التحالف أو تحوله فعليا إلى تجمع يشارك فيه عدد محدود من الدول، بينما يكتفى الأغلبية ببعض المعلومات أو المشاهدة، فالمعروف عسكريا أن الحرب على الإرهاب لا تحتاج قوات ضخمة بقدر ما تحتاج قدرا كبيرا من التنسيق والإيجابية، ويمكن أن يتحقق هذا بعدد أقل من الدول طالما كانت التزاماتها حقيقية، بدلا من تحالفات ضخمة بلا فائدة.


بقراءة متأنية لتركيبة الدول المشاركة فى هذا التحالف فهى مقسمة بين قارتين «أفريقيا الأكثر ب٢٠ دولة وآسيا ب١٤ دولة» ومن بين ٢٢ دولة عربية تشارك فى التحالف ١٨ دولة، بينما تغيب عنه أربع دول أخرى هى سوريا؛ لأنها لم يعد لها جيش ولا ظروفها تسمح بالمشاركة فى التحالف، والعراق وعمان والجزائر وهم بطبيعتهم متحفظون على أى تحالف عربى فيه جانب عسكرى، وقد سبق للعراق والجزائر قيادة جبهة الرفض الأساسية للقوة العربية المشتركة، بينما تحفظت عمان على تحالف عاصفة الحزم.


التحالف يضم أيضا ١١ دولة من وسط غرب أفريقيا وأربع دول من وسط جنوب شرق أسيا.


كل هذا يؤكد أن التحالف فيه تنوع جغرافى وسكانى ولغوى يمكن أن يفيد فى تحقيق النجاح المطلوب، لكنه فى الوقت نفسه يواجه تحديا خطيرا فى اختلاف مصالح العديد من هذه الدول، بل وتعريفها للإرهاب، فتركيا وقطر معروفتان بدعمهما للإرهاب وجماعة الإخوان الإرهابية التى ترفضها دول أخرى داخلة فى التحالف وتعتبرها جزءا من الإرهاب، بل وبعض الدول تشارك الجماعة الإرهابية فى برلمانها وحكومتها، ولهذا سيكون أخطر ما سيواجهه التحالف تعريف الإرهاب الذى سيحاربه، وربما يتسبب التعريف نفسه عند الاتفاق عليه فى خروج بعض الدول من التحالف. كما أن بعض الدول المنضمة للتحالف لا تملك قوات أصلا أو جيوشا مثل فلسطين أو حتى جزر القمر التى يتكون جيشها من خمسمائة فرد.


إذن السؤال المهم.. هل خضع هذا التحالف للدراسة قبل الإعلان عنه؟.. أم أنه تحالف متهور غير مدروس لتحقيق مصالح لدولة بعينها تريد تحسين صورتها أمام العالم.. هل الأجدى لمحاربة الإرهاب أن تعتمد الدول العربية القوة العربية المشتركة أم التحالف الإسلامى.. هل هذا التحالف خطوة فى طريق القوة العربية المشتركة، أم أنه نهاية تامة لهذا الملف؟


ثم وبصراحة أكثر، هل كان التحالف بتوجيه أو إيعاز أمريكى أم أنه بقرار داخلى من دوله.. من يضمن التعاون بين كل دول التحالف.. ومن يملك أن تتوقف الدول المتورطة فى دعم الإرهاب عن هذا الدعم وتتعامل بجدية فى محاربته حسب ما ينص بيان التحالف.


كل هذه أسئلة مشروعة.. يضاف إليها أسئلة مصرية مهمة:


هل مصر مستفيدة من التحالف أم أنها تورطت فيه؛ إرضاء للسعودية وحفاظا على تماسك العلاقات العربية؟.. هل يمكن أن تمتد مشاركتها إلى حدود الدفع بقوات أم ستكون فى حدود المعلومات؟.. كيف تقبل مصر الانضمام لتحالف يضم بجانبها دولا تناصبها العداء مثل تركيا وقطر؟..


بالتأكيد يمتلك التحالف نقاط قوة مثلما يمتلك أساب ضعف ويواجه تحديات، إن تغلب عليها يمكن أن يحقق نجاحات، لكن المؤكد الذى أجمع عليه الخبراء الذين لجأنا إليهم أن مصر لم تتورط فى انضمامها للتحالف، كما أنها ليست كما يصور بعض المتآمرين قبضت مقابل انضمامها وقبولها للتحالف، فمصر لا تباع ولا تشترى وقيادتها لا تسمح بهذا ولا تقبل أن تدخل فى صفقات قذرة من هذا النوع، فمصر أكبر من هذا سياسيا وعسكريا وقيادتها تمتلك القدرة على اتخاذ القرار الذى يحمى أمنها القومى ويحقق مصالحها دون أى أضرار، فمصر انضمت للتحالف لأن هذه قناعتها وسياستها الثابتة فى تأييد أى تحالفات تحارب الإرهاب طالما أنها لا تتجاوز حدود السياسة الخارجية والأمنية لمصر.


التقييم الموضوعى لهذا التحالف كما يقول اللواء طيار هشام الحلبى -المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية- يحتاج رصد ما لديه من إيجابيات وسلبيات.


الإيجابيات تتمثل أولها فى أن المنطقة أصبحت تتواجد فيها وتعمل على أراضيها وفى سمائها قوات وطائرات تحالفات مختلفة مثل التحالف الأمريكى والتحالف الروسى، وكان من الضرورى أن يكون هناك تحالف إسلامى يعبر عن الدول الأكثر تضررا من الإرهاب.


الميزة الثانية أن التحالف يضم بداخله عددا من التجمعات العسكرية لديها بالفعل قوات موجودة ويمكن استخدامها، مثل قوة درع الجزيرة الذى يضم ٦ دول خليجية ولديه قوة عسكرية مكونة من خمسة آلاف عنصر مدربين وجاهزين لأى مهمة، وحتى الآن خمس دول من أعضاء هذا التجمع مشاركون فى التحالف الإسلامى ولم تغب منهم سوى عمان.


أيضا يضم التحالف الإسلامى كل الدول المشاركة فى تحالف عاصفة الحزم وعددها ١١ دولة، وهو نموذج للتعاون القوى، فالدول الإحدى عشرة المشاركة به تتعاون عسكريا من خلال قواتها، سواء الجوية أو البحرية أو الخاصة والميدانية والتخطيط، بينما تقدم دولة مثل أمريكا الدعم المعلوماتى لها وفتحت الصومال مجالها الجوى أمام طائرات العاصفة، حتى باكستان التى رفض برلمانها المشاركة قدمت سفنها للمشاركة فى فرض حظر على دخول الأسلحة إلى الحوثيين، وكل هذه القوة سواء فى درع الجزيرة أو عاصفة الحزم يمكن أن تكون جزءا من قوة التحالف الإسلامى.


يتميز هذا التحالف أيضا بأنه سيكون جزءا من اهتمامه وتوجهه محاربة الإرهاب فى أفريقيا الذى لم تنظر إليه الدول الغربية ولم تهتم به وتركته يستغل هشاشة حدود وقوات الدول الأفريقية لينتشر وتزيد قوته، لكن التحالف الإسلامى سيكون أحد أهدافه مواجهة هذا الإرهاب الأفريقى المتمثل فى بوكو حرام أو غيرها من التنظيمات ومنعها من التمدد أو الانتقال شمالا.


من مميزات هذا التحالف أيضا كما يقول اللواء الحلبى أنه يضم فى عضويته دولا يمكن أن يحقق التعاون المعلوماتى والاستخباراتى بينهم، إن صدق، نجاحات فى كشف وتعرية التنظيمات الإرهابية، وبالتالى العمل على تجفيف منابع تمويلها وتركيز الضربات على البؤر الفعلية لهذه التنظيمات ومعاقلها وقياداتها، مما يؤدى إلى إضعافها وتدمير بنيتها.


حتى على المستوى الدينى فالتحالف حصل على دعم أكبر ثلاث مؤسسات دينية إسلامية فى مقدمتها الأزهر الشريف ثم منظة التعاون الإسلامى التى تعتبر ثانى أكبر منظمة دولية بعد الأم المتحدة، إضافة إلى هيئة كبار العلماء بالسعودية، وهذا الدعم الثلاثى وما يضمه من علماء لهم وزنهم فى الدول الإسلامية سيكون تأثيره واضح فى إحداث خلخلة فكرية للتنظيمات الإرهابية ومنع كثير من الشباب الانضمام إليها؛ لأنهم سيكتشفون أنهم سيدخلون فى قتال فتنة بين المسلمين وليس جهاد ضد الصليبيين والروافض كما كان يقنعهم قادة الإرهاب، وهذا معناه تجفيف المنابع البشرية للتنظيمات الإرهابية.


لكن هذا كما يقول اللواء هشام الحلبى لا يعنى أن الصورة وردية وأن كل الأمور ستسير كما يتمناها دول التحالف، فتضارب المصالح يمكن أن يفجر التحالف، كما أن خروج إيران من التحالف سيكون معوقا قويا، لأن إيران لها ثلاثة أذرع عسكرية فى المنطقة داخل سوريا والعراق وفى حزب الله بلبنان والحوثيين فى اليمن ولن تقف صامتة أمام أى ضرر يمكن أن ينال أحد هذه الأذرع، بل وقد تستخدم هذه الأذرع فى تعطيل التحالف.


جانب آخر من التقييم يطرحه اللواء سمير بدوى -المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية- الذى يرى أن أهم مميزات التحالف أنه يقدم رسالة من الدول الإسلامية للمجتمع الدولى الذى يعانى من الإسلاموفوبيا ويصر على إلصاق الإرهاب بالإسلام، ووصل الأمر إلى تعرضت الجاليات المسلمة فى دول العالم لمشاكل وتحريض بسبب الإرهاب وآخرها ما حدث من المرشح الرئاسى فى أمريكا دونالد ترامب، فالتحالف يرد بأن الإسلام ليس دين الإرهاب، بل إن الدول الإسلامية هى التى تنتفض لتحارب الإرهاب.


الأمر الثانى أن التحالف فى أبسط صوره سيكون فرصة للتعاون المعلوماتى بين دوله، وهذا سيكون مفيدا للجميع فى الحرب ضد الإرهاب، لأن الدول المشاركة بالتأكيد لديها معلومات مهمة عن التنظيمات الإرهابية وتركيبتها ومصادر تمويلها.


اللواء سمير يرى أن موقف مصر وانضمامها للتحالف أمر منطقى، فمصر من أوائل الدول التى تحارب الإرهاب فى العالم وتطالب دائما بتشكيل تحالفات لمواجهة هذا الخطر، وتؤكد دائما ألا تكون المواجهة قاصرة على تنظيم بعينه أو مكان دون غيره، وإنما لابد أن تكون المواجهة شاملة، وعندما يتشكل تحالف تحت مسمى الإسلامى فمصر لابد أن تكون مشاركة فيه. لكن هذا لا علاقة له بالمساعدات والاستثمارات السعودية التى تم الإعلان عنها مؤخرا، فهذه ليست السياسة المصرية ورغم محاولات البعض تشويه الموقف المصرى وتصويره على أن الانضمام للتحالف كان بمقابل دفعته السعودية، إلا أن الحقيقة واضحة فى أن الانضمام المصرى للتحالف له مبرراته الموضوعية والاستراتيجية، ولم يكن انضماما على خلاف الثوابت المصرية، ومن يطالع بيان الرئاسة سيتأكد من ذلك فالبيان الذى صدر فور الإعلان عن التحالف كان واضحا فى التأكيد على الثوابت المصرية فى السياسة الخارجية وفى مقدمتها عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول والحفاظ على سيادة كل دولة ووحدة أراضيها ومؤسساتها الوطنية، وهذا البيان قطع الطريق على كل من تخيلوا أن هذا التحالف سيكون موجها لنظام بشار تحديدا، فمصر لن تنجرف إلى هذا الأمر وتؤكد أن الهدف محاربة الإرهاب فقط.


ليس هذا فحسب وإنما كما يقول اللواء سمير فمصر تنضم للتحالف لكن شكل المشاركة سيتم تحديده حسب رؤية القيادة العامة وليس بما يريده الآخرون، فنحن مشاركون فى التحالف الدولى لمحاربة الإرهاب المكون من٦١دولة، لكننا لم نتورط فيه عسكريا واكتفينا بالمشاركة المعلوماتية، وفى عاصفة الحزم مشاركتنا حددناها كما أردنا.


بدوى يضيف حقيقة يجب أن يعلمها الجميع وهى أن القيادة العامة لا توافق على المشاركة فى أى مهمة خارجية للقوات حتى وإن كانت حفظ السلام إلا إذا تأكدت تماما من توافر كافة إجراءات التأمين الشامل لعناصر قواتنا أمنيا ولوجستيا وصحيا.


يعود اللواء سمير إلى الاستفادة المعلوماتية فى التحالف ليلفت إلى أن أجهزة المعلومات المصرية تمتلك مهارات خاصة تجعلها رغم قلة الإمكانيات المتاحة لها أقوى من أجهزة معلومات لدى دول عظمى، ولدينا قدرة على وزن المعلومات وتقدير أهميتها وقيمتها، ولن يخدعنا أحد وعلى قدر ما نستفيد سنقدم ما لدينا من معلومات، وإذا كان التحالف يضم دولا تدعم الإرهاب الذى يستهدف مصر فربما يكون التحالف فرصة لتصحيح مسار هذه الدول أن تخجل من أفعالها.


وجهة نظر ثالثة يمثلها اللواء محمد الشهاوى -مستشار بكلية القادة والأركان- الذى يرى أن هذا التحالف مهما روج له فلن يكون بديلا عن القوة العربية المشتركة، كما أن مصر يجب أن تشارك فيه بحدود، لأنه رغم إيجابيات التحالف التى تتمثل فى ضمان توفير الحرب الشاملة على الإرهاب الذى يتنامى فى ليبيا حتى لا تتحمل مصر عبئا هذه الحرب وحدها، إضافة إلى الاستفادة المتبادلة من التنسيق المعلوماتى والمخابراتى بين جميع دول التحالف، لكن هناك محاذير لابد من التوقف عندها، منها أن التحالف صيغته إسلامية وعقيدة الجيش المصرى تقوم فى جزء أساسى منها على الوطنية وفى قواتنا المسلحة مسلمين ومسيحيين، كما أن دولا مشاركة فى التحالف مثل فلسطين أو دولا أفريقية ليست لديها جيوش، إضافة إلى احتمالية أن تسيطر الخلافات على التحالف. أما التخوف الأكبر أن تكون هذه القوة تكونت بإيعاز أمريكى حتى توفر لها قوات ميدانية من الدول الإسلامية لتخوض الحرب على الإرهاب فى العراق على الأرض بعدما تأكدت من فشل ضرباتها الجوية.


الشهاوى يرى أن السياسة الثابتة لمصر أنها مع أى تحالف ضد الإرهاب لكن بشروط واضحة وهى عدم التورط بقوات برية خارج مصر، عدم التدخل فى شئون الدول أو المساس بسيادتها، وهذا ما يجب أن نحافظ عليه، نحارب الإرهاب فقط، نتعاون معلوماتيا واستخباراتيا وخططيا أيضا.. لكن بما لا ينال من أمننا القومى أو يعرض قواتنا للخطر، وبما لا يمس سيادة دولة أخرى.