قراءة استراتيجية فى واقع وإشكاليات التحالف

27/12/2015 - 12:04:28

بقلم - عميد: طارق الحريرى باحث فى شئون السلاح والاستراتيجية

فى تطور مفاجئ للأحداث الساخنة فى إقليم الشرق الأوسط خرجت المملكة العربية السعودية بإعلان تكتنفه ظلال كثيفة من الغموض عن إنشاء تحالف إسلامى عسكرى لمواجهة الإرهاب تقوده الرياض، وهى أصلا ودول أخرى رئيسية فى هذا التحالف الجديد أعضاء بدرجة مشاركة كاملة فى التحالف الدولى الذى تقوده أمريكا لمحاربة الإرهاب فى سوريا والعراق، وهو تحالف ظل يكتنفه غموض تام ومحير فى نواياه تجاه العناصر الإرهابية من داعش والنصرة وغيرها، وانكشف زيفه صراحة بعد التدخل الروسى فى مسار العمليات العسكرية داخل سوريا الذى رفع الغطاء عن تواطؤ عدة دول من داخل الإقليم، تساند جماعات الإسلام السياسى المسلحة،


ويزداد موقف التحالف الإسلامى تعقيدا فى نطاق مواجهته المفترضة لبؤرة الحرب الرئيسية ضد الإرهاب فى منطقة ما تعرف ببادية الشام بعد تطابق وجهتى النظر الأمريكية والروسية التى عبر عنها صراحة وزير الخارجية الأمريكى «جون كيرى» فى حديث أدلى به لقناة «روسيا ١» السبت ١٩ ديسمبر وتناقلته وكالات الأنباء، حيث تتأكد صحة مايزعم به كيرى من الموافقة بالإجماع على قرار مجلس الأمن رقم ٢٢٥٤ حول سوريا الذى يكشف محتواه زوال أوجه الخلاف الأساسية بين واشنطن وموسكو، والتوافق حول الأزمة السورية دوليا وهذه المستجدات الجوهرية تكبح بقوة دور التحالف الإسلامى الوليد المنتظر فى الإقليم فى ظل عدم وضوح الرؤية عن الآلية التى سيعمل بها على الأرض داخل الإقليم والمهام المبهمة خارجه.


المصاعب العسكرية


إذا كان التصور الذى لم يُطرح بعد عن طبيعة الأداء العملى فى مسارح العمليات للقوات العسكرية المشتركة فى التحالف الإسلامى، فإنه من الضرورى توضيح أن تشكيل قوة مركزية إذا كانت هناك نية مبيتة لذلك مستقبلا تعد أمرا بالغ التعقيد يستدعى جهودا فنية وتقنية وإدارية تتطلب وقتا وإمكانيات مالية وقدرات تنظيمية دقيقة وصعبة للأسباب الآتية:


١- ضروروة توحيد المصطلح العسكرى المستخدم فى تبادل الأوامر والتعليمات واستخدام السلاح ومختلف الجوانب العملياتية والإدارية.


٢ - تشكيل أمانة عامة تقوم بوضع الأسس والمبادئ العامة للتعاون العسكرى بين الدول التى توافق على الانخراط فى تلك القوة.


٣ - بناء هيكل تنظيمى متكامل لأجهزة القيادة والتشكيلات القتالية العاملة والوحدات الإدارية.


٤ - إيجاد حلول لاختلاف أنواع السلاح بين الدول المشاركة فى القوة.


٥ - توحيد التدريب على المهارات الميدانية والتكتيكات وقواعد خدمة الميدان والاشتباك نظرا لاختلافها مابين جيش وآخر.


أما عن التصور المبدئى المعلن حاليا كما جاء فى نص البيان السعودى الرسمى عن تشكيل تحالف عسكرى إسلامى لمحاربة الإرهاب بقيادة المملكة العربية السعودية على أن»يتم اتخاذ مدينة الرياض مقرا لمركز عمليات مشتركة لتنسيق ودعم العمليات العسكرية لمحاربة الإرهاب ولتطوير البرامج والآليات اللازمة لدعم تلك الجهود»، وطبقا لما صرح به ولى ولى العهد وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز فإنه لايمكن إصدار موقف ملزم للدول المشاركة فى التحالف العسكرى لأن دوره سيكون تنسيقيا، وكل دولة سوف تسهم حسب قدراتها، وبذلك يتضح جليا أن الآلية الأساسية للتحالف الإسلامى ذات طبيعة تنسيقية لدعم العمليات العسكرية دون آلية إلزام كما فى حلف الناتو مثلا والفكرة هى الأقرب للواقعية فى مثل هذا التحالف الذى لم تكشف قيادته عن الأدوات المستخدمة للتطبيق، وماهى القواعد التى ستبنى عليها ممارسة مركز العمليات المشتركة لتنظيم ودعم العمليات العسكرية فى محاربة الإرهاب، وماهى القيادات العسكرية من أعضاء التحالف المفوضة من دولها أم سيقتصر الأمر على ضباط اتصال، وهل من الملزم تواجدهم فى مركز العمليات وماهى حدود الاستعانة بالإمكانيات العسكرية للدول بعد أن أعلنت الدول ذات الجيوش القوية مثل مصر وتركيا وباكستان عدم المشاركة بقوات خارج أراضيها، بل إن باكستان نفت أى علاقة لها بهذا التحالف، كما أنه هناك دول فى التحالف لاعلاقة لها بالعسكرية مثل جزر المالديف وجزر القمر، وما أراه من وجهة نظرى إطارا عمليا لتحقيق الغاية من التحالف يتمثل فى الآتى:


١ - التبادل المعلوماتى من خلال أمانة ممثلة من كافة الأعضاء فيما يخص العناصر الإرهابية التى أصبحت عابرة للدولة القومية.


٢ - التحليل العسكرى لأساليب قتال وعمليات التنظيمات الإرهابية ومتابعة التطور الذى يستجد على أدائها وأساليبها.


٣- إقامة ورش عمل لتبادل الخبرات العسكرية فى مجال مكافحة تنظيمات الإسلام السياسى المسلحة وقد حققت مصر فى هذا المجال خبرات غير مسبوقة فى مكافحة الإرهاب.


٤ - تحقيق قدر مناسب من الدعم والتسهيلات اللوجستية بين جيوش دول التحالف.


وهذا إن تم هو أقصى مايمكن تحقيقه فى البعد العسكرى للتحالف الذى لم يصغ بروتوكول أو مدونة أولية واقتصر على بيان إعلامى لايحمل بطبيعة الحال تفاصيل نحو الالتزامات الواجبة.


لقد شاركت مصر فى التحالف الإسلامى العسكرى من واقع تأييدها لأى جهد يسعى لتعزيز قدرات مقاومة الإرهاب والقضاء عليه، ورغم أن توقيت الإعلان عن هذا التحالف استبق حلول اجتماع يخص القوة العربية المشتركة وكانت المملكة العربية السعودية قد عطلت واقعيا خروج هذا المشروع إلى النور من قبل، إلا أن متخذ القرار فى مصر ارتأى من واقع المسئولية الأخلاقية والتاريخية عدم الممانعة فى الانضمام إلى هذا التحالف، حتى لايحدث شق للصف أو خلط للمواقف فى العلاقة بين مصر والسعودية كدولتين محوريتين فى الإقليم، ولتأكيد موقفها الثابت فى التصدى لتنظيمات الإسلام السياسى المسلحة التى تعيث فى الأرض فسادا، ولمصر دور ريادى ناجح وخبرة عسكرية متفردة فى محاربة الأرهاب لاتبخل فى أن يكون فاعلا فى التعاون مع كل من يسعون لمحاربة الظاهرة.


براجماتية ذكية


فى أحيان كثيرة يحمل توقيت إعلان نشأة منظمات إقليمية أو دولية أو ذات طبيعة خاصة حتى ولو كانت صورية مغزى فى آخر فى طياته يرتبط بأهداف غير مصرح بها فى بيان التأسيس وديباجته، حيث يكشف التحليل السياسى لاحقا مايدور فى الخفاء ويكاد التحالف الإسلامى العسكرى المعلن بغتة أن يكون مندرجا فى مثل هذا الإطار وإن كنت أظن أن توقيت هذا التحالف لايحمل مع القراءة الأولى أهدافا ونوايا خبيثة، ويمكن إرجاع الإقدام على هذه الخطوة من المملكة العربية السعودية فى جانب منها إلى تعالى نبرة المجتمع المدنى فى الغرب ضد المملكة باعتبارها حاضنة للمذهب الوهابى المعروف عنه التشدد والذى يشكل أحد الروافد الأساسية لعناصر الإرهاب من تنظيمات الإسلام السياسى المسلح، والتى بدأت تقوم بأعمال عنيفة ومؤلمة فى أوربا وأمريكا، بل إنه من اللافت قيام بعض المسئولين فى حكومات بعض الدول الأوربية بالمجاهرة علنا عن التأثير الوهابى المتجذر فى المملكة بعد أن وجدت الحكومات فى الغرب نفسها فى حالة دفاع غير مبررة أمام الرأى العام الذى لايمكن تجاهله هناك، لذلك أقدمت السعودية على إعلان هذا التحالف الذى أشارت فيه إلى استناده على الشريعة الإسلامية وأحكامها التى تحرم الإرهاب وترفضه جميع الأديان السماوية والفطرة الإنسانية ويستند أيضاً إلى مبادئ وأهداف ميثاق منظمة التعاون الإسلامى التى تدعو الدول الأعضاء إلى التعاون لمكافحة الإرهاب ويستند كذلك إلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولى والمواثيق الدولية الأخرى وكلها تدعو إلى القضاء على الإرهاب وإلى حق الدول فى الدفاع عن النفس، وبذلك يكون تعدد أبعاد ما استند إليه التحالف من دينى ومواثيق إنسانية ودولية محاولة نفى من سلطات الدولة السعودية لتماهيها مع التشدد الوهابى ويدلل أصحاب هذه الرؤية بتأخر ظهور التحالف طوال سنوات من الإرهاب لم تكن المملكة خلالها فى مرمى الرأى العام الشعبى والرسمى فى الغرب .


معضلات سياسية حول التحالف


قبل الإعلان السعودى عن التحالف الإسلامى العسكرى انعقد تحت رعاية المملكة مؤتمر للمعارضة السورية صار حوله لغط بادعاءات عن تعمد استبعاد بعض الأطياف ودعوة عناصر تصنف على أنها فى خانة الإرهاب وصدرت توصيات المؤتمر مع تجاهل كامل لمقررات اجتماعات فيينا فى مرحلتيها الأولى والثانية وهى المقررات والتوصيات التى شدد على أهميتها فى مابعد قرار مجلس الأمن الدولى الحائز على الإجماع، مما يعنى أن عملية سياسية برعاية دولية تتخذ الآن مسارا مؤكدا نحو البدء على غير توجه المملكة باستبعاد الرئيس السورى «بشارالأسد» قبل بدء أى حل سياسى للأزمة وهو ماعبر عنه سوريا»خالد خوجة»رئيس الائتلاف الوطني، قائلا «إن قرارمجلس الأمن ٢٢٥٤ بمثابة تقويض لمخرجات اجتماعات قوى الثورة فى الرياض» وهذا يعنى أن الدولة القائدة للتحالف الإسلامى العسكرى تواجه مأزقا فى التعامل مع ملف الإرهاب الرئيسى فى المنطقة المتمثل فى داعش والنصرة وعناصر أخرى قد يصنفها فى خانة الإرهاب قرار أممى ولاتعتبرها السعودية هكذا، وهذا يصعب عليها اتباع سياسة تتماشى مع توجهاتها النقيضة للإجماع الدولى الذى قبل بوجود الأسد ضمنا فى المرحلة الانتقالية، ويجعل دورها مشوبا بالحذر، لاسيما أن هناك دولا داخل التحالف الإسلامى تتبع خطا سياسيا غير متفق مع التوجهات السعودية فى ملف الأزمة السورية منها على سبيل المثال لا الحصر مصر أحد شركاء التحالف الرئيسيين.


وفى ما تعتبر المملكة العربية السعودية نفسها من زاوية البُعد الدينى والثروة زعيمة للعالم الإسلامى السنى نجدها قد اختارت للتحالف الدول ذات الأغلبية السنية أو سلطة الحكم السنى حيث استبعد العراق الذى يعانى من الإرهاب فى أسوأ صورة، كما استبعدت إيران زعيمة المسلمين الشيعة فى العالم وبعيدا عن الاختلاف السياسى العميق معها خليجيا فهى دولة رئيسية فى الإقليم وذات ثقل لايمكن تجاهله ولايمكن نفى صفة الإسلام عنها مما قد ينحرف بالتحالف الإسلامى العسكرى مع استمرار هذه الأوضاع إلى مزالق تأجيج الطائفية المذهبية بين أصحاب الديانة الواحدة، وهذا نوع من الصراع ودعته الإنسانية منذ زمن بعيد.


ربما يكون من مقاصد التحالف الإسلامى العسكرى الذى ينحصر فى إطار نظرى حتى إشعار آخر محاولة أخيرة من المملكة العربية السعودية لإطلاق رصاصة الرحمة على مشروع القوة العربية المشتركة الذى قطع شوطا عمليا وإجرائيا وتنظيميا غير هلامى محدد الأهداف والمهام والهياكل، والأهم أنه غير مرتبط بأزمات وأحداث وقتية مثل ظاهرة الإرهاب التى هى بطبيعة الحال إلى الزوال، وعندها يصبح التحالف غير ذى جدوى بينما القوة العربية المشتركة ذات غاية تتصف بالثبات والدوام لأنها تعمل على مواجهة التحديات والتهديدات التى تشكل خطرا مباشرا على الأمن القومى العربى، إضافة إلى عمليات حفظ السلم والأمن فى الدول الأطراف سواء لمنع نشوب النزاعات المسلحة أو لتثبيت سريان وقف إطلاق النار واتفاقيات السلام أو لمساعدة هذه الدول على استعادة وبناء وتجهيز قدراتها العسكرية والأمنية وتأمين عمليات الإغاثة وتأمين خطوط المواصلات مع الأخذ فى الاعتبار أن القوة العربية المشتركة نابعة من ميثاق جامعة الدول العربية المتضمن لاتفاقية الدفاع العربى المشترك الذى قبلت به المملكة العربية السعودية، والمملكة تنعت نفسها فى التسمية السياسية للدولة بالعروبة، وهنا يبرز تناقض إشكالى محير وغير مبرر نتيجة تبنى المملكة لكيان ينتهى بزوال السبب، بينما ترفض آخر تستدعيه الضرورة ذات الدوام والاستمرارية.