الحلف الإسلامى رؤية استراتيجية صائبة أم مصفوفة من الإشكاليات والأضداد؟

27/12/2015 - 12:02:14

بقلم - سفير د. رضا شحاتة مساعد وزير الخارجية للشئون الأمريكية والسفير الأسبق فى موسكو

المبادرة السعودية الأخيرة التى أطلقها الأمير محمد بن سلمان ولى ولى العهد السعودى ووزير الدفاع كتنظيم يضم ٣٤ دولة إسلامية مركزها الرياض يهدف لتنسيق العمليات العسكرية فى مكافحة الإرهاب تتوافق مع الإيقاع السياسى السعودى المتسارع والقوى فى أكثر من اتجاه لحشد الجهد الإسلامى خاصة العربى الخليجى للتصدى لقضايا بالغة التأثير على الأمن العربى، والأمن القومى السعودى فى المقام الأول وفقاً للأولويات والشواغل الأمنية والاستراتيجية للمملكة.


بيد أن مجرد الإعلان عن مثل هذا التنظيم، الذى جاء فى تقدير كثير من المحللين كاستجابة لما أبدته الإدارة الأمريكية من شعور بالضجر والضيق من عدم تحرك الدول العربية، وفى مقدمتها السعودية بشكل قوى ومؤثر فى الحرب ضد الإرهاب وضد تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق وسوريا، لكن محللين آخرين نظروا إلى هذه الخطوة من منظور يثير الكثير من التكهنات والشكوك حول مستقبل وجدوى بل ومصير مثل هذا التحالف رغم المصداقية بل والحتمية التى طرحتها السعودية كهدف وأولوية لهذا التحالف الإسلامى.


ذلك أن المبادرة بالدعوة لتحالف يضم فى قاعدته الواسعة ما يشبه الأضداد، لا يجمعها إلا أنها فى أكثرها تتبع المذهب السنى أو ينتمى جميعها إلى العالم السنى، ومن ثم فقد بادر كثير من الخبراء فواصوا هذا التجمع الدولى الإسلامى بأنه تجمع "سنى" لمناهضة الشيعة ممثلة فى إيران، والعراق، وسوريا، وحزب الله.


وامتداداتها فى اليمن، الشيعة فى العراق، والعلويون فى سوريا، وتنظيمات أو ميليشيات حزب الله.


الإشكالية الكامنة فى الدعوة لتنظيم مثل هذا التحالف وإن كان له هدف وأولوية مشروعة أجمع عليها العالم الإسلامى وغير الإسلامى هو مكافحة الإرهاب وتنظيم الدولة الإسلامية فهو يعكس علاقات غير متساوية وغير متعادلة أو متكافئة بين السعودية ومصر والإمارات مثلا وبين السعودية وباكستان وماليزيا وبنجلادش، فالموازين غير متعادلة والسياسات غير متطابقة وغير متكاملة اللهم إلا فى بعض تفاصيل الخطاب السياسة أو الدعائى، بل إن بعض مكونات هذا التحالف (أندونسيا الآسيوية، وعمان الخليجية تنأى بنفسها عن الانخراط فى مثل هذا التنظيم خشية الانزلاق إلى معارك وحروب وصراعات لا تمثل بالنسبة لها أولويات أو التصدى لأخطار قد تكون حقيقية، لكنها لا تمثل لأمنها تهديداً داهماً لمصالحها، ومن ثم فمبادرة مثل هذه تنطوى فى جوهرها على بذور فشلها أو قصورها على أحسن تقدير.


ولا يجادل أحد فى قدرات المملكة ومصداقية استراتيجيتها فى مكافحة الإرهاب والدفاع عن الهوية الإسلامية الحقيقية، ولا يجادل أحد أيضاً فى قدرات السعودية على التأثير السياسى والاقتصادى والعسكرى فى محيطها المباشر وغير المباشر، لكن تجارب العمل الإسلامى الجماعى على المستوى الدولى، لم تكن للأسف بالتجارب الفعالة، بل ربما أتت بعكس ما كانت تسعى إليه، ولعل آثار العمل الإسلامى الجماعى (الجهادى) أو شبه العسكرى فى حرب أفغانستان فى الثمانينيات بقيادة السعودية وتنفيذ عملياتى وميدانى من الاستراتيجية الأمريكية بالوكالة، عن طريق تجهيز وتدريب وتلقين وإعداد (المجاهدين) الأفغان لمختلف اتجاهاتهم لهو النموذج الأول لما جاء بعد ذلك فى صورة المقاتلين الأجانب من كل الجنسيات والتيارات والدول للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية بقصد مقاومة الاحتلال السوفيتى عندئذ، لكن هذا العمل الإسلامى العسكرى أو شبه العسكرى الجماعى صدر مع بداية التسعينيات تنظيمات وأيديولوجيات الإرهاب الأسود إلى أكبر دولتين عربيتين، مصر والجزائر، ومنها إلى بقاع شمال إفريقيا وإلى إفريقيا ما وراء الساحل والصحراء تمثلت فيما سمى بالإسلام العنيف حتى اليوم.


إشكاليات هذا التنظيم العسكرى الجماعى أنه استبعد دولتين رئيسيتين فى العالم الإسلامى، رغم كل مظاهر التباين فى السياسة والمواقف بين السعودية وبينها، وهاتان الدولتان هما إيران والعراق، فأوقع المبادرة فى مأزق الانقسام المذهبى الذى يمكن أن ينعكس بالضرورة على الجدوى والقيمة والتأثير العملياتى والسياسى لهذه المبادرة، كذلك فإن اسبتعاد دول آسيوية محورية من هذا التنظيم العسكرى الجماعى المقترح (دول وسط آسيا) مثل كازاخستان وأوزبكستان وتركمنستان، وطاجكستان ثم بعض دول القوقاز مثل أذربيجان يفقد المبادرة بالضرورة طابع (العالمية الإسلامية) ويرتد بها بالتأكيد إلى محدودية (الدائرة الإقليمية) العربية وبعض المكونات الإسلامية الضئيلة، وحتى هذه العناصر تثير من التساؤلات أكثر بكثير من الإجابات أو الطروحات الإيجابية مثل تركيا ذات المواقف المثيرة لتفسيرات متناقضة، هل هى تحارب الإرهاب وداعش، أم أنها تتواطأ صراحة معها أم أنها تكرس ما تسميه حرباً ضد الإرهاب لحربها ضد الأكراد فى سوريا وفى العراق وداخل تركيا ذاتها، وتسعى فى الحقيقة لإسقاط النظام السورى وحاكمه الأسد.


خلاصة القول بأن خروج دولة مثل الجزائر أكبر دولة إفريقية وخروج "إيران" وهى محور آسيوى يضاف إليه أطماع تركيا المثيرة للجدل، يدفع الكثير من المحللين بالتشكيك فى الجدوى العملياتية للتحالف الإسلامى متناقض الاتجاهات والمواقف على هذا النحو.


ـ أما من الناحية العسكرية، فالعديد من الخبراء العسكريين قد بادروا بطرح إشكاليات شديدة التعقيد تتصل بأساسيات العمل العسكرى الجماعى (مثل الناتو) وهى مدى إمكانية التوحيد أو التطابق فى "العقائد العسكرية" للقوات المسلحة لكل عنصر مشارك، وما هى أنماط التسليح" ومستوياتها وقدراتها ومستوى استعدادها ثم مدى إمكانية التنسيق فى المناورات أو العمليات المشتركة الجوية والبرية، وهل ثمة إمكانية لإنشاء قيادة مشتركة أو هيئة عمليات مشتركة.


ومهما كانت درجة المصداقية والجرأة متمثلة فيها، لكن الإشكاليات الحقيقية أو الشياطين الحقيقية تكمن فى التفاصيل التنفيذية الدقيقة، وبدونها لا تقوم لمثل هذه المبادرة الداعية لتنظيم عسكرى إسلامى جماعى قائمة حقيقية.


على أنه من أهم ما أثارته المبادرة فى الحقيقة أن التحدى الحقيقى الذى نواجهه اليوم جميعاً عرباً ومسلمين أن المشكلة الأصلية فى آفة الإرهاب تكمن داخل العالم الإسلامى نفسه والتى أصابته فى الصميم، وانتشرت عداوة كالطاعون من العالم الإسلامى إلى العالم غير الإسلامى، الأوربى والإفريقى والأمريكى وهى ترجمة دقيقة لرؤية الأمير محمد بن سلمان، الذى أكد أن الإرهاب ليس إلا آفة أصابت العالم الإسلامى وانتشرت فيه الى المجتمع الدولى، ومن ثم فالمسئولية الأولى تقع سياسياً ومادياً على العالم الاسلامى فى محاربة هذه الآفة، وظاهرة الإرهاب التى تمثله فى كل مكان، وهى رؤية فى جوهرها صائبة وصحيحة لكنها قد تحتاج لترجمة من نوع مختلف.


لكن الإشكالية الأخرى التى تطرح نفسها أن المبادرة الجديدة لتنظيم عسكرى جماعى إسلامى أنها وقعت فى مأزق استراتيجى يقلل من قيمتها وقوة تأثيرها، ذلك أن المباردة ركزت فى الأساس على الخيار العسكرى لو تستكمل عناصر حيوية فى استراتيجية خطيرة مثل هذه لمكافحة الإرهاب الاسلامى كما يزعمون، وهو العنصر السياسى والدعائى والنفسى.


الإشكالية أن الخطاب السياسى" الذى يستخدمه تنظيم الدولة الاسلامية أنه يمثل الأمة الاسلامية ويدافع عنها فى وجه الاستعمار الغربى الكافر" وأنه يتصدى لطغاة المسلمين من الحكام الكفار المرتدين".


لذلك فإن استراتيجية كهذه وبمثل هذه الخطورة تظل قاصرة وعاجزة حتى إن اكتفت بالخيار العسكرى اللهم إلا إذا بادرت باعتماد وتغيير الخطاب السياسى الحالى فى مكافحة الارهاب، فالعمل الإسلامى الجماعى للهوية الإسلامية دفاعاً عن الهوية الإسلامية الصحيحة فقط كما جاءت فى شريعة الله سبحانه وتعالى وأحاديث رسوله الكريم وسننه وسيرة صحابته رضوان الله عليهم بل هى دفاع عن "الهوية القومية" للشعوب الإسلامية وللدول الإسلامية والدفاع عن الهوية القومية" لا يتناقض ولا يتنافى مع الدفاع عن جوهر الشخصية الإسلامية بل يدعمها ويعزز من أصالتها، ويؤكد مرة أخرى أن الصراع مع الإرهاب الأسود ليس مجرد الدفاع عن الأصالة أو الحقيقة الإسلامية، التى ساوت بين البشر منذ فجر الإسلام وتاريخه الطويل بل إن الاسلام قد استوعب شعوباً وحضارات تعايشت فى ظله فى محبة وسلام وحرية وسماحة افتقدتها فى ظل عقائد وعصبيات عرقية ودينية أخرى قروناً طويلة.


وفى التحليل الأخير يمكن القول بموضوعية مطلقة أن المبادرة السعودية بالدعوة لتشكيل تحالف عسكرى إسلامى ضد الارهاب عامة وضد تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق وسوريا خاصة، جاءت فى توقيت دقيق وهام ورد فعل لانتقادات غير مباشرة ومباشرة أحياناً من قصور الأداء العربى فى مكافحة الإرهاب، وفى الطرح الواضح بأن المشكلة هى مشكلة إسلامية/ إسلامية فى حقيقة الأمر، لكن هذه المبادرة لا تتوفر لها مع ذلك مقومات حيوية تضمن فعالية الاستراتيجية، لأن الخيار العسكرى الذى لجأت إليه دول كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا، ومن قبل الناتو لن يكون كافياً فى حرب، هى فى الحقيقة حرب أفكار وحرب خطاب سياسى وخطاب سياسى مضاد وحرب تكنولوجيا رقمية وهى سباق لكسب العقول والتأثير فى المفاهيم والميول والقناعات والاتجاهات الفكرية.


والثابت للجميع أن تنظيم الدولة الاسلامية المنتشر انتشار السرطان فى العراق وسوريا وليبيا ومالى ونيجيريا والكاميرون والصومال يستخدم أحدث تكنولوجيات وسائل التواصل الاجتماعى وحقق من ورائها أقصى استفادة وتأثير ممكن، الأمر الذى يحتم مراجعة استراتيجية المبادرة العسكرية الجديدة ما إلا وقعت فى إشكالية القصور، ولذلك بابتكار استراتيجية أشد تأثيراً للتواصل الاجتماعى والتكنولوجية الرقمية على مستوى عالمى وفى كل الاتجاهات بأحدث التقنيات والخبرات والأساليب ليس فقط لتغيير القناعات والانتماءات فحسب، بل لوقف التيار المتنامى داخل ساحة جديدة وخطيرة هى الساحة الأوربية التى خرج من دولها الآلاف من المقاتلين الأجانب ليس فقط بالتأكيد لدوافع أو حوافز مادية بل لدوافع أيديولوجية واتجاهات سياسية خاصة أن تلك الجماعات تتولى مناصب عسكرية وقيادية فى هرم تنظيم الدولة الإسلامية اقتناعاً خاطئاً بالدفاع عن "قضايا عادلة" أو الانخراط فى حرب عادلة دفاعاً عن المظلومين والمهمشين والمضطهدين.


وخطورة انضمام المقاتلين الأجانب تدفع بمبادرة العمل العسكرى الجماعى بقيادة السعودية الى مأزق أكثر صعوبة وهو تحويل الحرب ضد جماعات اسلامية متطرفة والدخول فى مواجهات غير مبررة مع قوى عربية وقوى أوربية، وذلك أبعد ما يكون عن أولويات المبادرة السعودية الجديدة.


والمأزق الإضافى لهذا البعد الجديد هو الصورة شديدة السلبية التى يطرحها انضمام مقاتلين أجانب الى قوى التطرف الإسلامى الأمر الذى يدفع دولاً أوربية وحكومات أوربية إلى نبذ جماعات المسلمين داخل مجمعاتها أو الدعوة لطردهم أو عودتهم لبلادهم بمثلما تروج كثير من الأحزاب اليمينية الفاشية فى كثير من حملاتها الانتخابية.


الحرب ضد الإرهاب وضد تنظيم الدولة الإسلامية أعقد بكثير وأبعد بكثير من مجرد الدعوة إلى تنظيم عسكرى إسلامى جماعى يثير من الإشكاليات والتحديات واحتمالات القصور الذاتى أكثر مما يثيره من احتمالات التأثير والفاعلية والتعزيز للاستراتيجيات العالمية لمكافحة الإرهاب. مبادرة العمل الإسلامى الجماعى رغم كل مصداقيتها بحاجة إلى مراجعة وتدقيق واستكمال لعناصر كثيرة، وهى مهمة ربما تتطلب رؤى جديدة أقرب إلى الواقعية والقراءة المتجددة لتجارب التاريخ فى العمل الإسلامى الجماعى.