مصر ما بين سوريا واليمن هذه متطلبات مكافحة الإرهاب

27/12/2015 - 12:00:28

بقلم - السفير د. عزمى خليفة المستشار الأكاديمى للمركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة

فى خطوة مفاجئة أعلن العاهل السعودى الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود عن تكوين جيش إسلامى يضم جميع الدول الأعضاء فى منظمة المؤتمر الإسلامى ماعدا إيران وسوريا والعراق بهدف مكافحة الإرهاب، وقبل أن يجف الحبر الذى كتب به الإعلان كانت بعض الدول تتنصل من هذا الحلف مثل باكستان، وبعض الدول الأخرى تتنصل من إرسال جنود لها إلى هذا الجيش الإسلامى مثل تركيا، التى أعلنت أنها سترسل جنودا إلى دولة قطر «الشقيقة» وفقا لبنود اتفاق إقامة قاعدة عسكرية تركية فى قطر، فى حين جاءت الموافقة المصرية خافتة، وأشير إلى أن هذا التعاون معلوماتى أساسا وليس من خلال استخدام قوات مسلحة بالفعل.....فما موضوع الجيش الإسلامي؟وهل هو سنى فعلا؟ وهل هذا ما نحتاجه فى عالمنا العربى اليوم؟ وأين القوات العربية المشتركة التى أعلنت السعودية مرارا وتكرارا التزامها بها؟ ولعله من المفيد التذكرة بأن آخر من ذكرنا بالالتزام السعودى بها كان ولى ولى المملكة نفسه مرتين الأولى خلال اجتماعات اللجنه المصرية السعودية فى جدة برئاسته للجانب السعودى ورئاسة رئيس الوزراء المصرى للجانب المصري، والمرة الثانية خلال زيارة ولى ولى العهد السعودى للقاهرة للتباحث حول الجيش الإسلامي.


من المهم أن نبدأ بالمشهد السياسى فى الشرق الأوسط ككل، فالواضح أن الشرق الأوسط مازال محتفظا بمكانته العالمية التى اكتسبها فى نهاية الحرب العالمية الثانية، حينما انتهت الحرب على الأراضى المصرية فى العلمين فأصبح بؤرة التفاعلات العالمية الاستراتيجية اليوم تماما كما كانت أواسط أوربا بؤرة هذه التفاعلات خلال الحرب العالمية الأولى وألمانيا وبولندا بؤرة الحرب العالمية الثانية.


فإذا كان الربيع العربى بكل ما حمله من آمال قد نجح فى تجديد الدماء فى شرايين الشرق الأوسط على مستوى السياسات الداخلية فدفع للأمام بقيم جديدة على يد الشباب مثل العدالة الاجتماعية، ومكافحة الفساد، والمطالبة بالعدالة الانتقالية، والمساواة بين الرجل والمرأة، وتغيير دور الدولة ليتناسب مع عصر جديد يبزغ قوامه المعلومة وظهور نمط جديد من الاحتجاج السياسى والاهتمام بدور الشباب والقضاء على التوريث السياسى نهائيا، وتجديد النخبة السياسية التى تكلست فى مقاعد السلطة وأصابها العفن فلم تبدع إلا فى الفساد فإن السياسة الدولية قد شهدت تكثيف تفاعلاتها بالإقليم لتفرض المزيد من القيود على دول الإقليم نتيجة التدخل الخارجى وتعارض مصالح الأقطاب الدولية.


فالصراع السياسى العالمى قد اشتد حول منطقة الشرق الأوسط وسياسيا واقتصاديا، فدخول القوات الروسية سوريا وإنشاء قاعدة جوية بها وإنشاء قاعدة بحرية فى طرطوس أعاد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة مرة أخرى إلى الأذهان وجاءت الضربات الروسية ضد داعش وبعض أطراف المعارضة السورية ليعيد تشكيل خريطة المعارضة ويدفعها إلى قبول الجلوس إلى مائدة التفاوض السياسى وهو ما يتعارض مع الأهداف الأمريكية التى استهدفت، ثم جاء إسقاط تركيا لإحدى المقاتلات الروسية فوق سوريا ليزيد الموقف سخونة ، ولذا صدر قرار مجلس الأمن لبدئ التفاوض مع مطلع العام الجديد ،ثم جاء توقيع الفرقاء الليبيين اتفاق الصخيرات مؤخرا لتتسع وتتعدد دوائر التفاوض لتفتح باب الأمل للتهدئة السياسية فى الإقليم بدلا من الاستناد إلى الآلة العسكرية وإلى استخدام الإرهاب ممثلا فى داعش والنصرة لتحقيق أهداف سياسية مما أدى إلى استنزاف إمكانيات دول الإقليم .


لم تكن هذه التحولات تحولات استراتيجية بمعنى أنها لا تحول دون تحقيق الدول العظمى لأهدافها بالإقليم لأن نيران الحرب الاقتصادية لم تتوقف ،فلم ينس الغرب أوكرانيا ولم تنس أمريكا أن صحوة المارد الروسى تفرض عليها مزيدا من الأعباء العسكرية والحاجة الملحة لإعادة ترتيب أوراقها الاقتصادية بالإقليم وهى أوراق ذات أهمية استراتيجية أيضا فواشنطن تعلم أن ٤٥٪ من الدخل القومى الروسى يأتى من تصدير الغاز والنفط وأن أوربا مازالت تعتمد على الصادرات الروسية منهما وهى أوضاع لم تتغير منذ أن كان الاتحاد السوفيتى قطبا أعظم وأن هذه الأوضاع حافظ عليها الاتحاد السوفيتى ومن بعده روسيا ،ولذا لجأت الولايات المتحدة والغرب إلى إيجاد بديل لذلك وإلى السيطرة على خطوط نقل الغاز والبترول الروسيين إلى أوربا لأن استمرار الأوضاع الراهنة يهدد الهيمنة الأمريكية التى يثور بشأنها الجدل داخل الولايات المتحدة ذاتها .


هذا الهدف الأمريكى لن يتحقق إلا إذا كانت أوكرانيا التى أصبحت أكثر قربا للغرب هى موضع التحكم فى مسار الطاقة الروسية إلى الغرب لأن هذا يعطى لأوكرانيا اليد العليا على مصادر الطاقة الروسية كما أنه يمنحها دخلا قوميا نتيجة مرور الغاز فى أراضيها ولذا تسعى أمريكا إلى تحقيق هدفين للإضرار بروسيا أولهما هو الإبقاء على خط الأنابيب الشمالى الذى يمر عبر أوكرانيا ومحاولة عرقلة خط الأنابيب الجنوبى الذى تسعى روسيا لإقامته عبر البحر الأسود إلى بلغاريا ثم يتفرع إلى النمسا وإيطاليا شمالا وجنوبا ،خاصة أن هذا الخط يشهد تزاحما للمصدرين عبره مثل تركمنستان واذربيجان مما يعنى وجود منافسين لروسيا مما يقلل من حجم الصادرات الروسيه من الغاز والنفط معا ، وثانيهما الضغط على دول أواسط آسيا للإسراع فى تنفيذ خط غاز قزوين الجنوبى والذى قد يفتتح خلال ستة أشهر.


يوجد أيضا خط غاز تركمنستان – باكستان وهو خط يمر عبر الأراضى الأفغانية وهو يشهد صراعا قطريا تركيا سعوديا لأسباب مختلفة فقطر تأمل فى السيطرة على غاز تركمنستان من خلال تمويل الخط والتعاون مع دول أواسط آسيا فى سوق الغاز العالمى ،والسعودية تسعى إلى القضاء على بعض جماعات الإسلام السياسى فى الشرق الأوسط والتى تمولها قطر مثل جماعة الإخوان المسلمين وجبهة النصرة وتسعى لنشر المذهب الوهابى فى أواسط آسيا وأفغانستان فى حين تعارض تركيا هذا الخط لأنه سيحرمها من ميزة استراتيجيه هى عدم التحكم فى الغاز الروسى لأن إقامة هذا الخط يعنى أن التصدير سيتم بعيدا عن روسيا ثم تركيا حيث يصبح التصدير إلى الشرق بعيدا عنهما.


هذا الاستعراض للصراع العالمى يؤكد عدة حقائق استراتيجية مهمة:


أولها أن أوربا وأواسط آسيا والشرق الأوسط بالرغم من توزعهم جغرافيا على ثلاث قارات تمثل العالم القديم إلا أنهم مترابطون استراتيجيا


وثانيها أن هذا الترابط الاستراتيجى يثقل الولايات المتحدة بأعباء استراتيجية إضافية فى وقت قررت فيه الانسحاب من الخليج لصالح المسرح العالمى


وثالثها أن واشنطن أدركت بصورة مؤكدة بخاصة بعد استخدام موسكو قطعها البحرية لضرب داعش فى سوريا بدقة بالغة إن روسيا قوة ينبغى أخذها فى الاعتبار مستقبلا وأن محاولة الاقتراب من القلب الروسى سواء من ناحية جورجيا عام ٢٠٠٨ أو من ناحية أوكرانيا العام الماضى هى محاولة فاشلة فجورجيا خسرت اوسيتيا الجنوبيه وأوكرانيا خسرت القرم والاستقرار على حدودها الشرقية


ورابعها أن التقارب الصينى الروسى سيضع الاستراتيجية الأمريكية فى الشرق الأوسط فى مأزق يصعب معه الدفاع عن المنطقة مما يتطلب إرباك الحسابات الروسية من خلال إيجاد تحالف من الدول القريبة منها فى الشرق الأوسط .


فى ظل هذه التعقيدات الاستراتيجية ظهرت فكرة التحالف الإسلامى خاصة أنه تحالف سنى من الناحية العملية ولأن التحالف واسع جدا وبعض الدول المنطوية تحت لوائه صغيرة قد تشكل عبئا أكثر منها قوة، والبعض الآخر ذات قوة نووية مثل باكستان، مما يفرض صعوبات على السعودية لقيادتها فى حالة نشوب معارك فقد تم التنويه أنه تحالف لمواجهة الإرهاب عبر تبادل المعلومات وليس تحالفا عسكريا للقيام بعمليات عسكرية على الأرض .


وقد ظهرت بوادر ذلك بإعلان من باكستان وتركيا وبعض الدول الأخرى وهو ما سبق بالفعل أيضا لدى تكوين عاصفة الحزم لتأديب الحوثيين وهو ما يعكس خللا فى أسلوب اتخاذ القرار أو التشاور بشأن وضع الفكرة موضع التنفيذ.


رغم أن هذا التحالف جاء سنيا من الناحية الواقعية كما ذكرت فهذا يفرض تحديات إضافية لتحدى مواجهة الإرهاب ،كما أنه يذكرنا بغرفة العمليات المركزية التى سبق وأعلنت روسيا تكوينها فى بغداد فى بداية الحرب الروسية ضد داعش فى سوريا ولم نسمع عنها فيما بعد لأنها كانت غرفة طائفية أيضا تضم إيران وسوريا والعراق كدول تتخذ المذهب الشيعى ولذا يتوقع أن يلقى هذا التحالف السنى الجديد معارضة من إيران وسوريا والعراق ، كما أنه قد يثير خلافات فى الخليج بل وفى أواسط آسيا نتيجة محاولات نشر المذهب الوهابى فى أفغانستان ومنطقة الحدود التركمنستيه .


يضاف إلى ذلك أن هذا التحالف الجديد لم يراع اختلاف التوجهات السياسية بين الدول الأعضاء فالسعودية ذاتها والإمارات تحاربان الإخوان المسلمين فى حين تدعمهما كل من تركيا وقطر ،وتركيا وقطر تتعارض مصالحهما الاستراتيجيه والاقتصادية فى أواسط آسيا ومصر تتعارض مصالحها مع قطر وتركيا ،وقطر تدعم النصرة فى سوريا فى حين تدرجها السعودية كحركة إرهابية لقربها من القاعدة عقديا .


لذلك يظل التساؤل الرئيسى قائما : هل ما يحتاجه عالمنا العربى الذى يمثل قلب الشرق الأوسط خلاف سنى شيعى ؟أم أن المطلوب دعم الاتجاه القومى العروبى الذى يدعم التكامل القومى فى الوقت الراهن؟