شيخ الأطباء د. إبراهيم بدران فى آخر حوار له: الطب أصبح «بيزنس».. وأستعد للقاء الله

27/12/2015 - 10:25:31

  الزميل صلاح البيلى ينفرد بآخر حوار لشيخ الأطباء قبل وفاته عدسة: حسام عبد المنعم الزميل صلاح البيلى ينفرد بآخر حوار لشيخ الأطباء قبل وفاته عدسة: حسام عبد المنعم

حوار كتبه: صلاح البيلى

رحل الدكتور إبراهيم بدران شيخ الأطباء وحكيم الحكماء قبل أيام، بعد أن كسر حاجز التسعين عاماً بشهر وأيام، إذ ولد فى ٢٧ أكتوبر عام ١٩٢٤ كان عطاؤه العلمى والوطنى متواصلاً كرئيس للمجمع العلمى المصرى وكعضو فى” بيت العائلة” المصرية، وكعضو بالمجالس القومية المتخصصة، ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف.


«بدران» تخرج في طب قصر العينى سنة ١٩٤٧ وحصل على الشهادة من الملك فاروق، وتخصص فى الجراحة العامة، وحصل على الدكتوراه سنة ١٩٥٢ من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكان أحد أعضاء الفريق الطبى للرئيس الراحل أنور السادات لأربع سنوات.. الحوار معه دار حول حال الطب والتعليم الطبى ومستوى الخريجين الجدد، وخلاصة تجربة «بدران» فاعرفوها في السطور التالية في حواره الأخير.


في رأيك.. ماهى التغييرات التى طرأت على حال التعليم عامة والتعليم الطبى خاصة فى مصر خلال رحلتك التى استغرقت تسعة عقود؟


عندما كنت طالباً بطب قصر العينى وتخرجت سنة ١٩٤٧ كان عدد الطلبة كلهم فى الكلية ٨٠ طالباً وكان أساتذة الكلية من المصريين والإنجليز وكانوا فى غاية الاحترام والكفاءة وكان التعليم محترماً جداً.. ولم يكن فى مصر آنذاك غير طب قصر العينى ولم تكن كليات الطب انتشرت كالآن من الإسكندرية للمنصورة وأسيوط وبالجامعات الخاصة.. وكان عدد السكان محدوداً وكانت الأرض تسعنا كلنا بعكس الآن زاد عددنا بكثرة وزاد عدد الكليات ورغم ذلك لم تعد تستطيع أن تفى باستيعاب كل الراغبين فى الالتحاق بالطب وضاقت الأرض علينا!، فالتعليم لدينا فاشل أو قل تدهور تدهوراً شديداً لأسباب كثيرة مثلما تدهور كل شىء آخر بشدة، وكنت أكتب لنفسى فى هذه القضية التى أعتبرها قضية أمن قومى حتى وجدت أنى قد ألقى الله فى أى لحظة، فصممت أن يخرج ما كتبته على مدى ٦٥ سنة للناس، فأصدرت ثلاثة كتب عن التعليم هي «تحديات مصر المستقبل” و»نحو تطوير التعليم الجامعي» و”فى فقه التنمية” ثم كان كتابى الرابع والأخير «التكوين البشرى لإنسان التنمية» وركزت فيه على إنسان التنمية المستهدف منذ اختيار الزوج والزوجة والحمل وإنجاب الأطفال وتعليمهم الحلال والحرام والواجب والحقوق والصواب والخطأ ثم مرحلة المدرسة فالجامعة، للأسف الأسرة مشغولة عن أطفالها فلم تعطهم التربية السليمة، والأبوان جاهلان بأسس التربية وفى حاجة لتربية، أما فى المدرسة فيتلقفهم المدرس اللاهث خلف الدروس الخصوصية لأن راتبه لا يكفيه، ثم يدخل الطالب الجامعة فلا يتعلم الاستنارة ولا الوطنية كما كنا زمان بل يكون كل هدفه الحصول على الشهادة الجامعية للعمل بها أو السفر المهم الحصول على الشهادة وليس تحصيل العلم.. وللوقوف على حقيقة المأساة فى تعليمنا يجب أن نعرف أن بمصر ما يزيد على ١٥٠ ألفاً من حملة الماجستير والدكتوراه لم تستفد منهم مصر وبذلك نعيش على عطاء الآخرين فى العلم والتكنولوجيا ولا نعيش على عطاء أولادنا ولا نؤهلهم للمنافسة العالمية، فالصحة والتعليم هما المدخل لكل إصلاح ، وللأسف نحن شهدنا تراجعاً خطيراً فى منطقتين هما “الأسرة والمدرسة” ، ولأسباب كثيرة منها سفر الأب فصارت الأسرة بلا موجه ولا مرب وأحياناً بلا أب ينفق!.


وهل ساهمت كليات الطب الخاصة فى نجاح التعليم الطبى أم تراجعه؟


ظل التعليم الحكومى محافظًا على كيانه حتى مطلع السبعينيات ثم بنهضة الجامعات الأخرى بدأ تراجع وانحدار جامعاتنا الحكومية.. فقد حاول الرئيس السادات فى إطار تحسين علاقته بأمريكا أن يعترف بالجامعة الأمريكية بالقاهرة سنة ١٩٧٤ وكان قبل ذلك التاريخ الالتحاق بالجامعة الأمريكية سُبة وعيباً ولا يقدم عليه إلا الطالب الفاشل.. ثم بدأ التحول وبدأت النخبة القديمة والجديدة تلحق أولادها بالجامعة الأمريكية حتى إننى قلت لزميلىٌ بلجنة التعليم آنذاك وهو الدكتور عبد الرازق عبد الفتاح رئيس جامعة حلوان والدكتور شفيق بلبع رئيس جامعة المنصورة، إن «الكريمة” كلها راحت للجامعة الأمريكية وستترك جامعاتنا، وزادت الظاهرة واستفحلت بظهور جامعات خاصة كثيرة والجامعات البريطانية والألمانية وصارت جامعاتنا الحكومية فى الذيل!.


وبعد هذا التحول.. هل أنت راض عن مستوى التعليم الطبى عندنا؟


لا، والدليل على ذلك أننى عندما كنت وكيلاً لكلية الطب قصر العينى كان بها طلاب من ٤٢ جنسية من أستراليا حتى فنزويلا ومن المغرب والبحرين وإيران.. وكان ١٠٪ من طلاب جامعة القاهرة من الأجانب غير المصريين، وكنا نعد سفراء لمصر بالخارج وليس مجرد أطباء أو طلاب، وأذكر من دفعتى وأنا طالب بالكلية المغربى أحمد بن عبود سفير المغرب بواشنطن لاحقاً. وبفضل أساتذتنا كانت سمعة الطب فى مصر فى القمة وظلت هكذا لنصف قرن، ثم بدأ التراجع فى المستوى وفى غرف الرعاية المركزة وفى التمريض .


المشكلة الأساسية فى المدرس أم فى الميزانية أم فى غياب الإرادة والهدف الحقيقى من التعليم الطبي؟


كل هذا، فالمدرس هو أساس العملية التعليمية وليس المبنى ولا المناهج ولا البرامج، بدليل أن أوربا كلها نهضت بعد دمار الحرب العالمية الثانية دون مدارس أو جامعات إذ كانوا يلقون دروسهم فى العراء وفى الحدائق .. لقد كانت لدينا مدارس على أعلى درجة من الرقى بالعالم مثل”الخديوية والإبراهيمية والسعيدية وبنباقادن “وكان التعليم الميرى فى السماء جودة وأخلاقاً والتعليم الأهلى درجة ثالثة، وكان المدرسون يواصلون دروسهم لساعات وهم مرضى حباً فى التعليم وإيماناً برسالته ..وأذكر يوم أخرجنى الدكتور مصطفى خليل من وزارة الصحة لرئاسة جامعة القاهرة، وأوفد الدكتور مصطفى كمال حلمى كسفير لمصر باليونسكو وكان صديقى يراسلنى وسألنى عن حال التعليم فى مصر فرددت عليه :»الطلاب تائهون والجامعات منسية.. أما الأستاذ فقد نُسى.. فنسَى وتُرك الأمور».


أليس نقص الميزانية أحد أسباب المشكلة متمثلة فى نقص الأجور وعدم اكتمال المعامل ونقص الأجهزة الطبية سواء فى التعليم أو بالمستشفيات؟.


نعم وأذكر عندما كنت نائباً لرئيس جامعة القاهرة عند تحضير مصر لحرب أكتوبر قبل عام ١٩٧٣ أن كانت ميزانية البحث العلمى بالجامعة أربعة آلاف جنيه فقط لا غير وكان بها ٢٩ كلية وحملة الدكتوراه بها كانوا ١٤ ألفاً وكان بها ١٤٦ ألف طالب وطالبة.. وعندما أصبحت وزيراً للصحة سنة ١٩٧٤ كان راتبي ٢٧٣ جنيهاً و١٣ قرشاً وراتب رئيس الوزراء ممدوح سالم ٢٨٠ جنيهاً!، أذكر وأنا رئيس لجامعة القاهرة جاءنى عميد آداب القاهرة طالباً إجازة للإعارة للسعودية ولما سألته عن السبب، قال لي: «نفسى أركب سيارة وتعبت من ركوب التروماي»، ولما صرت رئيساً لأكاديمية البحث العلمى خلال السنوات ١٩٨٠ إلى ١٩٨٤ جاءنى أستاذ بالمركز القومى للبحوث وقال لى إن راتبه ١٥٦ جنيهاً فى حين أن راتب زوجته المعيدة بكلية الهندسة ٢٢٠ جنيهاً وهو الأستاذ الذى ناقش ٦٠ رسالة دكتوراه وماجستير، فذهبت لرئيس الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة وهددت بالاستقالة مالم يصبح كادر أساتذة المراكز البحثية مثل كادر أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، واستجاب وزير المالية آنذاك صلاح حامد لطلبى، ووفر لنا نحو ٣ ملايين جنيه لدعم كادر مراكز البحوث.


كانت لدينا قديماً قدوة وقمم في كل المجالات يحتذى بها الشباب وحالياً غاب هذا كله، فكيف نطالبهم بما ليس فى وسعهم الآن؟


أنا ولدت فى أسرة وكان أبى ضابطاً وكنا عشرة أبناء ٦ ذكور و٤ بنات، وكنا نسكن فى منطقة المنيل ثم بجاردن سيتى لاحقا.. وأذكر فى طفولتى مشهد وفاة امى وعمرى ٤ سنوات وحضر الدكتور بول لغيونجى والدكتور مصطفى الديوانى وكانا من نواب قصر العينى لإنقاذ حياة أمى فترسخت صورتهما فى نفسي ، وتمنيت أن أصبح طبيباً لأن مهنة الطب ارتبطت فى قلبى بإنقاذ المرضى.. وعندما فقد أبى صديقيه “بولس حنا ومحمود حافظ رمضان ” بكى ليلتها وقام مشلولاً وظل صديقه طبيب أمراض الباطنة “أنيس بك سلامة” تلميذ عزمى باشا ورئيس قسم أمراض الباطنة بقصر العينى، يُمر عليه يومياً طيلة ثمانى سنوات دون أن يتقاضى مليماً!.


مهنة الطب تغيرت كثيراً كما تغير الأطباء خاصة الجدد منهم.. كيف ترصد هذا التغيير؟.


هناك تدهور فى مستوى خريجى الجامعات عامة وبما فيها خريج الطب لدرجة أن الشهادة الطبية حالياً لا يعتد بها فى بعض الدول ومنها الخليجية ونحتاج لضوابط وثوابت فى تكوين الطبيب الشاب منها، أن يكون أهلاً لخدمة المريض ولتحمل المسئولية، وأن يتحلى بسلوك اجتماعى طبى راق مع تعلم جودة التعامل والحوار، وأن ينعى هم من يخدمهم مع العطاء والشهامة وإنكار الذات مع التدريب الجيد واجتياز اختبار قومى قبل ممارسة المهنة لتطبيق معايير الجودة كالحال فى الدول المتقدمة.. بالمقابل هناك أبعاد جديدة مطلوبة فى التعليم الطبى قبل الالتحاق بتلك المهنة المقدسة وهى أربعة : الطب الوقائى والطب العلاجى الإكلينيكى والطب البحثى الاستقصائى والطب الإدارى ، ومراعاة أن ثورة الاتصالات والتكنولوجيا أثرت على مهنة الطب كذلك الهندسة الوراثية ومع تحكم منظومة “الجات والتربس” تحولت مهنة الطب لصناعة معتمدة على التصنيع الدوائى وتصنيع الأجهزة والمعدات الطبية وكثرة استخدام المستهلكات .. كل ذلك رفع تكلفة العلاج والفحوصات والأشعة والتحاليل والإيواء بالمستشفيات .


دخلت مستجدات لمهنة الطب مثل العلاج بالهندسة الوراثية والجينات وظل نقل وزراعة الأعضاء لدينا “محلك سر” رغم أن الدول غير المتقدمة سمحت به، هل يعقل ذلك؟


لقد بح صوتى فى هذه القضية منذ ربع قرن لدرجة أنه كلما جهزنا مسودة قانون لعرضه على مجلس الشعب خرجت قلة من الأطباء ذات الصوت العالى وزعمت أنه سيروج لتجارة الأعضاء مع أن الوضع الحالى هو الذى يروج لتجارة الأعضاء وتهريبها .. وأشهد الله أن الشيخ محمد متولي الشعراوى وعلماء الأزهر أباحوا نقل الأعضاء وعندما كنت وزيراً للصحة كانت ميزانية الوزارة ٣ ملايين جنيه وكانت تكلفة الوحدة الريفية ٣٠ ألف جنيه وكانت هى تكلفة نقل الكلى لمريض واحد، ومع ذلك قلت للشيخ الشعراوى وكان وزيراً للأوقاف : إننى سأقيم الوحدة الصحية كأولوية لعلاج خمسة عشر مريضاً عن إنقاذ حياة مريض واحد.. وكأطباء نعرف أن هناك أعضاء تموت فى دقائق مع الوفاة وهناك أعضاء لا تموت قبل ٦ أو ١٢ أو ٢٤ ساعة وهناك أعضاء تعيش بالأجهزة الاصطناعية لسنوات.. فالقرنية تصلح بعد ٦ ساعات من الموت وصمام القلب يصلح بعد ١٢ ساعة، لقد تم بناء جامعة القاهرة بقرش وقرشين فى حملات التبرع التى دعا إليها الشيخ محمد عبده ومصطفى كامل وغيرهما، لذلك لابد أن يفيق المجتمع وينهض بركب التقدم فقد سبقتنا كل دول العالم فى هذا المجال ، ونحن تأخرنا نحو ربع قرن فى اعتماد وإقرار نقل الأعضاء، لأن من يدعو لغير ذلك يعمل بمبدأ “ خالف تعرف ” ويعمل ضد مصلحة مصر ويعوق تقدمها.. لمصلحة من تقف طوابير آلاف المرضى المنتظرين لزرع القرنية أو الكلى أو الكبد أو يلجأ البعض للعلاج بالخارج بنظام “تسليم المفتاح ” أو تتم العمليات سراً بعيداً عن الرقابة!.


كشاهد على العصر بم تصف عصرنا ووضع مصر حالياً؟


مصر فى مرحلة انتقالية صعبة والعالم كله يتغير، فنحن نشهد خاتمة عصر وبداية عصر جديد ولابد للعرب أن يندمجوا لأننا فى عصر التكتلات الاقتصادية الكبرى ، فلا مكان لضعيف أو لدولة منفردة.. وهنا أستعيد كلمات الشيخ محمد عبده بأننا بحاجة لتحرير الفكر من القيود والتقليد الأعمى والتصالح مع العلم وإصلاح النفس بالتربية السليمة.


ومنذ متى توقفت عن دخول غرفة العمليات.. وهل للجراح سن معينة؟


ليس للجراح سن معينة، فطالما هو قادر على العطاء وإمساك المشرط ويقظ وخبير فهو يجرى عملياته إلى ما شاء الله، وعن نفسى توقفت عن دخول غرفة العمليات قبل ثمانى سنوات ؛ لكنى أحرص على الحضور للمستشفى بانتظام.


وأخيراً.. ماهى أمنيتك؟


أن أغلق عينى مطمئناً على مصر.. وأستعد حالياً للقاء الله فى أى لحظة.



آخر الأخبار