يوسف القعيد الفائز بجائزة العويس: لأول مرة يصبح المجهول هو كل حياة المصريين

27/12/2015 - 10:20:05

  القعيد فى حديثه إلى الزميلة شيرين صبحى القعيد فى حديثه إلى الزميلة شيرين صبحى

حوار: شيرين صبحي

وكأنه غفا واستيقظ فوجد نفسه فى عالم جديد لا ينتمى إليه، يبحث عن عالم آخر لم يعد له وجود، فجلس هناك على تلك المحطة التى تركه فيها القطار الأخير ورحل، ينتظر شيئا ربما لن يأتي، يبصر خواء روحيا يعيشه ذلك البلد الذى لا يشبه بلاده، متشائما، يعلنها صراحة أديبنا يوسف القعيد.


يبدو وكأنه لايزال يحلم بالستينيات وجمال عبد الناصر، لا تفارقه النوستالجيا والحنين إلى الماضي. غربة يعيشها أو تعيشه، لكنها لا تمنعه من متابعة هذا البلد الذى يتمنى أن يشبع من متابعته لكى يعطى وقته كله للقراءة ومشروعات الكتابة التى تطارده وتظل أحلاما مؤجلة.


القعيد نال مؤخرا جائزة سلطان العويس لتميز إنتاجه الذى تمحور حول علاقة الإنسان بالغربة التى جعلها رمز الوطن، وهو ما يعتبره أديبنا شكراً على ما أفناه من العمر والجهد على الكتابة.


قلت للقعيد:  نبدأ من روايتك الأخيرة "مجهول" التى كتبتها فى أكثر من عشر سنوات ولم يتم استقبالها بالشكل الذى يرضيك؟


قال: نشرت أول رواية "الحداد" عام ١٩٦٩، والتى استقبلت بحفاوة ووضعت أساسا لاسمي، كان هناك احتفاء بالنص الأدبى فى مصر الستينيات، سهير القلماوى عرفتنى خلال ندوة فى البرنامج الثانى فى الإذاعة لمناقشة الرواية، فطلبت منى أن تعيد نشرها، فقلت لها عندى رواية أخرى وأعطيتها "أخبار عزبة المنيسي"، فكتبت لها مقدمة اعتبرها شهادة ميلادي، حينها كنت كاتبا جديدا لا يعرفه أحد، رجل مجند فى الجيش المصرى لا انتمى لجماعة ضغط ولا فى الاتحاد الاشتراكي. قارنى هذا باستقبال "مجهول"، قلت بالضبط أنى مثل شخص كان فى بيته ونام واستيقظ فاكتشف أن الواقع الذى ينتمى إليه لم يعد له وجود، أو أن القطار الأخير على المحطة تركه فى واقع لا هو جزء منه ولا يستطيع الانفصال عن هذا الواقع.


لماذا؟


هذا إحساسى الشخصى أن البلد تغير وأخرج أشياء كثيرة لست جزءا منها.


لكنك شخص فاعل وجزء من هذا الواقع؟


سبب استقبال "مجهول" وما صدر بعد عام ٢٠٠٠ ، إحساسى أن فكرة الثقافة فى مصر متراجعة جدا، منذ ٢٥ يناير تغير ١٣ وزير ثقافة، كل من يأت يهدم ما فعله الوزير الذى سبقه، لأن الشخصنة تطغى على المؤسسة، هذا يعكس اهتمام الدولة بالثقافة، الدولة الراهنة وطنية ولديها حاكم وطني، لكن لهاث لقمة العيش والجرى خلف المواصلات والسكن والكهرباء والسلع اليومية أنساهم أن القوى الناعمة لمصر فى الخارج مردودها لا يقل أهمية حتى عن الحروب، وأن الثقافة فى الداخل تخلق تناغما ومجتمعا يحنو على بعضه ويعرف ماذا يريد، لكن هذا غير موجود الآن فى مصر.


هل تناسوا أم أنهم غير مهتمين بالأساس؟


قابلت السيسى عندما كان مرشحا للرئاسة، وقلت له لم أرك تستشهد ببيت شعر أو قصة أو رواية أو فيلم سينمائى أو مسلسل تليفزيوني، فقال: كيف؟ هناك فيلم كلما تم عرضه أشاهده، هو "رد قلبي"، لم أحب أن أقول له أنها رواية متوسطة وأن الفيلم ردئ، ورحب به كثيرا بعد ١٩٥٢ باعتبار أن هذا هو الأمل الذى ينتظر السادة الضباط، أن يتزوج "علي" من "إنجي" التى هى قفزة اجتماعية وطبقية بالنسبة له.


أنا أرى السيسى كثيرا ولكن بصفتى صحفيا، لقاء واحدا عقده مع المثقفين بعد نجاحه ولم يتكرر، الثقافة تحتاج أن يكون لها اعتبار واهتمام فى عقل الدولة، وهذا غير موجود للأسف، أخبرينى عن مسئول واحد فى الدولة ذهب لمشاهدة مسرحية يحيى الفخراني! رئيس الوزراء والوزراء الآخرون، الذين يستمعون إلى الغناء فى الأوبرا، بالطبع الأوبرا شيء عظيم لكن هناك ثقافة أخرى. لم يسأل أحد المسئولين نفسه أين الإنتاج السينمائى المصرى أو إنتاج الدراما أو الفن التشكيلى أو الإنتاج الروائى والقصصي، أين ما يمكن أن يسمى رموز الثقافة المصرية. نحن نبكى ونتحسر على رموز الستينيات ولا نجد ما نتحدث عنه غيرهم لأن مجتمعنا لم يهييء لنا المناخ الذى هيأته الستينيات لرموز الثقافة.


نجيب محفوظ عندما بلغ الستين ذهب صلاح جاهين إلى هيكل واستأذنه أن يأخذ قاعة الأهرام لعمل عيد ميلاد محفوظ وهو لم يكن يكتب أو ينشر رواياته فى الأهرام فى ذلك الوقت، لكن هيكل قال له بل نحن من نعمل عيد الميلاد، وكان من ضيوفه أم كلثوم وهى المرة الوحيدة التى رأى فيها سيدة الغناء وسمى ابنته على اسمها. أنا عندما بلغت السبعين احتفلت بى دار الهلال وهو ما اعتبره من مكافآت العمر، لكنه استثناء لأننى جزء من الدار.


لابد من النظر إلى فكرة الثقافة باعتبارها تساوى صناعة الخبز وتوفير الكهرباء والغاز، لأنها تخلق التآلف بين المجتمع المصرى والسياق العام الذى يجعل المصريين يفكرون فى الاتفاق على شيء وهم عادة لا يتفقون على أى شيء. هذا الخواء الروحى فى مصر الآن يعطى انطباعا بالفراغ، وأن البلد لم يعد لديها إلا أن تعمل ما يفعله البخلاء عادة بالبكاء على ما كان من قبل. أنا متشائم قليلا، الجميع يريدون أن يكونوا متفائلين لكنى مختلفا معهم.


كيف ترى الحل هل يملك المثقفون علاجا؟


الدولة لن تكتب وتبدع وترسم، كل ما تفعله الدولة ممثلة فى وزارة الثقافة بكل هيئاتها أن توفر المناخ الذى يمكن المبدعين من الإبداع، وعندما يبدع المبدع ولا يجد من ينشر له، تنشر له الدولة.


هذا يحدث فى الحد الأدنى له ويحدث للقاهريين فقط، لكن أبناء القاهرة ليسوا كل شيء، بالعكس الأقاليم ممتلئة، وأنا ضد هذا التعبير تمامًا لأنه طبقي، كلمة أدباء الأقاليم شبه مؤامرة بدأت منذ سنوات واستمرت وتؤدى إلى تقسيمة غير عادلة، علما أن كل من فى القاهرة جاءوا من الأقاليم، لكن الثقافة خدماتها كلها مركزة فى القاهرة وإلى حد ما الإسكندرية ثم أسيوط قليلا باعتبارها أهم محافظة فى الصعيد ودمتم بعد ذلك.


هل أردت أن تدلل على واقع مصر بأزماتها السياسية والاجتماعية والثقافية فى روايتك الأخيرة.. ذلك المجهول الذى نعيشه؟


بالطبع، أردت أن أعمل رصد أو تحقيق روائى عن أن المصريين لأول مرة فى حياتهم يصبح المجهول هو كل حياتهم، علما أنه شعب دائما المعلوم يملأ حياته، حتى من لا يعرف يدعى المعرفة، هذا المزاج العام للشخصية المصرية التى تتصرف كما لو كانت تعرف كل شيء، لأول مرة يصبح المجهول كثيرا ومهددا للتجربة المصرية، لأن المعلوم يجمع الناس، ليس لدينا الآن اتفاق على أى شيء، حتى مفهوم الوطن يوشك أن يعود ليصبح وجهة نظر، رغم أن الوطن من الثوابت، لكن اهتزت فكرة الارتباط بالأرض والدفاع عنها، سبب هذا الثقافة ثم الثقافة، لا أحد يتهم الإعلام، لأن الإعلام يخلق انطباعات عابرة سرعان ما تنتهي، لكن الثقافة تؤسس للشخصية المصرية، عندما تقرأ نصا روائيا أو شعرا، يبقى منه شيء فى الوجدان حتى لو كلمة واحدة، الإعلام ليس المسئول وحده عن حالة البلبلة وعدم الاتفاق على شيء فى هذا الفراغ العام.


هذا المجهول الذى تقصده هو ما تمر به مصر بعد ثورة يناير أم أننا نعيشه من قبل هذا؟


منذ العقد الذى يبدأ بعام ٢٠٠٠، السنوات الأخيرة من حكم مبارك ثم الثورة، ومازلنا مستمرين، أرجو أن نخرج من هذا النفق بأقل الخسائر الممكنة.


كيف السبيل إلى الخروج من هذا المجهول؟


مع تشكيل البرلمان وجلسته الأولى رغم أن رأيى الشخصى أنه برلمان الضرورة وليس الاختيار، لابد أن نكمل خارطة الطريق، وهذه الضرورة نمارسها لكى يقول لنا الغرب برافو! قيمة أى برلمان فى العالم أن يعبر عن روح الشعب الذى انتخبه، هذا البرلمان لا يعبر عن المصريين، اتمنى أن ننطلق منه إلى ما أهملناه طوال أربع سنوات ونحاول ترميم ما هو قابل للترميم وإعادة بناء ما ليس صالحا فى الشخصية المصرية.


وقت انتخابات الرئاسة خرج من يقول إن السيسى هو اختيار الضرورة أيضًا؟


السيسى غضب من هذا القول، لكن أتمنى أن ينجح البرلمان كما نجح أو سينجح السيسي. أتمنى أن يتآلف ويتوافق، لكن ما أراه من معارك وتأسيس تحالف "دعم الدولة"، علما أن البرلمان يعارض ويحاسب الدولة، فإذا أول شيء يفعلونه هو "دعم الدولة"، إنها "خيبة حقيقية"! لأنهم ينسون أنه دون معارضة لا يوجد برلمان، والديكتاتوريون الكبار فى تاريخ العالم كانوا يبحثون عن معارضين، هتلر كان يبحث عمن يقول له "لا"، ونيرون كذلك المعارضة مهمة جدا، وأنت الآن تجرم المعارضة عندما تقول "دعم الدولة"، وتعتبرها كما لو كانت خروجا على القانون. البداية غير مشجعة، والشجار الذى حدث بين سيف اليزل وأسامة هيكل وتهانى الجبالى استهلال بالغ السوء للبرلمان الذى لم يرفع عنه الستار.


كنت ترى ضرورة تأجيل البرلمان؟


كنت أرى أنه بعد ٢٥ يناير كان يجب أن يعقبها مباشرة محو أمية المصريين، نفعل ما قام به كاسترو وما تم فى ماليزيا، تجربتين هامتين جدا، كاسترو أوقف كل شيء فى بلده سنة كاملة ليمحو أمية آخر كوبى وعمل احتفالا ضخما واعتبر التعليم مسألة أمن قومي.


أرى أنه إذا كان هناك سلم أولويات حقيقى فيجب أن نمحو الأمية، لأن الذى لا يقرأ ولا يكتب كيف يختار النواب؟ طالما هناك رموز يتم طبعها لكل مرشح فهذا يعنى أن هناك أميين تخاطبهم، أرجو أن أعيش حتى أرى انتخابات دون رموز، وناخب يعرف ماذا يفعل ولديه إحساس ضميرى أنه إذا أخذ أموالا فإنه يخون بلده ومستقبل أبنائه، ومع هذا أتمنى أن يكون برلمان اختيار وليس ضرورة، وما يثبت هذا هو أداؤهم المنتظر.


كيف نخرج من مصر الضرورة إلى مصر الاختيار؟


نحاول الخروج من الظروف التى نعيشها، كثير من المعطيات التى أدت إلى ٢٥ يناير مازالت قائمة، خاصة قضية العدل الاجتماعي. فكرة العدل الاجتماعى الغائبة تهدد أشياء كثيرة فى مصر ولابد من الوقوف أمامها بجدية، مثلا لم ينفذ الحد الأدنى والأقصى للأجور، فكرة العدل تسبق سيادة القانون ودولة المؤسسات، ولن تنتظر كثيرا.. أيام الملك فاروق، أهدى طه حسين مجموعته "المعذبون فى الأرض" لمن لا يجدون ما يأكلون ومن يجدون ما لا يأكلون ومن لا يجدون ما لا ينفقون، ومن لا يجدون ما ينفقون" كان هناك يموت شخص من الفقر مقابله آخر من التخمة. أنا رجل محسوب على هذا الحكم، وآسف أن هذه الأوضاع لازالت قائمة، مشكلتين أساسيتين لابد من التفرغ لهما؛ الأمية والاحتياج، لأن المواطن المحتاج صعب جدا أن يختار فى الوقت الذى يمكن أن يستفيد فيه من صوته، وأنا حزين أن أقول هذا على المصريين، تحضرنى مقولة "لا تسألوا من ليس فى بيته دقيق لأن عقله غائب" فما بالك أن تقول له انتخب وشارك فى صنع البلد..!


لكن العدل الاجتماعى لن يتحقق فقط بالحد الأدنى والأقصى.. كيف ترى تحقيق هذا العدل هل تريد قرارات مثل التى فعلها عبد الناصر؟


لن يتكرر عبد الناصر، رأيت السيسى عندما كان وزيرا للدفاع وجاء إلى ضريح عبد الناصر وسلم على أبناءه، فقالوا له أنت تذكرنا بالوالد، فقال لهم أين أنا منه! اعتقد أن السيسى مدرك تماما أن الزمن لا يستنسخ، أنا لا أطالبه بالتأميم لكنى أطالبه بعدم تدليل رجال الأعمال بهذه الطريقة، وأن ينفذ الحد الأدنى للأجور، ويفرض تسعيرة جبرية فى السوق حتى لو احتج الأمريكان.. اقتصاديون كثر أخبرونى أنها ليست ضد اقتصادات السوق، ترك الحبل على الغارب بهذه الطريقة يعمل على انهيار القيم، التى حكمت المجتمع المصرى منذ القرن العشرين قبل الميلاد حتى القرن العشرين بعد الميلاد.


أنت عزيت جيلك وقلت إنكم غرباء فى واقع غير مرحب فيه بفكرة الكتابة.. رغم أن جيل الستينات أخذ حقه وربما أكثر حتى أن بهاء طاهر قال أنكم جيل محظوظ لأنكم عاصرتم قامات عظيمة مثل محفوظ وإدريس ويحيى حقى وغيرهم؟


كنا محظوظين فى زمانهم، لكن المجتمع تحول، اعملى فضيحة وانشريها على مواقع التواصل وشاهدى حجم من يدخل للتعليق عليها.. الآن يوجد ما يسمى البريق، فى الستينيات كانت هناك الشهرة، أن تتابع الناس ما يكتبه الأديب، أحد الأشخاص قال لى إنه سمى ابنته "نوارستا" بطلة رواية "يحدث فى مصر الآن"، هل يمكن أن يحدث هذا الآن؟ كنا محظوظين جدا فى سنواتنا الأولى لكن الواقع تغير وفكرة تكيفنا مع هذا الواقع بعضنا نجح فيها وبعضنا تعثر، لكن هذا منعكس على المشهد الثقافى الآن، ما هى القضية المثارة على مستوى الواقع الثقافي؟ ما هو الفكر الذى يشغل جماعة المثقفين؟ هذا يجعلنا نتراجع على مستوى الوطن العربى بعد أن كنا الرواد، أصبحنا الآن نتحدث عن رواد ماتوا جميعهم.


عبد الناصر لم يقد الأمة بالخطب ولا العنتريات، بل قادها بالفيلم والعرض المسرحى والفن التشكيلى والغناء والموسيقى والكتابة، هذا هو الحلم الذى جرى خلفه كل الأشقاء العرب.. كنت فى العراق أيام الحرب مع إيران وعلى حدود العراق وجدت إيرانيين يحدثوننى بالعامية المصرية، فعلمت أنهم يشاهدون الأفلام المصرية التى تذاع فى التلفزيون العراقي.. التأثير وصل حتى إلى من لا يتكلمون العربية.


الناس تعتقد أننا عندما نتحدث عن دور مصر فإننا نتحدث عن لوغاريتمات أو أحلام، لكن هذا حقيقي، مصر دولة دور، وإن فقدت دورها فقدت مقومات وجودها، اليوم عندما يتحدثون عن الشرق الأوسط الجديد الذى يرسمونه، يضعوننا فى خيارات مخيفة، إذا لم نشارك فى الحرب البرية فى سوريا فلن نجلس على المائدة بعدها لنرسم الخريطة الجديدة، رغم أن لدينا على حدودنا ما يستوجب التدخل البرى وأنا ضده، من يتحدثون الآن عن المنطقة يقولون تركيا، إسرائيل، إيران والسعودية فقط.


هؤلاء هم الفاعلون الأساسيون فى المنطقة علما أن كل هؤلاء كانوا خلف مصر.. ذات مرة قال عبد الناصر إن هناك قمة عربية فى بورسعيد آخر الأسبوع، فآتى كل الزعماء العرب دون دعوة، لا أريد أن نعود هذا بنفس المنطق، لكن أن تعود مصر إلى مكانتها الحقيقية.


بدأ تراجع المشهد الثقافى المصرى بمجيء السادات الذى بدأ هجومه على "الأفنديات" وهم المثقفين إلى أى مدى وصل هذا التراجع الآن؟


محفوظ حكى لى أن عبد الناصر عندما ذهب إلى الأهرام بعد بنائه وسلم على محفوظ قال له: منذ فترة لم أقرأ لك شيئا جديدا.. محفوظ علق على جملة عبد الناصر بأنها آخر مرة سمع فيها هذه الكلمة من حاكم.. لا أمجد زمن عبد الناصر، كان هناك عيوب ومآخذ، لكنه كان يدرك أن الثقافة مهمة، ولم يُصادر عمل أدبى واحد فى عهده. رواية "أولاد حارتنا" نشرت رغم أنف الأزهر، المصادرات كلها حدثت بعد ذلك وتراجعت فكرة المثقف فيما بعد.


لكن نجيب محفوظ نفسه والأدباء فى زمن عبد الناصر كانوا نتاج المرحلة التى تسبقه؟


طبيعي، لكن هناك كتاب نتاج زمن عبد الناصر منهم يوسف إدريس، ألفريد فرج، سعد الدين وهبة، أيضا توفيق الحكيم أبدع كثيرا جدا فى زمن عبد الناصر وطه حسين ولم يتوقفوا ويعترضوا على مجيء نظام جمهورى وهم ملكيون أكثر من الملك.


نتاج عبد الناصر أفضل كثيرا من نتاج ما بين الثورتين ١٩١٩ و١٩٥٢ التى يسمونها المد الليبرالي.. طه حسين حوكم بسبب "فى الشعر الجاهلي" وعلى عبد الرازق حوكم بسبب "الإسلام وأصول الحكم" وفصل من عمله ونفى إلى المنصورة، ولم يعد إلا فى آخر الخمسينيات والكتاب لم يطبع إلا فى آخر الستيتيات، هاتان علامتان بارزتان.. بيرم التونسى نفى بسبب قصيدة تشكك أن فاروق ابن فؤاد.


بعد موت ناصر سنة ١٩٧٠ رصدت المخابرات الأمريكية المركزية والسعودية والإسرائيلية ملايين الدولارات للهجوم على تجربة عبد الناصر.


عبد الناصر جاء بطه حسين رئيسا لجريدة الجمهورية، وهو لم يمارس عملا صحفيا، وعندما هوجم توفيق الحكيم، وقيل إنه مخرف وينتمى للزمن الماضى أعطاه وشاح النيل بلا مناسبة، وقال له إننى لولا قرأت "عودة الروح" والإهداء "سوف نراك من جديد، حيث يكتب لك الخلود، عندما يصير الكل فى واحد" لما راودتنى فكرة الثورة، حيث إن كلمة الكل فى واحد هى الإلهام الأول لبذرة عمل يوليو.


ناصر كتب مشروع رواية "فى سبيل الحرية"، وفى الجلسة الأولى لمجلس قيادة الثورة عندما سألهم ماذا نفعل فى الملك؟ قال صلاح سالم نحاكمه ونعدمه، فقال ناصر إذا كنا سنعدمه فلماذا نحاكمه.. وسألهم هل قرأتم "قصة مدينتين" لتشازلز ديكنز.. الرواية تقول إن الدماء لابد أن تأتى بالدماء.


قلت إنه بنهاية حرب أكتوبر انتهت الحروب وبدأ عصر الكلام فى المحروسة هل ما نعيشه استمرار لعصر الكلام؟


رصدت فى روايتى "أطلال النهار" أكتوبر بعد ٢٠ عاما على الحرب وصدرتها بعبارة "يا خوفى من يوم النصر ترجع سيناء وتضيع مصر" مازلت مصرا عليها، حتى سيناء مهددة بالضياع، وبدأ عصر الكلام المستمر حتى الآن.. معجزة أكتوبر عملناها مع العدو الإسرائيلى لكن حتى الآن لا نستطيع أن نعملها فى الداخل المصري.


كنت تخطط لكتابة نصًا روائيًا عن الحلم معتبرا أن جحيم مصر الآن هو فقدان القدرة على الحلم؟


هناك أشياء كثيرة أؤجلها ويمكن أن أموت دون فعلها، لا أريد الاقتراب من الأحلام لأن محفوظ فعل فيها فعلا عظيما.. اشتغلت فى الصحافة زهرة عمرى وكنت أريد عمل رواية كبيرة عن السنوات التى قضيتها فى دار الهلال، لكن عندما تمعنت كثيرا فى فتحى غانم والتجربتين العظيمين له "الرجل الذى فقد ظله"، و"زينب والعرش" خشيت أنى قد لا أتجاوزه، رغم أن عندى حقيبة كبيرة فيها كثير من التدوينات وكنت أريد تسميتها "الأشقاء الخمسة" وهم الخمسة أسئلة التى يشتغل عليها الصحفى فى حياته، تمنيت أن اعملها من خمسة أجزاء كل جزء سؤال من الخمسة.


بماذا تشعر عندما تجد روايات أحمد مراد والأسوانى توزع أكثر من أعمال جيلكم؟


عندى رأى فى أحمد مراد والأسوانى لن أقوله، هم اخترقوا توزيع الكتاب بشكله التقليدي، لكن المسألة قلدت بشكل غير عادي، وابتدأنا لا نأخذ من الغرب ثقافته ولا تجربته بل تقاليعه، هناك سيدة ألفت رواية "٥٠ ظلا للرمادي" وهى رواية جنسية ووزعت أعدادا خيالية، نحن نقلدهم فى هذا.. رأيت الناس فى اليابان وباريس ولندن وموسكو الكتاب جزء أساسى من حياتهم، هذا غير موجود عندنا.. جزء أساسى من غربة الثقافة هو تكفير المثقفين، من يدعون أنهم مسلمون، معركتهم الجوهرية ضد المثقفين.


لكن هؤلاء كان هناك من يحركهم لتخويف المثقفين؟


مازال الوضع قائما، وأسوأ من السابق، اقرئى صحفهم التى تصدر فى مصر. قدرتهم فى التأثير على الأمى الذى ينظر إلى المنتقبة والملتحى على أنه "بتاع ربنا"، ويأخذ كلامه على أنه مقولات نهائية وينظر إلى المثقف على أنه شخص كافر.. فى بلدنا يقولون على المريض أن "عنده فكر"، اعتبار الفكر مرض مصيبة فى حد ذاتها!


المثقفون هم من يعطون هذه الصورة بابتعادهم عن الناس؟


الاتصال بالناس لا أستطيع القيام به، هذا دور الدولة، هل أستطيع الذهاب إلى جامعة القاهرة واعمل مؤتمرا مع طلاب الآداب؟ بالطبع لا، بل يقوم بهذا رئيس الجامعة، لكنه يسعى خلف النجوم الذين يجلبون له جمهورا، النخبة لا تجد الآلية.


قلت إن التطور الطبيعى للكتابة سيصل إلى كتابة النص المفتوح الذى يحتوى بداخله على الشعر والقصة والرواية والمشهد المسرحى وربما الدراسة.. أين نصوصك من هذا؟


امشى فى هذا الطريق، وأرى أن الكتابة على مستوى العالم كله ستكون كتابة النص المفتوح، لكن تعثرت فلم يحدث هذا بالسرعة التى كنت أتصورها، بسبب تسليع الثقافة، التى أصبح ينطبق عليها قواعد السوبرماركت، وما لدينا موجود فى العالم. أنا أسأل المترجمين عن أهم الكتاب فى اليابان والهند وموسكو وغيرها فأجد أسماء أقل من زمان، هل هذه نهاية مرحلة فى تاريخ البشرية؟ ممكن! هل طبيعة عصر مختلفة جدا عن المراحل السابقة؟ هل لو عاش تولستوى فى روسيا الآن أو شولوخوف لن يكونوا مثلما كانوا فى زمانهم؟ ربما لن يكتب تولستوى آنا كارنينيا فى آلاف الصفحات، الدنيا تغيرت فعلا، لكن كل إنسان لديه نوستالجيا الحنين لما مضى ودائما يراه أفضل مما هو آت، ولو حدث له هذا سيخاف من المستقبل، وهذا ما يحدث الآن.


جمال الغيطانى كانت له أمنية مستحيلة أن يولد من جديد بكل المعارف التى يحملها.. ما هى أمنيك المستحيلة؟


جمال كان يحلم فقط، إنما أمنيتى أن يمتد العمر بى عدة سنوات أنجز فيها أكثر من مشروع مفتوحا أمامي، إذا تجاوزت الخامسة والسبعين سأكتب مذكراتي، وأرجو ألا افعل لأن هذا سيكون مزعجا لكثيرين جدا عاصرتهم، ليس من حقى عليهم أن اعمل لهم مشاكل وهم غير موجودين فى العالم، ليست هناك بطولة أن اكتب عن شخص ميت، لأن كلنا نفعل ونخجل عندما يُكتب عن الفعل الذى نعمله فى حياتنا. أتمنى إنجاز أكثر من شيء يطاردوني.


هل تغيرت دوافعك للكتابة؟


بالطبع، النفّرى له عبارة اعتبرها قانون تقول "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة" الكتابة كانت أبسط وأسهل والاندفاع شديد، الآن الحسابات كثيرة والرؤيا كثيرة، وهناك عبارة أخرى قالها محفوظ "المتلفت لا يصل" أحاول أن اركز وهذا مستحيل لأنى احب هذا البلد واعتبر هذا دورًا أقوم به فى الحياة.