دماء على جدار السلطة (٤) خروجًا عن مبادئ الإسلام !

27/12/2015 - 10:05:29

بقلم - رجائى عطية

أكثر الرواة فى الحديث عن قتل « حُجْر بن عدىّ » وأصحابه ، وأسرفت فيه الشيعة ، واختلفت التفاصيل وترتيب الحوادث بين الروايات المتعددة ، والمحقق فى هذه الروايات أن « زيادًا » أرسل إلى « معاوية » اثنى عشر رجلاً على رأسهم « حُجْر بن عدىّ » ، أتبعهم باثنين ، فأتموا أربعة عشر رجلاً .


وأرسل زيادٌ مع مندوبيه : « وائل بن حُجْر الحضرمى » و« كثير بن شهاب الحارثى » ـ صحيفة بالشهود الذين اصطنعهم للشهادة على « حُجْر بن عدىّ » وأصحابه ، بينما وصل إلى معاوية اعتراض مكتوب من « شريح بن هانئ » على الشهادة المنسوبة إليه ، ونفى أن يكون قد شهد على « حُجْر » وأصحابه ، وقال فى كتابه الذى أورد الطبرى نصه ( ٥ /٢٧٢) : « بلغنى أن زيادًا كتب إليك بشهادتى على حُجْر بن عدىّ ، وأن شهادتى على حُجْر أنه ممن يقيم الصلاة ، ويؤتى الزكاة ، ويديم الحج والعمرة ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، حرام الدم والمال ، فإنْ شئت فاقتله ، وإنْ شئت فدعه ! » .


والمقطوع به أن معاوية لم يزد فى تعليقه على شهادته ونفيه ما نسبه إليه زياد ـ إلاَّ قوله لوائل بن حُجْر الحضرمى ومن حضروا الجلسة : « ما أرى هذا إلاَّ قد أخرج نفسه من شهادتكم » ، وأمر بحبس « حُجْر » وصحبه «بمرج عذراء » وهى من قرى غوطة دمشق .


ويقال إنه ممن نفى الشهادة المنسوبة إليه : «شريح بن الحارث» ، ولكن معاوية لم يستوقفه شئ من ذلك ، ولم ينشط لبحث صحة الشهادات التى أرسل زياد إليه صحيفتها ، والتحقق من صدقها وخلوها من الانصياع أو الاصطناع !


وقد قيل لمعاوية مشافهة ومباشرة فى بعض الروايات ، وبالنقل عبر آخرين فى روايات أخرى ، قول: «حُجْر » إليه : «إن دماءنا عليه حرام ، وإننا على بيعتنا ، لا نستقيلها ولا نقيلها ، وأنه إنما شهد علينا الأعداء والأظناء» . ويقال إن معاوية علق على ذلك بقـوله : «زياد أصدق عندنا من حُجْر » ..


وروى أنه عندما ذهب «عامر بن الأسود العجلى » إلى معاوية ليعلمه بالرجلين اللذين ألحقهما زيادٌ بمن كان قد بعث بهم مع «حُجْر» ، نهض إليه «حُجْر» وهو يرسف فى قيوده فقال له: «يا عامر ، اسمع منى ، أبلغ معاوية أن دماءنا عليه حرام ، وأخبره أنَّا قد أُومنّا وصالحناه ، وأنَّا لم نقتل أحدًا من أهل القبلة فيحل له دماؤنا . فليتق الله، ولينظر فى أمرنا» ، وزعم عامر أنه أبلغ الرسالة إلى معاوية ، وأنه أبى . (الطبرى ٥ / ٢٧٣
وابن الأثير ٣ / ٤٨٤ ) .


عجلة عجولة بلا تحقق ولا استيثاق !


ولم تنقل الروايات أن معاوية جزع من أمر إنكار بعض الشهود للشهادة المنسوبة إليهم ، أو ساوره قلق فى شأن « اصطناع » شهادة باقى الشهود الذين بعث زياد بقائمتهم ، ولا بذل جهدًا لاستقصاء حقيقة هذه الشهادات والاستيثاق من صدقها ومن أنها أبديت فى حرية واختيار بلا ضغط ولا تحريض ولا وعيد ، ولم يتعمق حقيقة الأمور حين أتته رسالة « حُجْر بن عدىّ » أنهم لم يخلعوا بيعة ، وأنهم على بيعتهم ، وأن دماءهم عليه حرام ، وأن المستشهد بهم عليهم من الأعداء والأظناء (جمع ظنين) ، ولا استوقفه الحديث الصحيح الصادر عن رسول الله أنه لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين فى ولاء ولا قرابة ، ولا ذى إحنة (والإحنة هى العداوة) ـ وهو الحديث الذى التزمه القاضى شريح حين خاصم أمير المؤمنين علىّ ـ أحد الأعراب فى سيف طلحة التى أُخذت غلولا ( خيانة فى المغنم ) يوم البصرة ، فقضى برفض دعواه مع أنه أمير المؤمنين ( لأنه خصم ) ، ورفض شهادة
« الحسن » سبط النبى (لأنه ظنين بقرابته من علىّ) ، ورفض شهادة « قنبر » غلام أمير المؤمنين لأنه ظنين بولائه له .


لم يعن معاوية بشىء من ذلك ، ولا قام بأى جهد للتحقق والاستيثاق ، وقبل القضية على أنها من المسلّمات التى لا تستوجب ولا تستلزم تحقيقًا ولا استيثاقًا .


وروى أن عبد الرحمن بن حسان العنزى (وقيل الفرى) وكريم الخثعمى من المحبوسين ، طلبا أن يبعثوا بهما إلى معاوية فإنهم يقولان مثل مقالته ، فلما دخلا عليه قال الخثعمى : « الله الله يا معاوية ! فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ، ثم مسئول عما أردت بسفك دمائنا ! » فقال له معاوية : ما تقول فى علىّ ؟ قال : أقول فيه قولك . قال : أتبرأ من دين علىّ الذين يدين الله به ؟ فسكت الخثعمى ، وقام شمر بن
عبد الله من بنى قحافة فاستوهبه فوهبه الله على أن لا يدخل الكوفة فاختار الموصل فأقام فيها حتى مات . ( ابن الأثير ٣ / ٤٨٥ ، ٤٨٦ ) .


دفن الحىّ !


أما ثانى الرجلين : عبد الرحمن بن حسان العنزى ( وقيل الفرى) ، فقد سأله معاوية عما يقول فى على ، قال الرجل : « دعنى ولا تسألنى فهو خير لك » . فقال معاوية : والله لا أدعك . قال : « أشهد أنه كان من الذاكرين الله تعالى كثيرًا ، من الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس . قال معاوية : فما قولك فى عثمان ؟ قال : هو أول من فتح باب الظلم ، وأغلق أبواب الحق . قال معاوية : قتلت نفسك ! » ، ورده معاوية إلى زياد وأمره بقتله شر قتلة فدفنه حيًّا ! ( البداية والنهاية ٨/٤٦ ، الطبرى ٥/٢٧٧ ) .


أما « حُجْر » والباقون ، فقد شفع فى بعضهم أهل الشام ، فقبل معاوية شفاعتهم ، وتشفع « مالك بن هبيرة » فى ابن عمه « حُجْر » ، ولكن معاوية لم يقبل شفاعته فيه ، فغضب مالك وقال لمعاوية مغاضبًا : « والله ما أنصفتنى ! قاتلت معك ابن عمك يوم صفين حتى ظفرت وعلا كعبك ولم تخف الدوائر ، ثم سألتك ابن عمى فمنعتنى ! » . ثم انصرف فجلس فى بيته . ( ابن الأثير ٣/٤٨٤ ، ٤٨٥ ) .


المقتلة !


وقيل إنه بقى فى المحبوسين بمرج عذراء ثمانية على رأسهم « حُجْر » فبعث معاوية هُدْبة بن فياض القُضاعى ، والحصين بن عبد الله الكلابى ، وأبا شريف البدّىّ ـ ليقوموا بقتلهم ، فأتوهم عند المساء ، وزُعم أنهم قالوا لهم قبل القتل : « إناّ قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علىّ واللعن له ، فإنْ فعلتم تركناكم ، وإنْ أبيتم قتلناكم » فقالوا : لسنا فاعلى ذلك .


وأمام أعينهم ، أُمِرَ بحفر قبورهم فحفرت ، وأُدنيت أكفانهم ، وقاموا الليل يصلون ، فلما أصبحوا ، أخذ كل رجلٍ رجلاً ليقتله ، وقيل إن الحبيس « قبيصة بن ضُبَيْعة » وقع فى يدى « أبى شريف البدّىّ » ، فطلب إليه « قبيصة » أن يدع هذه المهمة لغيره ، وليقتله سواه ، لما بين قوميهما من شر ( سيدعوهم إلى الثأر ) ، فحمد له « البدّىّ » ذلك ، وقال له : بَرّتك رحيم ! ، وأخذ الحضرمى فقتله بدلاً منه ، بينما قتـل القضاعىّ ـ قبيصة بن ضُبَيْعة . (الطبرى ٥/٢٧٥ ، ابن الأثير ٣/٤٨٥ )


واتفقت الروايات على أنه حينما جاء الدور على « حُجْر بن عدىّ » ، طلب أن يَدَعُوه يتوضأ ويصلى ركعتين ، فلما فرغ من صلاته قال لهم : « والله ما صليت صلاة أقصر منها، ولولا أن تروْا أن ما بى جزع من الموت لأحببت أن أستكثر منها . ثم قال : أما والله لئن قتلتمونى بها (بمرج عذراء) فإنى لأول فارس من المسلمين هلك فى واديها ( يشير إلى قتاله هنا فى القادسية ) ، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها » .


وروى الرواة أنه حين مشى إليه الأعور « هُدبة بن فياّض » بالسيف ، أرعدت خصائله ( جمع خصيلة وهى كل عصبة فيها لحم غليظ ، والمقصود ارتعدت فرائصه ) ، فقالوا له كالمعايرين : « زعمت أنك لا تجزع من الموت ، فابرأ من صاحبك وندعك » .


فقال لهم : « مالى لا أجـزع وأنا أرى قـبرًا محفـورًا ، وكفنًا منشورًا ، وسـيفًا مشهورًا ! وإنى والله إنْ جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب » ، فقتلوه ، وبلغ عدد القتلى سبعة .


دموع الإسلام والمسلمين !


حين علمت السيدة عائشة بهذه المأساة قالت عن حُجْر : « أما والله إنْ كان ما علمت لمسلمًا حجّاجًا معتمرًا » .


وحين بلغ النبأ العارف بالله الحسن البصرى سأل : أصلوا عليهم ، وكفنوهم ، واستقبلوا بهم القبلة ؟ قالوا : نعم ؛ قال : حجّوهم ورب الكعبة !


وبعد ، فقد كثر الحديث عن هذا الحادث الأليم ، ونظر المسلمون فوجدوا فى هذه المأساة المنكرة أن أمراء المسلمين يعاقبون ويقتلون الناس على معارضة لا إثم فيها ، وأن القتل تردى فى قتل الصالحين صبرًا ، واستساغ أن تحفر قبورهم ويؤتى بأكفانهم أمامهم ، وأن القتل قد تردى فى دفن الناس أحياء ، وأن منهم من استباح أن يشهد وجوه الناس وأشرافهم على زورٍ وبهتان لا صدق ولا حق فيه ، وأن تنسب إلى قاضٍ من قضاة المسلمين شهادة لم تصدر عنه ، وعلى غير علم ولا رضا بما نسب فيها ـ كذبًا ـ إليه ، وأن معاوية لم يحرك ساكنًا حين وصله كتاب القاضى يعترض على ما نسب إليه ، ويبدى أن المشهود عليه ـ من الصالحين صوام قوام بالفرائض ، آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر ، وأن دمه وماله حرام !


ولست أحب أن أتوقف عند ما نقل من أن معاوية اعتذر بأن زيادًا حَمّله فاحتمل ، أو أنه غاب عنه حلماء قومه ، أو أنه ندم ندمًا شديدًا أو قليلاً على قتله هؤلاء الصالحين بغير حق ، فما هذه بأعذار تقيل من هذه العثرة ، ولا هو ندم قام عليه الدليل المقنع ، بل حملت صفحات التاريخ أنه بعد هذه المأساة المنكرة التى وقعت عام ٥١ هـ (٦٧١ م) ، نهض معاوية سنة ٥٦ هـ ليلوى المسلمين وكبار الباقين من الصحابة وكبار أبناء المهاجرين ، على البيعة ـ فى حياته ـ لابنه يزيد ، على ما به وعليه ، رافضًا كل ما عرض عليه للاقتداء بسنة النبى أو منهج الشيخين ، وليحول الحكم إلى ملكية وراثية لم يأت بها الإسلام ، ولم يسمح بها ، ولذلك حديث آخر طويل .