مصر وأمريكا وإسرائيل قصة الصراع المستمر فى الشرق الأوسط (٦-٧) إسرائيل وثورة يوليو

27/12/2015 - 10:02:36

  العدوان الثلاثى هدم البيوت لكنه لم يهدم عزيمة مواطنى القناة العدوان الثلاثى هدم البيوت لكنه لم يهدم عزيمة مواطنى القناة

بقلم - د. جمال شقرة أستاذ التاريخ الحديث وا لمعاصر ومدير مركز بحوث ا لشرق الأوسط بجامعة عين شمس

ولم تنتظر إسرائيل في الواقع كثيراً، فسرعان ما أتاح لها تصاعد الخلاف والصدام بين “عبد الناصر” والغرب الذي تتابع وتصاعد بعد فشل مهمة “أندرسون” على شكل أفعال وردود أفعال سريعة ومتلاحقة فرصة نادرة لم تتردد في اقتناصها. ففي مواجهة الاتجاه إلى تحديد صادرات السلاح إلى الشرق الأوسط - بعد زيارة خرشوف إلى لندن- أعلن “عبد الناصر” اعترافه بالصين الشعبية يوم ١٩مايو١٩٥٦ وكان هذا الاعتراف صفعة جديدة عنيفة للغرب، اعتبرته الدوائر الغربية مظهراً وبرهاناً جديداً على انحراف “عبد الناصر” واندفاعه صوب الشرق. وفي الشهر التالي أجرى “عبد الناصر” في القاهرة محادثات مع وزير الخارجية السوفيتي “شبيلوف” حول صفقة أسلحة ثانية لمصر، وحول إمكانية تمويل السوفيت لمشروع السد العالي، ولم تكن أعين أجهزة المخابرات الغربية بعيدة عما دار بين “عبد الناصر” و “شبيلوف”.


ورداً على سياسات “عبد الناصر” التي أعقبت عقد اتفاقية الجلاء، بداية بمحاربته لحلف بغداد، ومروراً بحضوره مؤتمر باندونج، وعقده لصفقة الأسلحة التشيكية، وإفشاله لمهمة “اندرسون”، وانتهاءً بإعلان اعترافه بالصين الشعبية وشروعه في عقد صفقة أسلحة جديدة مع السوفيت، وتلويحه بإمكانية اعتماده على السوفيت في بناء السد العالي، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية في التاسع عشر من يوليو ١٩٥٦ سحب عرضها بتمويل مشروع السد العالي بطريقة مهينة لمصر، وتبعتها انجلترا، واضطر “يوجين بلاك” إلى سحب مساهمة البنك الدولي أيضاً.


تأميم قناة السويس


لقد رد “عبد الناصر” على قرار الولايات المتحدة المهين - وهو قرار سياسي اقتصادي في آن واحد - بقراره التاريخي بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس، في السادس والعشرين من يوليو سنة ١٩٥٦، وهو قرار سياسي اقتصادي تمخضت عنه نتائج كثيرة على درجة كبيرة من الأهمية، يهمنا هنا ما يتعلق منها بسياسات إسرائيل تجاه مصر.


كانت إسرائيل قد عادت قبيل تأميم القناة إلى تكرار هجماتها الخاطفة على الحدود المصرية، وقامت باحتلال منطقة “العوجة”، ورفضت السماح لمراقب الأمم المتحدة بالبقاء فيها. وفشل “همرشولد” في الوصول إلى حل مع “بن جوريون” وطوال شهر أغسطس تصاعدت أحداث العنف واستمرت إسرائيل في بناء الاستحكامات العسكرية في المناطق المنزوعة السلاح، للدرجة التي دفعت الجنرال “بيرنز” إلى وصف السلوك الإسرائيلي في قطاع غزة في هذه الفترة بأنه “انقلاب” ولم تأت رسائل “همرشولد” العنيفة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بأي نتيجة بل راحت جهوده سدى.


التخطيط للعدوان الثلاثي على مصر


كان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد قرر الحرب ضد مصر، وكان الانتهاء من احتلال منطقة “العوجة” جزءاً من التمهيد بها، حيث ثبت لإسرائيل فشل سياسة “الردع المحدود” وبدأت تخطط للقيام بعمليات عسكرية واسعة، فبعد ثلاثة أيام من تأميم “عبد الناصر” للقناة، عرض “موشي ديان” على رئيس الوزراء الإسرائيلي، ثلاث عمليات كبيرة يمكن أن تقوم بها إسرائيل قبل أن تتلقى الضربة الأولى من مصر، كانت العملية الأولى تتمثل في قيام إسرائيل باحتلال شبه جزيرة سيناء حتى القناة، وإخضاع القناة بعد ذلك للرقابة الدولية، وكانت العملية الثانية عبارة عن قيام القوات الإسرائيلية بالاستيلاء على شرم الشيخ ووضع حد للحصار المصري المفروض على خليج العقبة، أما العملية الثالثة فكانت الاستيلاء على قطاع غزة.


لكن “بن جوريون” ومع أنه كان يتحرق شوقاً لإسقاط “عبد الناصر”، إلا أنه نصح “ديان” بالتريث قليلاً، نظراً لعدم تسلم إسرائيل للأسلحة الثقيلة والعتاد اللازم لشن حرب كهذه، ومع أن “بن جوريون” كان يرى أن إقدام “عبد الناصر” على تأميم القناة. قد خلق أوضاعاً دولية مواتية تسمح بتنفيذ خطط “ديان” إلا أنه قرر الصبر وانتظار أوضاع أخرى مناسبة.


خطة العدوان الثلاثي وأهدافه


وحسب ما ذكره “ديان” فإنه كان يتعين على إسرائيل، ما بين يوليو وأكتوبر ١٩٥٦، “ملاحقة الأوضاع المناسبة” بكل همة ونشاط، بين لندن وباريس. حيث قررت الحكومتان الإنجليزية والفرنسية القيام بعملية عسكرية للاستيلاء على قناة السويس، والاحتفاظ بها وإسقاط “جمال عبد الناصر” كان عليهما استدعاء الاحتياطي، وحشد قواتهم في قبرص ومالطا، وإعداد السفن لعمليات بر – مائية كبيرة، في مستوى عمليات حرب عالمية. كانت إسرائيل وهي تلاحق تصاعد الصراع بين “عبد الناصر” والغرب على النحو السابق حسبما صورها “ديان” بدقة أشبه “براكب الدراجة الذي يسافر إلى أعلى الجبل، فيجد في طريقه عربة يستطيع أن يستخدمها” ... وعندما يصل إلى هدفه يتركها ويشق طريقه بنفسه ، واعتقد أنه ليس مهماً من الذي سعى إلى الأخر السيارة أم الدراجة، بل الأهم أن التواطؤ الثلاثي قد حدث بالفعل. حيث انتهى الأمر بإشراك إسرائيل في العملية التي اختاروا لها الاسم الرمزي “هاميلكار” ثم عدلوه بعد ذلك ليصبح، الفارس “Musketeer”. ولقد تحددت الخطوط الرئيسية لهذه الخطة - قبل إشراك إسرائيل - في القيام بهجوم بحري على مدينة الإسكندرية، تعقبه عملية إنزال واسعة النطاق، بنفس الأسلوب الذي اتبع في عمليات الحرب العالمية الثانية، وبعد ثلاثة أيام تتم عملية إنزال أخرى تستهدف احتلال منطقة قناة السويس، في الوقت الذي تكون فيه القوات المصرية قد ابتلعت الطعم وتوجهت لصد الإنزال الأول. ولقد أقرت الحكومتان الفرنسية والبريطانية هذه الخطة وتم اعتمادها يوم ١٥ أغسطس، وبدأت عملية شحن معدات الطيران الفرنسية إلى قاعدة قبرص اعتباراً من يوم ٢٤ أغسطس، وتقرر أن تغادر الأنساق الأولى للقوات البريطانية مرساها اعتباراً من أول سبتمبر، كما تغادر الأنساق الأولى للقوات الفرنسية المرابطة في الجزائر قواعدها يوم ٥ سبتمبر وتقرر أيضاً أن تلقى القنابل الأولى على مصر يوم ١٣ سبتمبر ويتبع ذلك الغزو البري في صباح الخامس عشر من نفس الشهر، وكانت هذه الخطة تعتبر الإسكندرية مجرد هدف مبدئي، أما الهدف الأساسي فهو القاهرة وذلك حتى تتمكن انجلترا وفرنسا من إسقاط نظام الحكم بعد تدمير القوات المصرية . إلا أنه بعد إشراك إسرائيل تم استبدال الإسكندرية ببورسعيد، وأدخلت عدة تعديلات فنية أخرى على الخطة “فارس” لتصبح “فارس المعدلة” حتى تتوافق مع الخطة الإسرائيلية “قدس المعدلة”.


وفي الرابع والعشرين من أكتوبر ١٩٥٦، تم إقرار الخطة النهائية في اجتماع سري ثلاثي عقد في ضاحية “سيفر” بالقرب من باريس . حضره عن الجانب الإسرائيلي “بن جوريون” و “موشي ديان” و “شيمون بيريز” ومن الجانب الفرنسي “جي موليه” رئيس الوزراء و “كريستيان بينو” وزير الخارجية، و “برجيس مانوري” وزير الحربية، وعن الجانب البريطاني شارك “سلوين لويد” وزير الخارجية، و “باتريك دين” وكيل وزارة الخارجية، وكانت الفكرة الأساسية لخطة العدوان تعتمد على قيام إسرائيل باستدراج الجيش المصري إلى شرك تنصبه له بمهارة داخل سيناء، وبعد ذلك يبدأ هجوم القوات البريطانية الفرنسية المشتركة على منطقة القناة، بهدف الاستيلاء عليها وعزل القوات المسلحة المصرية داخل سيناء لتصبح فريسة لا حول لها ولا قوة ويتم تدميرها بالكامل وعندئذ يسقط نظام “جمال عبد الناصر”.


فشل العدوان الثلاثي وصعود نجم عبد الناصر


بالفعل تم الهجوم في موعده، لكن المؤامرة الثلاثية، لم تحقق أهدافها الأساسية، فلم تتمكن إسرائيل من تدمير الجيش المصري، حيث تمكنت القوات المصرية من الإفلات من الفخ الذي نصب لها بمهارة في سيناء، وقام “عبد الناصر” بالإعلان عن إلغاء اتفاق ١٩ أكتوبر ١٩٥٤، الذي كان ينص على السماح لانجلترا بالعودة إلى قاعدة القناة واستخدامها في حالة وقوع هجوم مسلح على مصر أو أي دولة من الدول العربية، الموقعة على ميثاق الضمان الجماعي المشترك أو تركيا، وخلصت القناة لمصر التي أصبحت لأول مرة في تاريخها منذ قرون عديدة دولة مستقلة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، والأهم أن “عبد الناصر” لم يسقط، بل إن حرب السويس ساعدت على تألق نجمه وذيوع صيته في العالم كله، وأصبح بتعبير الوزير البريطاني “أنتوني ناتتج” يلقى كل تقدير واحترام باعتباره صلاح الدين “العصر الحديث” لقد أصبح شهيد الانتقام الغربي بطلاً ومخططاً لإذلال الغرب وهزيمته، وأصبح مجرد ذكر اسمه يلقى وتراً سحرياً في كل وطني عربي، وعلقت صوره في الأسواق والمقاهي والمحال التجارية وداخل السيارات الأجرة من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندى.. وبديهي فإن فشل إسرائيل في تحقيق هدفها الرئيس أي القضاء على “عبد الناصر” كان وراء تخطيطها لمؤامرة تالية سوف تنسج خيوطها ما بين ١٩٥٦ وحتى يونية ١٩٦٧.