عن دور الأزهر.. والتكفير.. وحديث الفرقة الناجية

27/12/2015 - 9:55:19

د. صفوت حاتم باحث وكاتب سياسى

لعل أهم محنة واجهتنا فى تاريخنا الإسلامى ..هى محنة ظهور الفِرق والشيع مبكرا منذ ما سمى بـ»الفتنة الكبرى» فى عهد الخليفة الثالث «عثمان بن عفان» ..رضى الله عنه، ولقد امتدت تلك «المحنة»  إلى عهد الخليفة الرابع «على بن أبى طالب» ..كرم الله وجهه .. وامتدت بعده ..لتطيح بوحدة الجماعة الإسلامية ..حتى عصرنا الراهن  .. وتهدد مستقبلنا كله ..فيما لو ظلت دون حل  .


  وحين نرجع إلى مؤرخى  «الفرق» .. بكسر الفاء وفتح الراء ...نجدهم يبدأون عادة بحديث يروى عن الرسول ..عليه الصلاة والسلام ..بروايات تختلف كثيرا أو قليلا فى لفظها ..وتتفق كلها على معنى واحد مؤداه: أن الأمة الإسلامية  ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة ..كلها على ضلال ..ومصيرها إلى النار .. إلا فرقة واحدة فقط .. هى الفرقة الناجية من النار، ويصف الإمام «عبد القاهر البغدادي» الفرقة الناجية ..فى كتابه « الفَرق بين الفِرَق « ..بفتح الفاء فى الأولى وكسرها فى الثانية .. بأنها الفرقة من: أهل السنة والجماعة من أهل الرأى والحديث  .. دون من يشترى لهو الحديث ....» ويعدد الإمام «عبد القاهر البغدادي» هذه الفرق ..فى عصره .. ليصل بها إلى ثلاث وسبعين فرقة ..لتتفق مع حرفية الحديث النبوى الشريف، ويراها جميعا فى النار ..عدا فرقته هو ..فيراها الفرقة الناجية !!  


فإذا عدنا إلى عصرنا ..فلاشك أن عدد تلك الفِرَق قد تضاعف عشرات أو مئات المرات ..بما يتجاوز العدد  «ثلاثة وسبعين»، وأظن .. إن هذا الحديث لايزال يفعل أفاعيله فى عصرنا ..وسبب ظهور كثير من الفرق «التكفيرية» التى تخرج غيرها من الملة ..وتعتبر نفسها الفرقة الصحيحة ..الناجية من النار.  


وفى دراسة حديثة للدكتور «حاكم المطيري» الأستاذ بكلية الشريعة فى الكويت  .. قسم التفسير والحديث .. بعنوان: حديث الافتراق ..بين القبول والرد .. دراسة  نقدية حديثة إسنادية يقول فيها: «وهذا الحديث ..على شيوعه ..إلا أن الشيخين ..البخارى ومسلم .. تنكبا عنه .. أى ابتعدا عنه ..ولم يخرجاه، وحكم «ابن حزم» بعدم صحته قائلا : « ...لا يصح أصلا من طريق الإسناد  ... ولا حجة عند من يقول  بخبر الواحد». وغمز فى قوة صحته  شيخ الإسلام ابن تيمية . أى طعن فى صحته، وفى  مقابل هؤلاء ممن ينكرون هذا الحديث  ..فهناك من قبله وصححه  كالترمذى وابن حيان والحاكم ..وتبعهم جماعة من المتأخرين . « الدكتور حاكم المطيرى ..حديث الافتراق ..بين القبول والرد ..دراسة حديثة إسنادية ..بحث محكم فى مجلة صنعاء للقانون والدراسات الإسلامية ..العدد ١٠ ..٢٠٠٩ “.


وملخص هذا البحث الطويل ..أن حديث الفرقة الناجية  ..اجتمعت فيه ثلاث علل: أولا: ضعف  فى الرواية والراوي، ثانيا : أنه حديث أحاد، ثالثا: رجحان حجة المخالفين للحديث  والمعترضين عليه .. كالبخارى ومسلم وابن حزم، هذا من حيث سند الحديث وصحته، أما من حيث «متن» الحديث ...أى  مضمون  واستقامة المعنى، فيرى كثير من علماء الحديث أنه حديث شاذ المضمون .. ويتعارض مع كثير من الآيات التى تتحدث عن أمة الإسلام  باعتبارها « خير أمة أخرجت للناس» .. ويتعارض مع قوله تعالى:  «وجعلناكم أمة وسطا «، .فإذا كان نص  الحديث يذكر أن  افتراق اليهود  كان على إحدى  وسبعين فرقة ..وافتراق النصارى  على اثنتين وسبعين فرقة .. وأن افتراق الأمة الإسلامية  سيكون على ثلاث وسبعين فرقة، فإذا كان من الشرور افتراق  اليهود على إحدى وسبعين فرقة ..والنصارى على اثنتين  وسبعين  فرقة .. فإن الأشر منه أن  تفترق الأمة الإسلامية على ثلاث وسبعين فرقة ..وتظل .. رغم ذلك .. خير أمة أخرجت للناس !!


هكذا يقول المنكرون لهذا الحديث، والعلة الثالثة فى صحة «متن» هذا الحديث . أن كل راوٍ للحديث  كان يذكر  فى متنه فرقا  وشيعا مختلفة ..عن سابقيه من الرواة ..ويراها من أهل النار  !!!!


دور الأزهر ..وموقفه من حديث الفرقة الناجية  


ولاشك أن علماء الحديث فى أزهرنا الشريف يعلمون بحقيقة الجدل الذى دار ..ويدور ..حول صحة هذا الحديث .
ولا شك أنهم  يعلمون ..أيضا ..حجم الضرر الذى أصاب ..ويصيب الأمة الإسلامية من وجود هذا الحديث فى تراثنا الفكري، والأزهر يعلم ..ضمن ما يعلم ..أن معظم الفرق «التكفيرية» ..أو كلها ..تستند على هذا الحديث ..وتجد فيه المسوغ والتبرير لكل أفعالها الخارجة عن كل منطق إنسانى من قطع للرءوس ..وحرق للأحياء ..وإبادة للبشر .


  وأظن ..دون أن يكون ظنى إثما ..أن هجر هذا الحديث الضعيف ..وعدم قبوله ..لا يؤثران شيئا في أصولنا الإسلامية وقيمها الرحيمة السمحة. 
وبالمقابل فرفضه  يخلص تراثنا ..وحاضرنا ..ومستقبلنا من شوائب دمرت وتدمر وحدته وتجانسه . وتنزع من أصحاب الفرق التكفيرية سلاحها الفعال الذى تستخدمه فى التغرير بالشباب وتبرير جرائمهم وجناياتهم فى حق الإسلام والمسلمين ..وحق البشرية .


وإذا كان الأزهر قد «تعفف»  عن  إصدار حكم بتكفير «داعش» ..رغم جرائمها . فمن باب أولى يجب أن يتعفف عن «تكفير» ما يظهر من اجتهادات  جديدة لا تتوافق  مع أفكاره أو مناهجه الفكرية السائدة فى أروقته  .
وجدير بالأزهريين ألا ينظروا  لاجتهادات  «غير الأزهريين» نظرة الشك والريبة وعدم الرضا، ولنا فى الفتاوى الجريئة التى أصدرها علماء الأزهر كالإمام محمد عبده والإمام محمود شلتوت ..وغيرهم وغيرهم ..نموذج وقدوة على تحرر العقل والفكر وتقديم مصلحة الأمة وتغليب العقل على النقل .


وحرى بالأزهر أن يصدر ..الآن .. فتوى بتضعيف هذا الحديث وعدم قبوله .وله فى مواقف وآراء السابقين ..واختلافهم عليه ..قدوة فى ذلك، وينزع  من المتطرفين والتكفيريين .. سلاحهم فى إقصاء الآخرين وتبرير قتلهم وسفك دمائهم .