الاختراق الصهيونى للمسيحية «٢-٢»

27/12/2015 - 9:42:11

جمال أسعد جمال أسعد

بقلم - جمال أسعد

ناقشنا فى المقال الفائت لماذا يصر الأقباط على زيارة القدس بالرغم أن وجود قرار من المجمع بالكنيسة المصرية يحظر هذا السفر على الأقباط وقد بينا أن هذا يعود إلى عدم قناعة الكثيرين من الأقباط بهذا الخظر أما لعدم معرفتهم بأسباب المنع نتيجة لغياب الوعى السياسى بالقضية الفلسطينية . أو لعدم قناعتهم أساساً بهذه القضية بل إن هناك من لا يتعاطف مع هذه القضية من الأساس وذلك لأسباب سياسية أهمها أن زخم القضية قد تآكل لدى الرأى العام نتيجة للأحداث التى شاهدتها المنطقة مثل غزو العراق للكويت والاحتلال الأمريكى للعراق بحجة وجود أسلحة دمار شامل والادعاء بتطبيق الديمقراطية وتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق سنية وشيعية وكردية و إلى تقسيم السودان إلى شمال وجنوب وتطبيقاً لما يسمى بالفوضى الخلاقة.


لقد تم استغلال الربيع العربى وشاهدنا الفوضى الحقيقية غير الخلاقة فى سوريا واليمن وليبيا إضافة إلى إشعال نار الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة فكل هذه الأحداث وتلك النتائج قد أسقطت وأساءت إلى فكرة القومية العربية ومقولة التوحد العربى خاصة بعد انتشار التيار الإسلامى السياسى الذى لا يؤمن بل يتناقض مع فكرة القومية من الأساس فى مقابل الوحدة والخلافة الإسلامية مما جعل الصراع العربى الإسرائيلى يتراجع قاسماً الطريق لما يسمى بالصراع الإسلامى الإسرائيلى السنى الذى جعل القضية الفلسطينية فى إطار الاسلمة وأصبحت قضية تقبع فى مربع المتاجرة الإسلامية بها حتى إننا رأينا هذا الصراع الفلسطينى الفلسطينى بين حماس فى غزة والسلطة فى رام الله وكل هذا يصب فى صالح إسرائيل . ناهيك عن هذا الصراع السنى نتيجة لسيطرة داعش على أراض فى العراق وسوريا وليبيا. نقول إن هذه الأحداث وتلك التطورات أرجعت القضية الفلسطينية للخلف وأسلمتها أعطى مبرراً لغير المسلمين بعدم الاقتناع وغيابه التعاطف خاصة عندما يكون هناك خلفية دينية نابعة وناتجة عن انتشار فكر دينى غير صحيح وذلك نتيجة لما يسمى بالاحتراف الصهيونى للمسيحية . فما هى تلك القصة ؟ الفكرة الصهيونية هى تلك الجماعة والحركة الصهيونية السياسية التى استغلت تفسيرا للنص الدينى التوراتى لصالح السياسى تبريرا لأن تكون فلسطين وطناً بديلاً لكثير من المناطق مثل أوغندا مثلا وطناً لهؤلاء اليهود الذين ضج منهم الأوربيون لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية . وقد جاءت الفكرة الصهيونية معتمدة على تفسير النص التوراتى لبعض الطوائف الأنجيلية (البروتسانت) . تلك الجماعة البروتستانتية والذين أطلق عليهم البروتانيون (المطهرون) وهم الذين رافقوا الاحتلال البريطانى لأمريكا . وهم الذين أسسوا الطائفة البروتستانتية فأقاموا الطائفة والجامعة والجريدة البروتستانتية فى أمريكا حتى أصبحت هذه الطائفة هى المسيطرة تماما على المشهد الأمريكى حتى إننا نشاهد أن الرئيس الأمريكى لابد أن يكون من الطائفة البروتستانتية عدى جون كيندى وقد تم اغتياله . وهذه الطائفة تعلى من التوراة وتفسير النص التوراتى ميلاً إلى اليهودية أكثر منه إلى التفسير المسيحى بشكل عام . حتى رأينا جماعة المحافظين الأمريكان البروتستانت والذين يسيطرون على المشهد الدينى والسياسى الأمريكى بداء من رونالدريجان تحت زعم ما يسمى بعقيدة الولادة الثانية حتى بوش الابن . فما هى تلك العقيدة ؟ لما كانت المسيحية لاحقة لليهودية حيث إن السيد المسيح كان يهودياً وبالتالى تعتبر المسيحية فى عقيدة المسيحيين هى المكملة للعقيدة اليهودية وبالتالى فالمسيحى يؤمن بالتوراة (العهد القديم) مع الإنجيل (العهد الجديد) ، حيث بدأ الاختراق من تفسير خاطئ لنص فى الإنجيل يقول فيه السيد المسيح (جئت لأكمل لا لأنقص) وقد تم تفسير ذلك أن المسيحى لابد أن يؤمن بالعهد القديم إيماناً حرفياً لا روحياً أى تم الفهم والتفسير والاختراق من استمرارية الإيمان بالنص الحرفى للعهد القديم لأى مسيحى وإلا لا يعتبر مسيحياً . أى أن على المسيحى أن يؤمن بكل حرف قد جاء فى العهد القديم ولنا فعلى المسيحى أن يؤمن بأن اليهود هم شعب الله المختار ولابد أن يؤمن بأن فلسطين هى أرض الميعاد التى وعد الله بها هذا الشعب حسب ما جاء بالتوراة . كما قد تمادت تلك التفسيرات المغلوطة والمخترقة فى غيها وقالت إن الولادة الثانية هذه ستتم حين يجئ السيد المسيح ثانياً إلى الأرض لكى يحكمها ألف عام كحاكم دنيوى (أميراً وأمبراطوراً) حتى يؤمن كل من فى الأرض به أما الأمر والأدهى هو أن السيد المسيح لن يأتى ثانية إلا بعد إعادة بناء هيكل سليمان وبالتالى إذا أعيد بناء الهيكل لابد أن يهدم المسجد الأقصى . ولذا فبناء على هذا الاختراق الاستعمارى وذلك التفسير الأخرق فعلى المسيحى المؤمن الحقيقى والذى ينتظر المجنىء الثانى للسيد المسيح والذى يريد أنت يولد الولادة الثانية عليه أن يؤمن بهذا الاختراق وبذلك التفسير الصهيونى بل عليه أن يؤمن بأن اليهود شعب الله المختار وأن فلسطين هى أرض اليهود وليست للفلسطينيين إطلاقا بل عليه أن يساعد ويساند هؤلاء اليهود سياسياً كى يسودوا وينتصروا حتى يبنوا الهيكل حتى يعود المسيح ثانية. هذا هو الأساس ،ذلك هو النص التوراتى الذى اعتمد هؤلاء الصهاينة بتلك العقيدة الصهيونية والتى لا علاقة لها بالتفسير المسيحى الصحيح للنص ولا علاقة لها بالفكر الدينى الصحيح والسليم للكنيسة المصرية الأرثوذكسية بل والكنائس التقليدية مثل الكنيسة الكاثوليكية . وعلى أساس هذه العقيدة المغلوطة نجد أن الأمريكان بكل إداراتهم وبجل أحزابهم لا يؤيدون إسرائيل والصهيونية بل يتوحدون سوياً . فالدفاع الأمريكى والانحياز التام لها لا يستند إلى أسباب سياسية فقط بل إلى أسباب عقيدة دينية تبرر الذوبان السياسى مع إسرائيل والصهيونية ولذا نرى وبناء على تلك؛ العقيدة التى تم اختراق المسيحية بها قد وجدنا كثيراً من أقباط المهجر المتأمركين والمتمرغين فى التراب الأمركيى والذين يؤيدون السياسة الأمريكية فهم ضد القومية والعروبة وضد فلسطين ومع إسرائيل سياسياً ويريدون الاعتماد على الجانب الدينى على اعتبار أن التوراة هى أيضاً كتاب يؤمن به المسيحيون . مما جعل هؤلاء المتأمركين ينشرون تلك الأفكار الدينية السياسية بين الأقباط فى مصر عن طريق بعض الجرائد وبعض الكتابات خاصة فى الفترة التى انتشر فيها تدخل هؤلاء المهجرين فيما يسمى بمشاكل الأقباط والادعاء أن أمريكا تدافع عنهم وعن مشاكلهم . أما الفكر الدينى الصحيح الذى تعتمد عليه الكنيسة المصرية هو أن فكرة بناء الهيكل مرة ثانية فهذا قد تم تاريخيا حسب نبوءات العهد القديم فقد تم هدم الهيكل قبل ذلك وقد تم إعادة بنائه. فهذا قد حدث ولم يعد ينتظر الحدوث الآن حيث إن مجئ السيد المسيح لا علاقة له ببناء الهيكل مرة ثانية .. أما المجئ الثانى للسيد المسيح . فالاعتقاد الأرثوذكس أن السيد المسيح يحكم الآن كل من آمن به ليس حكماً دنيويا ماديا ولكنه حكم روحى لأن المسيح مملكته ليست من هذا العالم. والألف عام التى يحددونها فهذا حكم مجازى لأن اليوم عند الله كالف عام والألف عام كيوم واحد . أما أن يظل حتى الآن أن اليهود هم شعب الله المختار وأن فلسطين هى أرض الميعاد لهم فهذا تفسير لا علاقة له بالمسيحية بل إن هذا الاعتقاد يدحض المسيحية من الأساس فوعد الله لليهود كان مشروطا بقبول رسله وأنبيائه والعقد شريعة المتعاقدين فهم رفضوا الجميع ويقول السيد المسيح عن اليهود “جئت إلى خاصتى وخاصتى لم تقبلنى” فعندما رفض اليهود السيد المسيح ولازالوا ينتظرونه فى المجىء الثانى لم يعودوا شعب الله المختار ولم تعد فلسطين أرض الميعاد بالطبع حيث إن هدم الهيكل وتشرد وتشتت اليهود كان بوعد أيضاً من الله “أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم من مرة أردت أن أجمع نبيك وأنت لم تريدى فليترك كم بيتكم خرابا “ إذن هنا قد انتفى وسقط العقد ولم يصبحوا شعب الله ولم تعد لهم أرض الميعاد. كما أن تفسير النص “جئت لأكمل لا لأنقص” فهذه التكملة ليست فى النص الحرفى ولكنها تكملة عقيدة الألوهية فالرسل والأنبياء والرسالات والأديان ومنذ آدم هى تكملة واكتمال لفكرة الألوهية بعبادة الله الواحد. فهل يمكن أن تكون تكملة نصية حرفية والعهد القديم يقول لو دخلتم قرية اقتلوا رجالها ونساءها وأطفالها وحميرها وبقرها وجاموسها وأحرقوا زرعها فى الوقت الذى يقول فيه السيد المسيح “حبوا أعداءكم باركوا لاعينكم أحسنوا إلى بغيضكم صلوا من أجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم” فكم البعد بين نص والآخر . ولذا فهذا هو الاختراق الصهيونى للمسيحيةباستخدام الدين لصالح السياسة . والذى لا علاقة له بالعقيدة الأرثوذكسية . وهنا نذكر بالمحاضرة القيمة التى ألقاها البابا شنودة الثالث عام ١٩٦٨ فى نقابة الصحفيين باسم اليهود فى العقيدة المسيحية والتى أسقط فيها تلك الدعاوى وهذه الأباطيل فهل نعى الفكر الدينى الصحيح . وهل نعى فكرة التوحد المصرى والعربى فى مواجهة المخططات الاستعمارية والصهيونية التى تستهدف الجميع مسلمين ومسيحيين . نعم إننا نحتاج إلى ثورة فى تحديث الفكر الدينى المسيحى والإسلامى عملاً لا قولا . حفط الله شعب مصر العظيم .