مسرح مصر .. مصنع المضحكين الجدد

24/12/2015 - 9:58:48

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تقرير - طاهـــر البهـــي

بعد نحو عام من ولادة تياترو مصر نستطيع أن نقول إن التجربة قد اكتملت وأصبحت الصورة أوضح وأجمل، صورة مولد جيل جديد من المضحكين جميعهم من الوجوه الشابة التي أثقلت خبراتها وازداد نضجها شيئا فشئا مع كل ستار يرفع ليكشف عن عرض جديد، وحسنا فعل صاحب التجربة الكوميديان الناضج أشرف عبد الباقي عندما جمع تلك الباقة من النجوم الشابة التي ينتظرها مستقبل واعد، عندما جمعهم مع عدد من أصحاب الخبرة ليظهروا كضيوف شرف ـ جنبا إلى جنب ـ مع النجوم الجدد..


التجربة الجديدة "مسرح مصر" لم تظهر دون جذور أو كنبت شيطاني في هذه الحقبة من عمر المسرح المصري، بل أنها جاءت في سياق التطور الطبيعي للمسرح المصري وأيضا عودة للجذور، فالفرق المسرحية الجماعية كانت نقطة الانطلاق وكانت الأساس القوي للبنيان الذي استند إليه المسرح المصري، وكان دائما ما يحن إليه من أول جورج أبيض وعزيز عيد ورفاقهما إلى المبدعين محمد صبحي ولينين الرملي، ثم المبدع خالد جلال الذي نجح في تحريك المياه الراكدة إلى نهر من الفن الجميل المتكأ على مجموعة من الموهوبين ـ ومعظمهم كان يتلمس أولى خطواته من دون خبرات سابقة ـ بعد ورشة ناجحة أقامها خالد جلال للمرة الأولى على خشبة مسرح مركز الإبداع مع بداية الألفية الثالثة.. ونظرة إلى تاريخ المسرح يثبت وطنيته ومسئوليته عن ضخ الدماء الجديدة.


 المرأة والتمثيل:


في حديقة الأزبكية المطلة على ميدان العتبة (1870م) ولد أول مسرح وطني وشهد هذا المسرح عام (1885م) أول موسم مسرحي لفرقة "أبو خليل القباني" بالقاهرة، كما قدمت فرقة "إسكندر فرح" وبطلها "سلامة حجازي" أشهر أعمالها على نفس المسرح من عام (1891م) إلى (1905م)، وقد حول "سلامة حجازي" غنائياته إلى صرخة وطنية وارتفع بمستوى المسرح في مختلف نواحيه، وقد كوَّن مع "جورج أبيض" فرقة جديدة باسم (أبيض وحجازي) وقدمت الفرقة العديد من النصوص العالمية في صورة غنائية، وبفضل "جورج أبيض" أخذ المسرح وجهته الفنية واستقلاله بأصوله ووسائله الخاصة، فأرسله الخديوي "عباس الثاني" إلى فرنسا حيث تلقى تعليمه بها، وجلب معه فرقة فرنسية أخذت تمثل النصوص الفرنسية في القاهرة والإسكندرية، وظهر إلى جوار فرقة (أبيض وحجازي) فرقة "أولاد عكاشة"، وفرقة "منيرة المهدية"، وفرقة "عبد الرحمن رشدي، ليأتي بعد ذلك فرق الكسار ويوسف وهبي والريحاني ليتخرج على أيديهم عدد من الممثلين الرواد.


وكان نتاج هذا الحراك المسرحي ظهور أول رواد المسرح المصري وهو "يعقوب صنوع" الشهير بأبي نظارة الذي حاول أن يجعل للمسرحية هدفاً اجتماعيا، ومن أهم إنجازات "صنوع" هي إشراك المرأة في التمثيل.


الثورة والمسرح


ومع بزوغ نجم ثورة يوليو 1952م، ظهرت فرقتان مسرحيتان كبيرتان هما: الفرقة القومية المصرية، وفرقة المسرح المصري الحديث، كما لمع جيل جديد من كتاب ومخرجي المسرح يختلفون عمن سبقوهم ويبدأون بالفعل مرحلة جادة في تاريخ المسرح المصري الحديث ومنهم: "لطفي الخولي"، "يوسف إدريس"، "نعمان عاشور"، "سعد الدين وهبة"، "ألفريد فرج"، ومن المخرجين: "نبيل الألفي"، "سعد أردش"، "عبد الرحيم الزرقاني".


تجربة محمد صبحي


وشهد المسرح المعاصر بدءا من السبعينيات محاولات لإحياء قيمة الفرق المسرحية، وكان في مقدمتها "الفنانين المتحدين" للمسرحي الكبير سمير خفاجى، ولكنها كانت تعتمد على مواهب موجودة بالفعل فنجومها عادل إمام كان ملء السمع والبصر سواء سينمائيا بعبارته "نفسي أبوس" في فيلم (نص ساعة جواز)، أو مسرحيا "بلد شهادات صحيح"، وكذلك سعيد صالح "أستك منه فيه / هاللو شلبي"، وكذلك الرائع أحمد زكي (هاللو شلبي في تقليد الراحل الجميل محمود المليجي).


ولكن يحسب للنجم الكبير محمد صبحي مع شريكه السابق الكاتب الكبير لينين الرملي أنه أول من أنشأ فرقة لاكتشاف وتدريب وتقديم الوجوه الجديد، فكانت تجربته الرائدة في عرضه المسرحي الذي أخرجه هو وكاتبه الرملي "بالعربي الفصيح"، والتي قدمت للفن مجموعة كبيرة من النجوم منهم: منى زكي وهاني رمزي وعدد آخر من النجوم، وحينما أراد أن يقدم شيئا أفضل لجمهور المسرح في وقت انسحبت فيه الأسر المصرية عن ارتياده كان مشروعه المتحضر "المسرح للجميع" الذي قدم من خلاله صياغة جديدة لثلاث روايات رائعة: سكة السلامة، كارمن ولعبة الست، وكان استقبال الجمهور يفوق الوصف من الاهتمام والإقبال.


ومؤخرا كشف النجم الكبير محمد صبحي عن عزمه استكمال التجربة بعد خمسة عشر عاما، بل وبدأ في اختيار المواهب الشابة، وأمضيت نصف يوم مع تلك المواهب في مسرح مدينة سنبل بالطريق الصحراوي، وكان يشارك في الاختبارات الفنان الكبير الراحل خليل مرسي وتم بالفعل اختيار 72 موهبة جديدة إلا أنه بعد أكثر من خمسة شهور من البروفات الكاملة تراجع الفنان المصري الكبير محمد صبحي عن حلمه لعدم وجود ميزانية.


خالد جلال:


وفي أواخر الثمنينيات وكل التسعينيات انتشر مسرح القطاع الخاص بشكل كبير وترسخت ظاهرة النجم الأوحد بعد تراجع النصوص الجماعية وأيضا تراجع المسرح الجاد إلى حد كبير حتى ظهور تجربة خالد جلال الذي تذوق حلاوة المسرح من خلال مسرح الجامعة بكلية التجارة بجامعة القاهرة حيث أنشأ فرقة مسرحية أطلق عليها "فرقة لقاء المسرحية" ثم سافر إلي روما للدراسة ومطالعة التجارب الفنية في الغرب، وعندما قرر العودة إلى مصر كان قد قرر الوزير فاروق حسني تعيينه مديرا لمسرح الشباب وكان عمره وقتها 28 سنة واعتبر أصغر مدير فرقة في هذا الوقت ثم تولى مركز الإبداع الفني في عام2002.


مسرح مصر:


وتأتي تجربة مسرح مصر التي هي أيضا تياترو مصر وكلاهما تبنتهما قناة فضائية لتستفيد من العرض مرتين الأول بتسويقه جماهيريا، والثاني الاستفادة من بثه فضائيا وهو عبارة عن مسرحية على شكل اسكتشات كوميدية منفصلة بحيث يكون لكل اسكتش اسم ومضمون مختلف، وتتنوع القصص ما بين الكوميديا أو إعادة صياغة لأعمال فنية شهيرة ولكن بصورة عصرية، يقوم بالبطولة الفنان أشرف عبدالباقي ونخبة من الممثلين الشبان، ويظهر الشكل الهزلي من العروض بدءا من عناوينها: كي جي تو، اقرأ الحادثة، خيانة زوجية، المرحومة، يخلق من الشبح أربعين، الخلطة السحرية، اتنين بلطجية، ممنوع الخروج، زي بعضه، بابا مش نويل، ماتش كورة، إيه إلي يزعل في كدة، جريمة قبل الأكل، مفيش دماغ، كل عام وأنتم تمام، بنات بشنبات.  


ويشارك شباب الفرقة مجموعة من الممثلين المحترفين منهم: سليمان عيد: حافظ (شيء من الخوخ) بنيامين (الجاسوس) - العمدة (الزوجة الثانية)، سامح عبد السلام: الدكتور (الشيكافوريا)، محمد الصاوي: الضابط رفعت (مخلص طحن) العفريت (الفانوس السحري)، سامي مغاوري: المؤرخ (لامؤاخذة يا تاريخ)، غريب: في شخصية عبدالباسط حمودة (مخلص طحن)، أما النجوم الشباب هم: النجم المصري الشاب علي ربيع، النجم محمد أنور، كريم عفيفي، محمد عبدالرحمن، أُوس أُوس، محمد أنور، محمد أسامة، محمد متولي، مصطفى خاطر، حمدي الميرغني، دينا محسن، ويشاركهم النجم الكبير أشرف عبد الباقي وعدد كبير من النجوم الذين يشاركون في بعض العروض، ويكتب المسرحيات ويُخرجها مسرحياً نادر صلاح الدين، فيما يخرجها تليفزيونياً الفنان سعيد حامد.


ولم ينس مسرح مصر تقديم وجوه جديدة من الأطفال: حبيبة الحسيني: جهاد (وا إسلاماه)- فؤادة الصغيرة (شيء من الخوخ)، طوني عاطف: محمود (وا إسلاماه)، والآن يكفي للتجربة نجاحا أن شبابها يملأون السموات فنا وبريقا من خلال السينما أو التليفزيون.