فى البدء كانت إفريقيا..

22/12/2015 - 10:46:53

بقلم - أ.د السيد فليفل استاذ بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية

نعم أيها القارئ الكريم إفريقيا هى أم المصريين الحقيقية، هذه هى حقيقة الحياة التى يعيشها المصريون بغض النظر عن مدى إدراكهم لها. فمصر الغالية العزيزة هى ثمرة حوض النيل، وذلك على نحو ما صورها السياسى البريطانى الأشهر اللورد تشرشل فى كتابه «حرب النهر» نخلة باسقة جذورها فى حوض النيل وثمارها فى مصر بأقصى شمال وادى النيل.


أما أمير شعرائنا أحمد شوقى فقد نظر إلى نهر النيل فى رائعته:


مصر الرياض وسودانها عيون الرياض وخلجانها


فإذا كانت مصر روضة فالماء الذى يسقيها يأتى من السودان. ثم هو يصف النهر نفسه فيقول:


وما هو ماء ولكنه وريد الحياة وشريانها


وقد مثل هذا الإدراك قيمة كبرى لدى المصريين فى السابق، وهم بحاجة إلى أن يستعيدوه، ليس فقط من أجل ترشيد استخدام الماء وصولا إلى اقتصاد قوى، ولكن أيضا من أجل ترشيد العقل الذى اختل والضمير الذى اضمحل لدى البعض منهم، إذ يلوثون الماء الذى يشربون فباتوا يسيئون إليه إساءات متعمدة كأنما هم ينتحرون انتحارا جماعيا.


وفى الحقيقية فإن إفريقيا ليست أمنا على نحو من المجاز، ولكن فى الواقع أيضا أمنا، فهى التى تحتوينا فى بطنها الكبير، وما النيل إلا الحبل السرى الذى يبقى الجنين المصرى على قيد الحياة. تلك خلقة الله التى خلق عليها قلب القارة يفيض بالماء العذب عبر ثلاث هضاب هى الهضبة الإثيوبية والهضبة الاستوائية وهضبة بحر الغزال لتمتد من ثلاثتها الشرايين لتصل عبر المنابع النيلية إلى النيل النوبى وهو منتهى الحبل السرى الذى يطعم منه الجنين المصرى.


وإفريقيا بعد أيها المصرى الكريم هى أصل الإنسان على قول العلماء الثقاة فى نشأة الحياة الأولى، فعلى أرضها، وفى شرق القارة، وعند منابع النيل عثر على أقدم هيكل إنسانى أو على الأقل على ثانى أقدم هيكل إنسانى منذ ملايين السنين.


وإفريقيا أيضا هى أصل الحضارات، ففى نظريات علماء الحضارة الذين رجعوا إلى أصولها الأولى ونشاتها المبكرة قالوا بثلاث مناطق نشأ فيها أول عمران إنسانى، وذلك حول بحيرة تشاد فى العصر المطير، أو فى شبه الجزيرة العربية وقت أن كانت خضراء، أو فى بلاد الرافدين، أنهى الله غربتها وأعاد إلى العروبة عزتها. وفيما يتعلق بالمكان الأول الذى يعنينا كأفارقة فقد كان إقليم تشاد على ساحل البحر المتوسط القديم، ولدينا من دلائل بحرية فى قلب الصحراء الكبرى ما يثبت أنها كانت قاعا لهذا البحر ما يؤكد هذا القول. وهناك تعايشت الشعوب التى نراها الآن على أرض القارة الإفريقية عصورا ودهورا طويلة قبل أن يحل عصر الجفاف الذى نعيش فيها، وبدأناه قبل عشرات الآلاف من السنين. فانحسر المتوسط إلى مكانه الحالى، وصارت تشاد منطقة بحيرة صغيرة ترفدها أنهار صغيرة أيضا بقى عندها من شاء أن يبقى متمسكا بالمكان، بينما تقدم شمالا إلى ساحل المتوسط تباعا أولئك الذين ارتبطوا بالبحر وبالصيد فيه، ومنهم الأمازيغ، وأما المصريون والنوبيون فإنهم مشوا إلى نهر النيل فى الوادى. وأما السودانيون فاختاروا أن يعيشوا فى البيئة الخضراء المطيرة المناظرة لما كانوا يعيشون فيه فى العصور المطيرة، فانتقلوا إلى مناطق خط الاستواء حيث انعزل الدينكا والنوير والشلك والبارى وغيرها عشرات القرون حتى وصل إليهم المصريون فى ستينيات القرن التاسع عشر. وقد شاء الله لمصر أن يتوصل أهلها إلى إدراك العلاقة بين المطر والنبات وبين النهر ونمو المحاصيل فى أعقاب الفيضان ليكونوا بالتالى أول من اخترع الزراعة من أبناء القارة الإفريقية، ومن ثم راحوا يهتمون بالنهر فصار عبر تاريخهم يحمل اسم «حابى»، وهو اسم لا تزال الأم تنادى ابنها فى ريف مصر «حبا حبا مين يجينى» عندما يمشى خطواته الأولى. وجيلا وراء جيل توصلت مصر لأول مرة فى تاريخ الإنسانية إلى النظام السياسى المركزى الذى يهتم بالنهر زراعة وريا، وصرفا، ومجابهة للفيضان، وتخزينا للحبوب. ومع مركزية السلطة ظهرت الحضارة وبنيت الأهرام لتربط أرضنا بالسماء.


ولقد ردت مصر الجميل إلى أمها إفريقيا فمشى أبناؤها بالأهرام إلى قلب السودان، ومشى علماؤها بوسائل وتقنيات الزراعة إلى نهر النيجر، ومشى رهبانها إلى قلب الشرق الأدنى القديم وشمال إفريقيا برموزهم التاريخية من «آمون» و»إيزيس» و»أوزوريس»، يحملون معانى الحياة ومفتاحها، والابن «حورس»، ورصدوا حتى للشيطان حركة معادية لبنى البشر لكى يتقوا الشرير «ست». وتشير خرطوشة مصرية فائقة الحسن والجمال تنضح بمعان جسام وأفكار راقيات فى التحليل السياسى دون كلام، والعبرة لمن يفهم الرموز ويتواصل مع الأجداد. لقد صورت الخرطوشة الملك الفرعون متحدا مع «حابى» (النيل)، ومع ماعت (العدالة). وتشكل هذه الخرطوشة تجسيدا كاملا ناطقا لنظرية الحكم فى مصر القديمة، وهى تقطع بعدم ديكتاتورية السلطة المركزية بل إنها تقوم على العدل فى توزيع ماء النهر، وما كانت المركزية والسلطة إلا من أجل خدمة الزراع والعطاشى فى أقاليم الوطن، وإلا من أجل منع بعضهم من التعدى على بعض. ولقد كان الوزير يقسم أمام الفرعون أن يحفظ ماء النيل وأن يوصله إلى أرض الأيتام والأرامل وألا يترك أحدا يقطعه عن البشر.


ولا شك أن هذا التفاعل المصرى مع الكل الإفريقى كان تفاعل الجزء مع الكل والجنين مع الأم، وهو يؤكد ما ذهب إليه العلامة الشيخ أنتا جوب Anta Diop حول إفريقية الحضارة المصرية وامتداد تأثيراتها إلى شرق ووسط وغرب القارة تباعا.


ولا شك أن مصر فى العصور الوسطى واصلت حمل رسالتها الحضارية إلى قلب إفريقيا، فهى مؤسسة أول كنائس المسيحية على الإطلاق وهى كنيسة الإسكندرية وسائر إفريقيا، والتى كانت تدين شعوب حوض النيل بها قبل أن يحل الاستعمار الأوروبى بمذهبيه الكاثوليكى والبروتستانتى، ومن ثم برز نوعان من الكنائس: الكنائس الإفريقية (يعنى المصرية) والكنائس الأوروبية.


وعلى جانب العقيدة الإسلامية فلقد رعت مصر بأزهرها انتماءها الإفريقى ومدت وشائج الإيمان بالله ورسوله إلى قلب القارة، عبر الأروقة الأزهرية فى جنباته الشريفة، فرواق للسنارية (أبناء السودان على النيل الأزرق)، ورواق للفور (أبناء السودان فى الغرب)، ورواق التكارنة (أبناء غرب إفريقيا) الذين تواصلوا مع مصر من لدن المحيط الأطلسى إلى مدخلهم عند الجيزة حيث «بولاق الدكرور» وصحتها التكرور، ورواق المغاربة من حدود مصر الغربية إلى المغرب الأقصى، ورواق الزيالعة حيث أبناء «بونت» وشركاء حتشبسوت التجاريين من الصوماليين، وهناك رواق البورناوية (التشاديين)، ورواق للجبرتية (الإريتريين)، ورواق الأحباش (الإثيوبيين).


هكذا إذن كانت مصر حاضرة هنالك بين سودان وادى النيل شرقا، والسودان الغربى عند الأطلسى غربا، وفى قلب إفريقيا، وبامتداد نهر النيل تنشر العلم والمعرفة، وترتبط بالحبل السرى، فماء النيل فى عروقها يجرى هابطا إلى الوادى والدلتا، ومعارفها إلى أهل إفريقيا تصعد إلى كل مكان من أرض القارة.


ولم تكن القضية مع نشأة الاستعمار فى إفريقيا بأقل ارتباطا بين مصر وأهاليها فى إفريقيا: مقاومة للاستعمار وتجسيدا للمصير المشترك فى رفض السيطرة الأوروبية. ولقد تزامنت معارك عرابى مع معارك المهدى بالسودان، ومحمد بن عبد الله حسن بالصومال، ومصطفى كامل ومحمد فريد مع معارك سامورى تورى فى غرب إفريقيا ومعارك شاكا Shakaوسيتوايو CetshwayokaMpande فى بلاد الزولوZulu بالجنوب، وتيبو تيب Tippu Tip فى الكونغو، وعشرات غيرهم. ومثل سعد زغلول والوفد وثورة ١٩١٩ الإلهام التاريخى لشعوب القارة لتنهض بين الحربين العالميتين الحركات الطلابية ومظاهر الاحتجاج الأدبى والصحفى الحزبى ضد المستعمرين، وليجرب الأفارقة سجون الأوروبيين، مثلما جربوا نيرانهم فى المرحلة السابقة، وكانت مصر قبلة للوطنيين من السودان، وليبيا، وللإمبراطور هيلا سيلاسى ورجاله وقت الاحتلال الإيطالى لإثيوبيا، كما أن نهضتها مع طلعت حرب مدت البنوك إلى أديس أبابا، ومخرت سفنها عباب البحر الأحمر والمحيط الهندى ليتعلم طلاب البحرية المصرية منذ عهد محمد على وحتى الوقت الراهن التواصل مع مضيق باب المندب والبحار الشرقية جريا على عهد رحلة نخاو الفرعونية التى كشفت رأس الرجاء الصالح قبل البرتغاليين بألفى عام. ومصر أيضا هى التى استقبلت فى الجامعة الأهلية- المصرية- جامعة القاهرة وفود الدارسين من جوارها الإقليمى ومدت فرعا فى أم درمان لجامعة الأزهر تدافع عن الهوية وتقاوم المد التبشيرى لكلية غوردون التذكارية Gordon Memorial College(جامعة الخرطوم حاليا).


ثم هى مصر عبد الناصر الإفريقية الشامخة التى قال فيها مانديلا: إنها، وقد صمدت فى حرب السويس، علمتنا أن حجرا فى أيدينا أقوى من أسلحة المستعمرين، وهو الذى قال فيه مانديلا أيضا: «إن شابا أسمر الوجه مثلنا فى عمرنا نجح فى قطع ذيل الإمبراطورية البريطانية، وقال لنا بصوت مدو: «ارفعوا رءوسكم، واطلبوا من مستعمريكم أن يحملوا عصاهم ويرحلوا عن أرضنا»، وناصر هو شريك كينياتا فى كينيا، ونيريرى فى تنزانيا، وهيلاسيلاسى فى إثيوبيا، وهو الذى أهدى إلى السودان استقلاله وجلاء الإنجليز عنه قبل أن يتم جلاؤهم عن مصر ذاتها، محققا لهم طموحهم فى حق تقرير المصير والاستقلال، دون أن يكلفهم شهيدا واحدا فى الكفاح المسلح الذى فقد فيه الجزائريون مليونا من الشهداء، ممن لم يفت عبد الناصر أن يكون رصاصا فى بنادقهم، وبندقية فى يدهم، وهو ما فعله مع الأشقاء فى المغرب، وفى ليبيا، وفى جنوب إفريقيا، ومع الدكتور نكروما فى غانا، وسيكوتورى فى غينيا ليثبت للجميع وحدة المصير الإفريقى ضد قوى الظلام الاستعمارى والتبعية الأوروبية


وعجباً حاول الحاقدون من أذيال هذه التبعية أن ينسبوا إليه أنه تخلى عن السودان وارتبط خطأً بالقومية العربية، مبتعدا عن نهر النيل. فما أكذبهم فهذا بانى السد العالى الذى تحمل بخزانه الضخم فى بحيرة ناصر (١٦٦ مليار متر مكعب) نمو السكان فى ستين عاما بمعدل يقترب من أربعة أضعاف عددهم لأول مرة فى تاريخهم، بعدما كانوا يتضاعفون مرة كل نصف قرن فى العهد العثمانى. تباً لأردوغان وأوغلو وللعثمانية الجديدة، ولدعاتها من الإرهابيين والوهابيين الذين لا يرون أوطانهم إلا تابعة لهذا الأعجمى أو ذاك.


فعبد الناصر الزعيم العربى هو عبد الناصر الزعيم الإفريقى هو عبد الناصر الزعيم الإسلامى الذى طور الأزهر وجعله يستوعب مئات الألوف من مصر والعالم وبخاصة من إفريقيا. إنه عبد الناصر المعبر بسلاسة لا مثيل لها عن معضلة الهوية بدوائره الثلاث فى كتابه «فلسفة الثورة»: الدائرة العربية، الدائرة الإفريقية، والدائرة الإسلامية، بل إنه اعتبر إفريقيا جماع المصالح المصرية التى تجسدها الدوائر الثلاث، ففيها ثلثا العرب، وفيها النهر العظيم، وفيها الدعوة الإسلامية لغالبية السكان وهم من المسلمين فى القارة. وبالتالى تجسد قلب المصالح المصرية. أليست إفريقيا إذاً أمنا ونحن ينبغى أن نكون بررة بها، فنحن منها، ونحن فيها، ونحن بها.


وتحتاج هوية مصر ومكانة إفريقيا فيها وكيفية إدارة علاقاتنا معها منذ رحيل الرجل الكبير إلى وقفة قادمة.