استقالات وصراع المناصب يزيد انقسام «الإخوان» الجماعة المفككة

22/12/2015 - 10:32:07

تقرير: مـروة سنبل

لأن الإرهاب لا دين له، فطبيعي أن يكون ممارسوه بلا أخلاق، وهو ما ينطبق على «جماعة الإرهاب»، الإخوان سابقًا، التي تفشت الخلافات بينها مؤخرا، لتزيد من تفككها، الذي بدأ مع ثورة ٣٠ يونيو عام ٢٠١٣، فالخلاف على المناصب دخل مرحلة تهدد ما تبقى من الجماعة التي يتوزع أعضائها بين محبوسين في الداخل وهاربون في الخارج.


ووسط خلافات داخلية للجماعة، زادت من الانقسام بها خلال الأيام الأخيرة، صدر التقرير البريطاني الذى يشير إلى أن الانتماء إلى «الجماعة» أو التأثر بها مؤشرا محتملا للتطرف. وخلص التقرير إلى أن الجماعة لها علاقة وثيقة بالتطرف المشوب بالعنف ووضع أعضاء الإخوان تحت المراقبة.


الانقسام داخل الجماعة وقع بين المنتمين لها في مصر، والقيادات المتواجدة في الخارج، ما يعني أن الأزمة خطيرة، إلى حد جعل المراقبين يصفونها بأكبر أزمة تواجه الجماعة منذ تأسيسها.


وسبب الإنقسام الحاصل هذه المرة، أن مكتب الجماعة بالخارج بقيادة الهارب محمود عزت، قرر تعيين الهارب طلعت فهمي بمهمة المتحدث الإعلامي باسم الجماعة، وإعفاء محمد منتصر من مهمته كمتحدث إعلامي وتجميد عضويته، كما بث محمود عزت القائم بأعمال المرشد العام كلمة افتتاحية لموقع «إخوان سايت» الذي أسسته جبهته ليكون بديلا عن «إخوان أون لاين» الخاضع لسيطرة جبهة اللجنة العليا لإدارة الإخوان في الداخل، وهو أمر لم ترض عنه كوادر الجماعة في الداخل، ممن لم يتم القبض عليهم بعد. فقد أعلنت ١٠ مكاتب إدارية تابعة للإخوان رفضها قرار إعفاء محمد منتصر، وتجميد عضويته، فيما دعا جمال حشمت القيادي الإخواني لتشكيل لجنة للتحقيق من خارج التنظيم يرأسها يوسف القرضاوى وبها عضوين يختار أحدهما كل فريق لوضع الأمور في نصابها ومحاسبة المخطئ.


القيادات تستقيل


ووسط ذلك، أعلن ٤ قيادات بالجماعة استقالاتهم من عضوية مكتب إدارة الأزمة بالخارج احتجاجا على ما قالوا إنه رفض للعمل غير المؤسسي المخالف للوائح الجماعة، بالإضافة إلى رفض البيانات التي تسحب المشهد إلى المزيد من الانقسام، ووقع على بيان الاستقالة أيمن عبد الغنى، أمين الشباب بحزب الحرية والعدالة المنحل وصهر خيرت الشاطر، ومحمد البشلاوى، وعبد الحافظ الصاوي،وطاهر عبد المحسن من قيادات الجماعة. وانتقل الصراع إلى ساحات صفحات التواصل الاجتماعي حيث تحدي شباب الإخوان قادتهم بهاشتاج لدعم محمد منتصر، بينما أيد الفريق الآخر من أفراد الصف الثاني والثالث قرارات القيادة القديمة، في الوقت الذي تقف كتله صلبة من أفراد التنظيم صامتة، منتظرة ما يسفر عنه الصراع.


ويعلق سامح عيد، الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، على هذا الوضع، واصفا إياه بالزلازال الذي سيؤدي لانشطار جزئي للتنظيم ، موضحا: قد يكون هذا الانشقاق غير إيجابي على الدولة المصرية، لأنهم سيتجهون للعنف.


ويري عيد أن الزلزال هذه المرة كبير وذلك بسبب الفشل الذريع للإخوان بمصر والتي كانت ضربة قاسمة للتنظيم وإدارة المشهد بعد سقوط مرسي إدارة غير متزنة وغير مدركة لحقيقة الوضع، مشيرًا إلى أنه بعد سجن القيادات، لا توجد الشخصية الكاريزمية القوية التي تستطيع أن تستوعب أفراد وأعضاء التنظيم مما أدي لحالة الندية الموجودة حاليا بين القيادات وأفراد التنظيم ففكرة الشخصية الكاريزمية القوية وفكرة الإخضاع أصبحت غير موجودة، مشيرا إلى وجود صراعات وخلافات حقيقية داخل التنظيم دفعت بهذه الخلافات علي السطح مؤخرا ، «خاصة أن المجموعة التي تدير الإخوان بالداخل مجموعات طامحة للعنف وعدم المهادنة ومعبئة بطاقة كراهية وغضب لا يستوعبها الأعضاء الذين يديرون التنظيم من الخارج الذي أصبح مع المهادنة والانحياز بشكل واضح لعدم العنف والتبروء منه بناء علي توصيات دولية واضحة، فحدث تباين كبير بين رؤية الخارج المرتبطة بتوازنات دولية وعربية وبين الداخل الذين يتعرضون للسجن ومنهم مصابين ومنهم من قتل».


ولفت الى ان المستقلين من الجماعة هم: أيمن عبد الغنى أمين الشباب بحزب الحرية والعدالة المنحل، وصهر خيرت الشاطر نائب المرشد العام للجماعة، ومحمد البشلاوى، الصادر ضده حكم بالإعدام في قضية أحداث مكتب الإرشاد، وعبد الحافظ الصاوي، وطاهر عبد المحسن، القياديان بالجماعة. وواصل: هناك بالفعل خلاف حقيقي داخل التنظيم حول إدارة المشهد ، ولكن فكرة نهاية التنظيم في ضوء هذه الخلافات أمر مستبعد، لأن الإخوان تعرضت علي مدار تاريخها لحدوث انشقاقات كبيرة بينما استمر الذي لن ينته إلا إذا تم إجهاض الفكرة نفسها وهذا يحدث علي المدى الطويل.


بريطانيا تناور


وفيما يتعلق بالتقرير البريطاني تجاه الإخوان يقول عيد: التقرير لا يمثل شيء، هو تقرير مناور ولا يبني عليه شيء ضد الإخوان علي أرض الواقع، معللا ذلك بأن التقرير لم يأت بجديد فهو لم يحظر الأخوان في بريطانيا ولكنه خلص إلى انه لا ينبغي تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية ولا ينبغي حظرها بينما أشار إلي أن الانتماء إلى الإخوان أو الارتباط مؤشرا محتملا للتطرف، وأن قطاعات في جماعة الإخوان ثبتت علاقتها الوثيقة بالتطرف واللجوء للعنف، وهذا ما اعترف به الإخوان أنفسهم علي لسان قادتهم منذ عام ونصف بعد ثورة ٣٠ يونيو حيث أعلنوا أن مجموعة من أفراد التنظيم خرجت عن السلمية واتجهت للعنف، كما انتقد التقرير ممارسات الإخوان في مصر خلال فترة حكمهم وهو ما قاله راشد الغنوشي نفسه بعد شهر واحد من ثورة ٣٠ يونيو واعترف التنظيم الدولي صراحة أن التنظيم في مصر أخطأ في إدارة المشهد في مصر قبل ٣٠ يونيو فما جاء بالتقرير يتوافق مع ما أعلنه الإخوان أنفسهم .


ويرى الباحث في «الاسلام السياسي» أن ما يمكن بناؤه علي هذا التقرير هو أن تستفيد منه مصر المستوي الفكري والإعلامي، «فيكون حديثنا مع وسائل الإعلام الغربية والغرب عموما يكون من خلال تفنيد التقرير لأفكار الإخوان والتي أشار التقرير أنها تتناقض مع القيم الغربية في الديمقراطية والحرية وما شابه ذلك، فيمكن التعامل معه في إطار المواجهة الفكرية مع الإخوان في الخارج».


خالد الزعفراني المتخصص في الحركات الإسلامية، والقيادي السابق بالجماعة، يرى أن الصراع الحالي يرجع إلي تغيير في الفكر الجمعي لشباب الإخوان، وذلك بعد اقترابهم من الجماعات الجهادية والتفكيرية، كما كان الحال ظاهرا على منصة رابعة وغيرها ، وهو فكر جديد وارد علي شباب الإخوان وظل هذا الفكر الجهادي يغذي عن طريق فضائياتهم ، «وبالتالي فهذه الانقسامات التي يشهدها التنظيم حاليا بسبب التغيير في الفكر الجمعي للإخوان، وهذه ليست نهاية للتنظيم لكن الجماعة تضعف إلي حد كبير».


وأضاف الزعفراني: علينا أن ننظر إلي التقرير البريطاني بحق الإخوان من منطلق العلاقة الإستراتيجية بين بريطانيا وحركات الإسلام السياسي سنجد أن ما جاء بالتقرير لن يؤثر علي تواجد الإخوان في بريطانيا، إلا أنه سيحسن من موقف مصر الدولي، ويمكننا استغلال ما جاء بالتقرير إعلاميا في المواجهة الإخوان دوليا.


المرشد أساس للأزمة


أما هشام النجار الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، فيقول إن الانقسامات والصراعات بدأت منذ إعلان محمد بديع عن تشكيل ما سمى بلجان إدارة الأزمة وأسند فيها مهام إدارة الجماعة إلى مجموعات جديدة لم يسمها في حينها لكن عرفت بعد ذلك وأدى هذا التوجه إلى اشتعال العنف بشكل غير مسبوق من خلال ما عرف باللجان النوعية والخلايا المسلحة العديدة التي مارست العنف وثبت انتماء أعضائها للإخوان من خلال التحقيقات، وتبنى ذلك رسمياً المتحدث الجديد باسم الجماعة محمد منتصر خاصة منذ الذكرى الرابعة لثورة يناير أي في يناير ٢٠١٥ م.


وواصل: التوجه الجديد للجماعة أطلق تنظيما أو حركة باسم «نداء الكنانة» سعت لشرعنة العنف وإعلان ما يسمى بالجهاد المقدس ضد الدولة المصرية وكان لهذا التوجه أسباب إقليمية أكثر منها محلية حيث سعى الإخوان لنصرة مشروع أردوغان ودعمه في سوريا بإحداث تغيير بالقوة في مصر على غرار ما يُعرف بالمعارضة المعتدلة المسلحة في سوريا لتكون بديلا عن النظام الحالي وبديلا عن داعش في نفس الوقت أي أنهم سعوا لاستنساخ الحالة السورية تماماً في مصر.


ونوه إلى أن ما تعرضت له تركيا من نكسات في الحرب السورية خاصة بعد التدخل الروسي المباشر في الحرب هو السبب الرئيسي في فشل لجان إدارة الأزمة بجماعة الإخوان، وفشل التوجه المسلح والعنيف للجماعة في مصر ليصعد من جديد التيار القديم والقيادة القديمة بزعامة محمود عزت ليطرحوا أنفسهم كبديل لهذه القيادة خروجاً من هذا الفشل واستغلالاً لتلك المستجدات


ويضيف النجار: الخلافات الموجودة داخل التنظيم هي في جزء منها صراع جيلي بمعنى إمكانية انشطار الجماعة بالفعل إلى جماعتين أحدهما تتبنى العسكرة والتسليح والجهاد المقدس كما كان قائماً طوال الشهور الماضية والأخرى تتراجع خطوة أو خطوتين وتتمسح في معارضتها للنظام الحالي بالسلمية والخطاب السياسي


وعن قراءته للتقرير البريطاني بخصوص الإخوان وهل يعد خطوة أولية لإعلان الإخوان تنظيم إرهابي يقول النجار: التقرير البريطاني تقرير احترازي وليس إجرائي فالانجليز لديهم تخوف من وضع الجماعة الحالي من صراعات وانقسامات داخلية وبدون قيادة موحدة تستطيع ضبط الجماعة وإحكام السيطرة عليها وتوجيهها إلى مسارات واضحة ومعلنة، والإخوان بهذه السيولة وتلك الانقسامات معرضة بالفعل لانشطارات كثيرة ونشأة خلايا عنيفة منفصلة.


واسترسل: التقرير بمثابة ممارسة ضغط على الجماعة للقيام بمراجعات فورية وإنهاء الانقسامات داخلها والسير بقيادة واضحة ومحددة ، ولا يهم بريطانيا إذا كانت جماعة الإخوان تمارس العنف في مصر فهذا أمر لا ترفضه دائماً، منذ الخمسينات والتحالف الأنجلو أمريكي مع الإخوان، و ما دام هذا العنف موجه لمصالح وأهداف ترضى عنها بريطانيا وهذا النهج موثق تاريخياً بما يشير إلى أن الانجليز يغضون الطرف دائماً عن عنف الجماعة الموجه للداخل المصري، لكن المتغير هنا هو احتمالية توجه العنف إلى الداخل البريطاني والغربي على خلفية تلك الانقسامات والصراعات والسيولة واحتمال تحول تيار داخل الجماعة إلى خلايا نائمة في الغرب تعمل لحساب أكثر التنظيمات المسلحة وحشية ودموية في العالم.


ويرى النجار أن التقرير جاء في الأساس تحت تأثير تفجيرات باريس في نوفمبر الماضي والرغبة الشعبية البريطانية في تأمين الداخل البريطاني من أية احتمالية لتفجيرات مماثلة في بريطانيا خاصة بعد موافقة البرلمان مؤخراً على التدخل العسكري في سوريا لأول مرة.


وذكر أن مشروع «تسليح الإخوان» - تحت عنوان المعارضة المعتدلة - مشروع غربي في الأساس ابتدعته أمريكا في سوريا، بمعنى أن الإخوان يسيرون وفق الخطة في اتجاههم للعنف منذ تشكيل لجان إدارة الأزمة، لكن الجديد في التقرير البريطاني فقط هو تحذير الإخوان من ممارسة عنف داخل بريطانيا أو تسرب عناصر منها لخدمة تنظيمات تسعى لإحداث اضطرابات هناك


ويدعو الباحث السياسي إلى استغلال التقرير البريطاني في تكثيف الجهود الدبلوماسية والإعلامية في الغرب لإثبات أن الجماعة ليست فقط خطراً على مصر أو الدول العربية بل خطر فعلى على الغرب وهى لا تتورع عن التحالف مع داعش والتنظيمات التكفيرية الأخرى لتحقيق أهدافها كما يفعل زعيم الإخوان الإقليمي أردوغان، «ويجب أن نستمر في هذا النهج حتى تترسخ قناعة لدى الغرب بخطورة توفير المحاضن والملاذات الآمنة لتلك التنظيمات سواء للإخوان التي تعتبر أضخم مفرزة للعنف في العالم أو التنظيمات والجماعات الخارجة من رحمها ومن الأفكار القطبية الانعزالية».



آخر الأخبار