كاميرون ينوب عن أوباما فى توجيه تحذير للإخوان!

22/12/2015 - 10:28:59

بقلم - عبدالقادر شهيب

بعد ٢٠ شهراً من البحث والدراسة والتحرى والتحقيق انتهت بريطانيا إلى أن جماعة الإخوان (كانت - كعقيدة وتنظيم - جسرا عبر من فوقه بعض الذين انخرطوا لاحقا فى العنف والإرهاب)، وأن العضوية للجماعة أو الارتباط بها يجب أن يعد مؤشرا على التطرف)، بل إن هناك (أقساما من حركة الإخوان لها علاقات مشبوهة جداً مع التطرف العنيف).. ولذلك ستكثف بريطانيا - كما أعلن رئيس وزرائها كاميرون، مراقبتها بشأن آراء وأنشطة أعضاء جماعة الإخوان وستراجع أمر حظر الجماعة وإعلانها جماعة إرهابية).


ورغم أن بريطانيا لم تتخذ بعد موقف الإدانة الكاملة لجماعة الإخوان، وهو مايترتب عليه إعلانها جماعة إرهابية وحظر أنشطتها ، إلا أن الموقف البريطانى الجديد تجاه جماعة الإخوان يعد أكبر من صفعة قوية لها ويمثل خطرا على وجودها، ناهيك بالطبع على طموحاتها فى استعادة مافقدته فى مصر ودول عربية أخرى، بل وإمكانية إعفاء قادتها وكوادرها من العقاب على ما ارتكبوه من جرائم عنف والعودة مجددا للتواجد فى الساحة السياسية المصرية .


فهذا الموقف الجديد الذى يتضمن اتهامات للجماعة ويفتح الباب لإدانتها فى الغرب يأتى من بريطانيا التى سبق أن دعمت ورعت تأسيس هذه الجماعة منذ قرابة تسعة عقود مضت، وكانت هى أول من ساعدها بمبلغ مالى كبير عندما أسسها حسن البنا عام ١٩٢٨، بل أن هناك من يعتقد أن فكرة تأسيس تلك الجماعة كانت فكرة بريطانية فى الأساس لمواجهة الفكر القومى العربى فى المهد والذى ساعد على نموه وقتها معاناة شعوب عربية عديدة وفى مقدمتها الشعب المصرى من مثالب الخلافة الإسلامية .


وحتى إذا لم نشارك هؤلاء الرأى فإننا لانستطيع اغفال أن بريطانيا كانت مرتعاً خصباً دوماً لجماعة الإخوان..مرتعاً سياسياً وفكريا ونقطة انطلاق تنظيمى مثلما كانت ألمانياً مرتعاً مالياً خصباً لتلك الجماعة خاصة بعد أن هاجرت مجموعات من أعضاء هذه الجماعة مصر موطن تأسيس الجماعة ومقر قيادة تنظيمها الدولى ولجأت إلى العديد من الدول العربية الخليجية والدول الأوربية .


كان قادة وكوادر جماعة الإخوان يصولون ويجولون فى الأراضى البريطانية يفعلون كما يشاءون.. ابتداء من تجنيد الأعضاء الجدد وتدريب الكوادر مروراً بجمع التبرعات والأموال التى تستخدم فى تمويل أنشطة الجماعة وتنظيمها الدولى وتستثمر فى مواقع أوربية شتى ، ولا تنتهى بتأسيس الحركات والمنظمات والمراكز التابعة لها أو التى تعد واجهة لها .


كل ذلك الآن سوف يكون تحت المراقبة من قبل السلطات البريطانية فى ظل الشكوك التى انتهت إليها الدراسة والتحرى بخصوص هذه الجماعة والتى عبر عنها رئيس الوزراء البريطانى عندما قال: (إنها جماعة تدعو إلى خلافة تحكم وفق الشريعة وتصف المجتمعات الغربية بل والمسلمين الليبراليين بأنهم منحلون وغير أخلاقيين)، كما أنها جماعة لم تقم أبدا بإدانة جدية لاستخدام منظمات إرهابية أعمال سيد قطب أحد منظريها، فضلا عن أن هناك أشخاصاً مرتبطين عن قرب بالإخوان فى المملكة المتحدة دعموا التفجيرات الانتحارية، وبعض مؤيدى الجماعة تورطوا فى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن المصرية فى الشهور الماضية .


بل كل ذلك سوف يكون مدعاة وسبباً لاستمرار بريطانيا فى مراجعة الموقف تجاه الجماعة أى أن الشكوك البريطانية فيها قد تتزايد أكثر لتقود إلي قرار بريطاني بحظر هذه الأنشطة هذه بعد دمغها بأنها جماعة إرهابية.. وهكذا يصبح النصير الأول أو الراعى الرسمى الأول تاريخياً لهذه الجماعة رافضا لها .


هذا الأمر لن يقتصر على بريطانيا، وإنما سوف تنتقل العدوى إلى بقية الدول الأوربية التى يبرطع فيها كوادر وقادة الإخوان ويتخذونها مواقع إطلاق سياسى ضدنا فى مصر ومراكز تجميع أموال واستثمارها أيضاً، ويطمعون فى استغلال حكوماتها فى ممارسة ضغوط علينا من أجل إعفائهم من العقاب القانونى والقضائى على ماارتكبوه من جرائم عنف، وإعادتهم للمشاركة فى العملية السياسية أملاً فى استعادتهم الحكم الذى ذاقوا حلاوة طعمه على مدار عام كامل ووطنوا أنفسهم على الاحتفاظ به أبد الدهر أو على الأقل بضعة قرون !


إذن .. الشكوك البريطانية فى الإخوان ستكون بالقطع شكوكاً أوربية عامة فيهم.. وهذا أمر يدركه الإخوان ولابد وأنه يزعجهم حالياً.. صحيح أنهم يعتمدون بدرجة أكبر وأكثر تركيزاً على المساندة التركية والدعم القطرى، لكن الشكوك الأوربية فيهم سوف تقيد حركتهم أو تحد منها فى الدول الأوربية بينما هم يعتبرون هذه التحركات مهمة لهم ليس مالياً فقط، وانما سياسيا، خاصة أنهم راهنوا على الغرب كثيرا قبل الوصول إلى حكم مصر عام ٢٠١٢ فى التمهيد لهم ودعمهم من أجل الوصول إلى الحكم، ولعلهم ماكانوا يتمكنون من ذلك بدون الموافقة الغربية على توليهم حكم البلاد وبشكل متفرد.. وتشهد على ذلك ما أفردت له من وثائق فى كتابى الأخير الذى صدر من جزءين تكشف المدى البعيد والوثيق الذى وصلت اليه علاقات جماعة الإخوان وتنظيمها الدولى بالغرب، والكتاب الذى حمل عنوان (اغتيال مصر .. مؤامرة الإخوان والأمريكان)، كذلك راهن الإخوان على الغرب كثيرا بعد أن فقدوا هذا الحكم من أجل استعادته فى ظل الترويج لأكذوبة أنه تم الإطاحة من هذا الحكم بفعل انقلاب عسكرى وليس نتيجة لانتفاضة شعبية ثورية عارمة شاركت فيها عشرات الملايين من المصريين فى مختلف ربوع البلاد شمالا وجنوبا، شرقاً وغرباً.


خلاصة الأمر أن التقرير الذى انتهت إليه الدراسات والتحريات والأبحاث البريطانية حول جماعة الإخوان لايمثل خسارة فادحة لها على مستوى بريطانيا وحدها، وإنما على مستوى أوربا كلها.. ولعل هذا ماتشى به كلمات كاميرون أمام مجلس العموم البريطانى حينما قال: إن أيدلوجية وأنشطة جماعة الإخوان لاتتناقض مع المصالح والأمن القومى البريطانى فقط، وإنما مع قيم الديمقراطية وسيادة القانون والحرية الفردية، أى مع طبيعة الحياة الغربية التى تتباهى بها وتحرص عليها وتتمسك بها.. كما أن هذا ماتشى به كلمات التقرير الذى انتهت إليه لجنة السيرجون جينكيز السفير البريطانى الأسبق لدى المملكة العربية السعودية، الذى كلفه كاميرون ولجنته بدراسة وتحرى أمر جماعة الإخوان وبحيث إن كانت تمثل خطراً على بريطانيا أم لا.. فهذا التقرير يطعن الجماعة فى سويداء قلب فكرة تأسيسها وفى نيات مؤسسها الأول حينما يقول: (إن حسن البنا قبل العنف كأداة سياسية.. حيث نفذت عناصر التنظيم العديد من الهجمات ومحاولات الاغتيال التى استهدفت مسئولين فى الدولة كما استهدفت أيضا المصالح البريطانية).. أى أن الجماعة منذ تأسيسها وهى متطرفة تمارس العنف.


وهكذا من المفهوم أن يقلق وينزعج الإخوان بشدة بعد الإعلان عن نتائج هذا التقرير البريطانى، أو نتائح المراجعة البريطانية تجاه جماعة الإخوان لأنهم بعد نتائج هذا التقرير فى سبيلهم لخسارة الراعى الأول لهم تاريخيا وهو بريطانيا، المرتع الكبير لأنشطتهم، وإنشاء الملعب الأوربى والغربى كله، لأن الشكوك فيهم لن تكون بريطانية فقط، وإنما سوف تتسع لتشمل أوربا كلها، وبالتالى سوف يجد الإخوان صعوبة فى الاستمرار بممارسة أنشطتهم الحالية فى أوربا، سواء كانت أنشطة دعائية أو مالية أو اقتصادية، أو أنشطة سياسية، أو أنشطة تنظيمية وصفها كاميرون بأنها سرية وغامضة أى بالطبع غير قانونية!


ولن يقلل من القلق أو الانزعاج الإخوانى أن تركيا وقطر تقدمان للجماعة الدعم والمساندة الكاملة غير منقوصة حتى الآن، لأن تركيا قابلة للضغط الأوربى والغربى فى ظل حالة الضعف السياسى الذى تعانى منه حالياً بعد تورطها فى صراع مع روسيا، وحاجتها لدعم حلف الناتو، ورغبتها للالتحاق والانضمام الاتحاد الأوربى يوما ما ولعلنا تابعنا كيف ضخت تركيا للضغوط فى موضوع تواجد قوات عسكرية لها داخل الأراضى العراقية بدون موافقة الحكومة العراقية وقبلت بسحب قواتها بعد أن طالبها حلفاؤها فى الغرب بذلك.. أما بالنسبة لقطر فإنها لا تفعل شيئاً إلا بأمر أو بتوجيه خارجى أمريكى وغربى، وحينما يقرر الغرب إعطاء ظهره لجماعة الإخوان والتخلى عنها سوف تفعل قطر ذات الأمر وستوقف دعمها السخى للجماعة، بل قد تتبنى سياسات مواجهتها فيما بعد.


وهذا بالتأكيد يثير ما هو أكثر من القلق لدى الإخوان.. يثير مخاوفهم تجاه المستقبل وما قد يحمله من مخاطر التعرض للملاحقة أو على الأقل عدم القدرة على العمل كما دأبوا على ذلك من قبل وحتى الآن فى الساحة الأوربية، ومعها أيضاً الساحة التركية والقطرية.


ويعزز هذه المخاوف لدى الإخوان أنهم يدركون أن بريطانيا ما كانت تبادر بهذا الشكل بإعلان شكوكها فى جماعتهم وتوجيه اتهامات لها ليس فقط بالانخراط فى ممارسة العنف، وإنما بأنها تحمل أيديولوجية تقوم على التطرف والتحريض على العنف، إلا إذا كانت أمريكا لا تعارض ذلك على الأقل، وربما تجنده أو توافق عليه!


فإن بريطانيا حريصة دوما على تنسيق مواقفها مع الأمريكان ودائماً تتخذ ذات المواقف التى تروق للأمريكان أو تلقى قبولهم.. وإذا كانت الدراسة البريطانية فى أمر جماعة الإخوان استغرقت كل هذا الوقت لإعلان نتائجها فإن لنا أن نستنتج أن توقيت الإعلان ليس اختيارا بريطانيا فقط، وإنما هو اختيار أمريكى أيضاً، وربما كان الاختيار الأول أساسا!


خلاصة الأمر أن الموقف البريطانى الجديد تجاه الإخوان يشير إلينا بموقف أمريكى جديد تجاه الإخوان موقف مناهض غير داعم لجماعتهم كما كان الحال من قبل، أو موقف لا يراهن عليهم وعلى دورهم فى مصر ودول عربية أخرى.. وهذا هو مصدر القلق والانزعاج الإخوانى مما أعلنه كاميرون، نظرا لأنهم اعتمدوا على الدعم الأمريكى بقوة فى السنوات التى تلت ٢٠١١، وكانوا يتطلعون لاستمرار هذا الدعم لإنقاذهم من سوء المصير الذى ينتظرهم بعد أن اصطدموا بإرادة الشعب المصرى ورفعوا ضده السلاح والمتفجرات.