من صفحات مجلة سمير .. حكاية عروسة وفارس

20/12/2015 - 1:49:02

رسوم : محمد توفيق رسوم : محمد توفيق

إعداد - د.شهيرة خليل

في يوم 12 ربيع الأول من كل عام نلتقي نحن الأثنان علي أحد رفوف بائعي حلوي المولد اللذيذة.. حولنا ما لذ وطاب من حلوي الحمصية والسمسمية والجوزية والملبن المشّكل ..


- حقيقة ! أنا انتظر لقائي بفارس في هذا اليوم البهيج من كل عام، هذا اليوم الذي أشعر فيه بحلاوة ذكر الله وبهجة الألوان والأضواء.. لكن للأسف!! يستمر هذا اللقاء لدقائق أو ربما لساعات معدودة، يذهب كل منا بعد ذلك ليد طفل من الأطفال يشترينا ثم يأكلنا بالهنا والشفا ..


ثم استكملت عروسة المولد حديثها وقالت :


- أنا وفارس الفرسان صديقان حميمان منذ زمن بعيد .. بعيد جداً.. فبعد أن استقر الأمر للخليفة الفاطمي «المعز لدين الله» في مصر قرر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وهذا يعني أن عمري أنا وفارس الفرسان يقترب من الألف عام، وهنا انتفض الفارس من علي حصانه وقال:


لا ! أرجوكِ ياعروسة .. فأنا أكبر منك.. وأكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة.


- فردت العروسة معترضة :


- وهل أنت أكبر مني يافارس؟؟؟


- طبعاً ياعروسة ! يبدو أن ذاكرتك ضعيفة جداً، ففي بادئ الأمر ظهرت حلوي المولد علي شكل تمثال للخليفة أو السلطان أو الوالي.. يشتريه كل من يدين له بالولاء، ويحتفظ به طوال العام دليلاً علي الحب والوفاء، فإذا حل موعد مولد النبي «عليه الصلاة والسلام» تأكل الأسرة التمثال القديم وتشتري غيره..


- ومتي ظهرت أنت - إذن - أيها الفارس ؟؟!


- تطّور تمثال الوالي فظهرت أنا علي حصاني ممسكا بسيفي البتار، لأكون هدية للأولاد، ثم ظهرتِ أنتِ أخيراً ياعروسة ياقمر لتكوني هدية للبنات!


- أتذكرين ياعروسة أول لقاء بيننا في دار الفطرة؟؟


أحست عروسة المولد بالفخر والسعادة لما سمعته وقالت وهي «تنفش» مراوحها الملونة:


- طبعاً أذكر يافارس!! وبما أني عروسة، وست بيت ممتازة، فسوف أحكي لأصحابي عما كان يحدث بالضبط في دار الفطرة!!


«دار الفطرة» يا أصحابي عبارة عن مصنع بناه الخليفة «العزيز الفاطمي» منذ ألف عام خارج أسوار قصره، وجعله متصلاً بالقصر عن طريق سراديب طويلة ممتدة تحت الأرض لنقل المواد التموينية من القصر إلي المصنع، ولنقل الحلوي المصّنعة من المصنع إلي القصر .


وتستكمل العروسة حديثها وكأنها خبيرة في صنع الحلويات:


- تتكون عجينتى أنا وفارس من الماء والسكر والخميرة، وتوضع علي النار لمدة معينة، ثم تصب في قوالب من الخشب «العزيزي» المحفورة علي شكل العروسة أو الفارس .. بعدها تترك العجينة داخل القالب لمدة خمس دقائق ...


ثم تخرج منه لتبدأ عملية «التزيين»..


والتفتت العروسة إلي فارس وتأملت للحظة عضلاته المفتولة، وقبضة يده القوية علي سيفه .


- أتـعرف يافارسي أنك تذكرني أحيانا بالفارس «عنترة بن شداد» والشجاع «أبي زيد الهلالي» ؟!


- فعلاً ياعروسة فما أنا إلا رمز من الرموز الشعبية للبطولة! سأحكي لك حكاية من حكايات البطولة! أتذكرين «نابليون بونابرت»؟ أتعرفين ماذا فعل عندما عاد مهزوماً من عكا؟!


- ماذا فعل يافارس الفرسان؟!


- أراد نابليون الماكر ياعزيزتي التقرب للمصريين بتجديد الاحتفال بذكري المولد النبوي الشريف، فتبرع بمبلغ 300 ريال فرنسية، وأقام الزينات، وأطلق الصواريخ، رغبة منه في محو أثر الهزيمة، وتخفيفاً من حدة سخط الشعب المصرى ضده ..


فقالت عروسة المولد بسرعة:


- وهل اقتنع المصريون بهذه الألاعيب يافارس؟


- أبداً ابداً! فالشعب المصري لم يقبل علي هذا الاحتفال المفتعل لأنه فهم ألاعيب «نابليون»..


وبالطبع لم يستجب لاغراءاته، بل وقف أمام «نابليون» وجنوده وقفة رجل واحد وبعدها أخ ..


- ماذا حدث بعدها يافارس؟لماذا سكت؟!


التفتت عروسة المولد يمينها لتجد مكان فارس خاوياً .. لقد امتدت إلي فارس يد البائع، وفي ثوان، ألبسته لفافة ملونة واعطته ليد طفل صغير كان يرقبه وهو واقف علي الرف ..


وقبل أن تنطق عروسة المولد بكلمة واحدة، أحست بيد البائع تمتد إليها هي الأخري، وتحيطها بلفافة مزركشة لتعطيها في النهاية ليد طفلة صغيرة، كانت تنظر إليها في انبهار واعجاب .


وفي العام القادم إن شاء الله، وفي نفس اليوم سيلتقي فارس بعروسة ويحكيان الحكايات التي لا تنتهي أبداً...