محفوظ .. درس الكتابة والحياة

27/12/2015 - 1:56:22

سعد القرش مع نجيب محفوظ يوم 18 ديسمبر 2002 سعد القرش مع نجيب محفوظ يوم 18 ديسمبر 2002

سعد القرش

    ربما يسأل قارئ بعد مئة عام: هل كان نجيب محفوظ فردا أم مؤسسة؟ وكيف أنجز في عمر واحد هذا الرصيد الإبداعي؟ وما تفسير قدرته على اختصار أكثر من ثلاثمئة عام من مسيرة فن الرواية، منذ أطلقها ثربانتس؟ وماذا سيبقى من أعماله التي حقق بها قفزات حملته إلى الصدارة، ولايزال؟


    ما يمكن الرهان عليه أن ما لا يقل عن خمسة عشر عملا لمحفوظ ستصمد في اختبار الزمن، وتحقق قول رالف والدو إمرسون «1803 ـ 1882»: «ليس في العالم، في وقت واحد، أكثر من اثني عشر شخصا يقرأون أفلاطون ويفهمونه، وليس من بين هؤلاء من يستطيع أن يشتري نسخة واحدة من مؤلفاته، ومع ذلك فإن هذه المؤلفات تنحدر من جيل إلى جيل من أجل هذه القلة من القراء، كأن الله يحملها لهم بين يديه». ولكن أعمال محفوظ تمتاز بالجماهيرية، من دون التنازل عن عمق كاد يصيبه بالإحباط، والكفر بفكرة الكتابة، حين كانت أعماله تصدر فلا ينتبه إليها النقاد، وينصرف عنها القراء إلى غيره ممن لا تجد أعمالهم الآن من يعيد طباعتها مجانا، في حكمة بليغة لقسوة الزمن، وقدرته على الفرز والانتقاء.


    رأيته للمرة الأولى، عقب فوزه بجائزة نوبل، رؤية لا لقاء. كان الدكتور مسعد صالح، زميلي آنذاك بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، قد هنأني: «صاحبك فاز بنوبل». شعرت بالفخر، كأني الفائز. في كازينو قصر النيل صافحت نجيب محفوظ، مثل غيري، وخجلت أن أطلب توقيعه على كتاب غالي شكري «نجيب محفوظ: من الجمالية إلى نوبل». تصورته في عنفوان أعماله وطلاقة لسان أبطاله، وفاجأني كلامه القليل، وضحكته المجلجلة، وتعليقه الذكي المقتضب حين ينقل إليه مصطفى أبو النصر جملة قالها أحد على الطرف البعيد للطاولة. جاءت جلستي بجوار فرج فودة، وانفعلت عليه في حوار جانبي. كنت على «دين الإخوان»، رغم نشري قصصا قصيرة في مجلات ليبرالية وماركسية وصداقتي لكثير من رموز اليسار. اتسع لغضبي صدر الرجل، وطلب أن نتكلم، وكتب على الصفحة الأخيرة في كتاب غالي شكري عنوانه ورقم هاتفه:


«د. فرج فودة


2916968 ـ 2673709


2 ش أسماء فهمي ، أمام كلية بنات عين شمس ـ محطة كلية البنات ـ مترو الميرغني ـ أمام قاصد كريم»، ورسم خريطة للشارع وموقع المكتب.


    لم أذهب ولا اتصلت، حتى فاجأني اغتيال فرج فودة، في 8 يونيو 1992، تنفيذا لفتوى أهدرت دمه، ولم أستوعب أن يدينه الشيخ محمد الغزالي، حين استدعته المحكمة للشهادة، فقال إن فودة «كافر ومرتد... ويجوز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان في هذا افتئات على حق السلطة، ولكن ليس عليه عقوبة». وفي 14 أكتوبر 1994 كاد يلحق به محفوظ، مغتالا أيضا بفتوى لعمر عبد الرحمن، ولكن الله سلم. وفي المستشفى زاره الغزالي، البطل المنتصر في قضية منع رواية «أولاد حارتنا»، وفقا لرواية سليمان فياض الذي كان يعمل بوزارة الأوقاف سكرتيرا للجنة «الدفاع عن الإسلام» مع الغزالي والسيد سابق. في المستشفى أدان الغزالي محاولة اغتيال محفوظ، وحضرت سيرة «أولاد حارتنا»، في سياق الكلام، وقيل له إن المنع لم يحل دون انتشار الرواية، فعلق بخشونة: «السموم والمخدرات أيضا تنتشر خلسة».


    لم يتاجر محفوظ بمنع الرواية، ولا سعى لدى «المستشرقين» إلى التشهير بالسلطة أو المؤسسة الدينية. كان يراهن على الزمن، ويثق بأن من يريد قراءة الرواية سيبحث عنها، ويصل إليها، ويدرك أن موهبته أعز عليه من تبديد بعض منها في حروب يتمناها غيره، ويفتعلها، طلبا لشهرة لا تنقص محفوظ. الذكاء المحفوظي حدد ساحة معركته، الفن وحده، وكيف يتجاوز نفسه، ذلك الذكاء أنقذه كثيرا.


    كان الرجل عبقريا في الوعي بقدراته، وإدراكه أن الموهبة وحدها لا تكفي أن يكون المبدع عظيما، وإنما يلزمها دأب متواصل، فهم عميق لقانون اللحظة التاريخية التي يريد الكتابة فيها أو عنها. كان يجد في نفسه الشجاعة على الصمت، حين يرتبك هذا القانون، أو يستغلق فهمه بسبب ضباب الرؤية، كما حدث في السنوات السبع التالية لثورة 23 يوليو 1952.


    لم يزعم أنه معاد للسلطة، أية سلطة، ففي الأربعينيات كتب عن مجتمع بلا خيال، يتعرض للتآكل، ويجب أن ينهار، وظل يستشرف تغييرا ينتظره، هو والذين تابعوا مصير سي السيد.. من القيادة الصارمة في «بين القصرين» إلى الانزواء والتهميش في «السكرية». وفوجئ محفوظ الليبرالي بتحرك الجيش، وتغييره من أعلى وفي لمح البصر، ما تمنى أن تغيره الكتابة، فكان صادقا مع نفسه، والتزم الصمت، احتراما لشرف الكتابة. لم يسع إلى كتابة «رواية اشتراكية» كما أعلن غيره، بل انتظر حتى يختبر ما تسفر عنه المقولات النظرية البراقة. وبعد خيبة أمله، عاد بإبداع أثمره قانون اللحظة المرتبكة، فكانت «أولاد حارتنا»، ثم روايات «اللص والكلاب» و«السمان والخريف» و«ثرثرة فوق النيل» وغيرها. لا يكتب الكاتب الحق إلا حين يفهم قانون اللحظة، حيث تكون الكتابة ضرورة، والصمت لا يجدي. الصدق مع النفس، صمتا أو كتابة، درس محفوظي لا يعيه من لا يجدون الشجاعة على التوقف عن الكتابة في الوقت المناسب.


    لو كان محفوظ قصير النفس، لاستغنى عن الأدب بغيره من فنون الكتابة، السيناريو مثلا، لطلقه طلقة بائنة، بعد سنوات التجاهل. لم تشفع له رواياته الأولى عن مصر القديمة، ولا أعماله اللاحقة في مرحلته الواقعية التي شهدت دخوله عالم السينما. اختاره صلاح أبو سيف ليكتب له سيناريو بعض الأفلام، في تلك الفترة لم يختر أبو سيف رواية لمحفوظ، ليحولها إلى فيلم، ولو من باب التشجيع. كأنه انتظر أن يصبح محفوظ الشاب كاتبا شهيرا ليعيد اكتشاف أعماله، ويخرج بأثر رجعي «بداية ونهاية» و«القاهرة الجديدة» في فيلمين أصبحا من كلاسيكيات السينما المصرية.


    لم تكن دهشة لويس عوض مجانية حين تساءل في منتصف الخمسينيات: «نجيب محفوظ: أين كنت؟». سؤال يدين نقادا استمرأوا تجاهل الكاتب بلا سبب، ثم انقضوا على أعماله في اندفاع محموم. بعد بضع روايات لم ينتبه إلى محفوظ إلا أنور المعداوي وسيد قطب الذي تحمس لرواية «كفاح طيبة»، وكتب عنها عام 1944: «لو كان لي من الأمر شيء لجعلت هذه القصة في يد كل فتى وكل فتاة، ولطبعتها ووزعتها على كل بيت بالمجان، ولأقمت لصاحبها، الذى لا أعرفه، حفلة من حفلات التكريم التي لا عداد لها في مصر». ظل محفوظ يحتفظ لقطب بهذا الجميل، وزاره في بيته عقب خروجه من السجن في الخمسينيات، وبعد الفوز بجائزة نوبل بأيام، قال محفوظ لغالي شكري: «انفعلت بأول مقال كتب عني.. ربما بقلم سيد قطب. الصمت لا يطاق». يقصد صمت النقاد، وتجاهلهم له نحو خمسة عشر عاما، ثم كانت «الثلاثية» فاتحة خير، ومصدر دهشة لويس عوض، حين وجه السؤال السابق، ثم كتب هذا الحكم: «ما عرفت كاتبا رضي عنه اليمين والوسط واليسار، ورضي عنه القديم والحديث ومن هم بين بين مثل نجيب محفوظ... غدا في بلادنا مؤسسة أدبية وفنية مستقرة قائمة وشامخة... هي مؤسسة شعبية أيضا يتحدث عنها بمحض الاختيار في المقهى والبيت وفي نوادي المتأدبين والبسطاء.. فنجيب محفوظ عندي كاتب من أولئك الكتاب القلائل في تاريخ الأدب في الشرق والغرب كلما قرأته عشت زمنا بين أمجاد الإنسان». ثم كتب سيد قطب عن رواية «خان الخليلي» قائلا إنها «خطوة حاسمة في طريقنا إلى أدب قومي واضح السمات، متميز المعالم، ذي روح مصرية خالصة من تأثير الشوائب الأجنبية... ويحمل الطابع الإنساني».


    لا يبارى محفوظ في قوة الاحتمال، والصبر على مكاره بدأت بالصمت النقدي الأول، ثم التطاول ممن كانوا في مقام المريدين، أحدهم وصف كتابته في منتصف الثمانينيات بأنها ثرثرة عجائز، وآخر قال إنه تجاوز محفوظ ويوسف إدريس معا، وثالث استهان بمنجزه، وأسمعه بعض الشعراء سبابا صريحا بسبب آرائه السياسية. ضغوط نفسية عصيبة تؤدي إلى انهيار عصبي، ولكن محفوظ احتملها، كما احتمل مارلون براندو الحصار النفسي والفني بسبب آرائه السياسية. تسجل الصحفية الفرنسية ماري تيريز جينشار في كتابها عن عمر الشريف «الرجل الخالد» رأيه في براندو، وكيف كادت آراؤه السياسية المخالفة للاتجاه العام «أن تقضي عليه سينمائيا».


    أما محفوظ فأنصفته، في وقت مناسب، جائزة نوبل. أنقذته شخصيا، وأعادت الاعتبار إلى أعماله، كما صارت لمن استعلوا عليه في السابق مشروعا استثماريا، يتحدثون باسم الرجل، وينسبون إليه آراء، ويصدرون عنه الكتب.


    محفوظ الذي شغلته فلسفة الزمن، انشغل بالآتي، وترفع عن ذهب أي «معز»، ولم يكن لسان أي سلطة، وكاد يتورط في «الكرنك»، وهي من أعماله قليلة القيمة فنيا، وأنجاه حل لئيم، فهي الرواية الوحيدة التي سجل في نهايتها تاريخ الانتهاء من كتابتها، «ديسمبر: 1971»، رغم نشرها عام 1974، قبيل انفتاح أكاذيب الهويس الساداتي لإغراق تجربة جمال عبد الناصر.


    بوفاة محفوظ اكتملت الدائرة، وسقط اللغط حول آرائه، وهدأت أضواء نوبل، وقل الطلب على بضاعة غير الموهوبين من المريدين الذين طال بهم العهد في استثمار الجائزة وصاحبها، وبقيت أعمال محفوظ، وقد منحته مكانا بجوار فلاسفة ومبدعين في تاريخ الإنسانية تسري مقولاتهم عابرة للأجيال واللغات، من سقراط «تكلم حتى أراك»، إلى المتنبي والمعري وشكسبير وكازانتزاكيس، ومحفوظ.. حتى لو كانت «آية حارتنا النسيان».


    حين اندلعت ثورة 25 يناير 2011 استدعينا رد الشيخ عبد ربه التائه في «أصداء السيرة الذاتية»، على سؤال: متى ينصلح حال البلد؟ بقوله: «عندما يؤمن أهلها بأن عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة». والآن، ونحن نمضي في هذا التيه المصري، نستدعي السطور الأخيرة في «أولاد حارتنا»، قبل يوم الخلاص الموعود، وقد بدأ بعض الشبان يختفون تباعا، وفرض ما يشبه حالة الطوارئ، «حتى باتت الحارة في جو قاتم من الخوف والحقد والإرهاب. لكن الناس تحملوا البغي في جلد، ولاذوا بالصبر. واستمسكوا بالأمل، وكانوا كلما أضر بهم العسف قالوا: لا بد للظلم من آخر، ولليل من نهار، ولنرين في حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب».