محفوظ .. هل ظلم المعلم في « بين القصرين » ؟!

20/12/2015 - 10:41:36

بين القصرين بين القصرين

د. سعيد إسماعيل علي - كاتب مصري

     عندما أدرت قرص الهاتف في أوائل عام 1986، سائلا:


ـ الأستاذ نجب محفوظ؟


    وأجابنى بالإيجاب، قلت له، بعد أن عرفته بنفسى، إننى أصدر دورية للبحوث والدراسات التربوية والنفسية، باسم (دراسات تربوية)، وأحرص على ألا تنحبس فى دائرة التناول الفنى والمتخصص وحده، بل تنفتح على قضايا ثقافية ذات صلة بالتعليم، ومن هنا فقد جعلت ضمن أبوابها إجراء حوار مع أحد كبار المفكرين، حول تجربته الشخصية فى التعليم، وما يتصل بهذه التجربة من أفكار ومواقف وتصورات، وأننا نأمل أن نحظى بحوار فى هذا الشأن مع أديبنا الكبير.


    رحّب الرجل، وحدّد لى موعدا بعينه فى مكتبه بجريدة الأهرام. ونشرنا الحوار الذى يجهله كثيرون، مع الأسف الشديد، فى الجزء الرابع من دوريتنا التى توقفت منذ سنوات.


   وقبل أن أذهب إلى أديبنا الكبير، هرعت إلى الجزء الثانى من ثلاثية بين القصرين، وهو ( قصر الشوق) معيدا قراءة جزء بعينه، حتى يحتل مكانة أساسية فى الحوار. فماذا كان فى هذا الجزء؟


    هو جزء تركز الحديث فيه مطولا عن المعلم ومهنة التعليم، والمؤسسة التعليمية التى تعد المعلمين.


   ولعل ما ثبّت هذا الجزء فى ذاكرتى عبر سنوات طويلة، وصدّره ليكون محورا أساسيا فى حوارنا مع نجيب محفوظ، أننى كنت أُدَرّس للمرة الأولى فى الوطن العربى علما جديدا بالمرة هو طرق تدريس الفلسفة، أول السبعينيات، ومما حرصت عليه فى البدايات، أن أؤكد الاعتزاز بمجال الفلسفة، على أساس أن هذا يعد نقطة انطلاق أساسية للسير على طريق التدريس الكفء لهذا التخصص. وكنت أعترف للطلاب وقتها باعتزازى الشخصى بالفلسفة، تعلما وتعليما، مستشهدا بعدد لافت للنظر حقا ممن كانوا يُعَلّمون الفلسفة لنا فى كلية الآداب بجامعة القاهرة أواسط الخمسينيات، مثل الدكاترة عثمان أمين، وزكى نجيب محمود، وتوفيق الطويل، وأحمد فؤاد الأهوانى وأبو ريدة، ومصطفى حلمى.


   وأضفت إلى ذلك أن الأديب العظيم نجيب محفوظ هو أيضا من خريجى هذا القسم بجامعة القاهرة.


   بيد أن أحد الطلاب جاءنى فى اللقاء التالى، بالجزء الثانى (قصر الشوق) من ثلاثية محفوظ، ليشير إلى جزء طويل يدور فيه حوار بين البطل الأساسى، السيد أحمد عبد الجواد وابنه " كمال" الذى كان يريد أن يلتحق بمدرسة المعلمين العليا (تعادل الآن كلية التربية)، كى يحقق حلمه بأن يكون معلما، بينما سار الحوار فى معظمه إلى ما استهدفه الأب من إلصاق صور التحقير والازدراء لا على المدرسة فقط بل على مهنة التدريس على وجه العموم، واصفا إياها بأنها غير محترمة!


    وتساءل الطالب: كيف أُحاضرهم فى علو شأن مهنة التدريس ومكانتها، وهذا أديب كبير مثل نجيب محفوظ، يكشف عن مكانة مهينة لمعهد الإعداد والمهنة فى آن واحد!


    فقد كان "كمال عبد الجواد"، أحد أبرز أبطال الثلاثية، قد انتهى من مرحلة التعليم الثانوى بشهادة كانت تسمى "البكالوريا"- الثانوية العامة، وأراد الأب أن يستفسر من ابنه عن قِبلته فى التعليم العالى، فكانت إجابة كمال: مدرسة المعلمين العليا، وكانت قائمة فى مصر أواخر العشرينيات، فإذا بالأب تبدو عليه علامات انزعاج واضحة، متسائلا:


ـ المعلمين العليا؟ مدرسة المجانية؟ كذلك؟


    وكان التعليم فى مختلف كليات الجامعة والمعاهد العليا الأخرى بمصروفات مرتفعة قياسا إلى مستوى دخل الجمهرة الكبرى من المواطنين. باستثناء مدرسة المعلمين العليا، نظرا لانصراف الطلاب المنتهين من التعليم الثانوى عن الالتحاق بها، لما كان يشوب مكانة المعلم الاجتماعية من نظرة متدنية، قياسا إلى المهن الأخرى، فأرادت الدولة تشجيع الطلاب على الالتحاق بها، فجعلت الالتحاق بها بلا مقابل. ومن هنا فقد سارع إلى الالتحاق بها أبناء الفقراء، خاصة وأنهم لم يستطيعوا تحمل نفقات أنواع التعليم العالى الأخرى.


    وعلى الرغم من نبل هذا الذى فعلته الدولة، إلا أنه رسّخ مزيدا من التدنى لمكانة المعلم، حيث بدأ سوق العمل التربوى يثرى بنوعية متواضعة من الناس.


    فلما أجاب كمال بالإيجاب عن تساؤل أبيه أن المعلمين العليا هى بالفعل مدرسة المجانية، لوح السيد بيده مستهزئا؛ كأنما أراد أن يقول له: "ينبغى أن تتجمل بالصبر قبل أن تقطع برأى فيما ليس لك به علم"، ثم قال بازدراء:


ـ هى كما قلت لك، ولذلك يندر أن تجتذب أحدا من "أولاد الناس الطيبين" (والمقصود بهم الناس الأغنياء). ثم إن مهنة المعلم.. أتدرى شيئا عن مهنة المعلم؟ أم أن علمك لا يعدو علمك بمدرستها؟ هى مهنة تعيسة لا تحوز احترام أحد من الناس. إنى عليم بما يقال عن هذه الشؤون، أما أنت فغر صغير، لا تدرى من أمور الدنيا شيئا. هى مهنة يختلط فيها الأفندى بالمجاور (فقراء طلاب الأزهر)، خالية من كل معانى العظمة والجلال، ولقد عرفت أناسا من الأعيان والموظفين المحترمين، يأبون ـ الإباء كله ـ أن يُزَوِّجوا بناتهم من معلم، مهما تكن مكانته!!


    وكان من الطبيعى أن يقع هذا التحامل الجائر على المعلم ومهنة التعليم موقع الصدمة لدى الابن، الذى كان ينظر إلى مهمة المعلم ورسالته، كما ينظر إلى مهمة الرسل وبناة الأمم؟


    وبسرعة دار حوار داخلى لدى الابن إزاء هذا الموقف الصادم، حيث كان يجل الفكر ودعاته وبناة الإنسان، الذين كان مغرما بالقراءة لهم، أمثال "المنفلوطى" و"المويلحى"، وغيرهما، فكيف يدخل "المال" معيارا فى تقييم هذه الشريحة العالية من قادة الفكر. ومن ثم فكان من الطبيعى أن يرى كمال خطأ واضحا فى موقف الأب، وهو نتيجة لحال جهل شائعة فى المجتمع، الذى يستحيل أن ينمو ويتطور وينهض فقط بمن توافر لديهم المال الكثير، لأن صناعة النهضة هى صناعة يختص بها بالدرجة الأولى العلماء والفلاسفة والمفكرين، ومن هنا جاء الرد على الأب:


ـ العلم فوق الجاه والمال يا بابا!


    وكما صُدم الابن من موقف الأب، فقد كان الأب كذلك مصدوما من موقف الابن، فرد:


ـ حقا؟؟ عشت حتى أسمع هذا الكلام الفارغ، كأن ثمة فرقا بين الجاه والعلم؟ لا علم حقيقى بلا جاه ومال. ثم ما بالك تتكلم عن العلم كأنه علم واحد؟ ألم أقل لك إنك غِر صغير؟! للصعاليك علومهم، وللباشوات علومهم. افهم يا جاهل قبل أن تندم!


    ويطول الحوار بين الأب والابن، ينتهى بعبارات صادمة من الأب الذى أكد أنه يريد أن يطمئن على مستقبل ابنه "أريد لك وظيفة محترمة. هل يختلف اثنان فى هذا؟ الذى يهمنى حقا أن أراك موظفا مهابا، لا مدرسا بائسا وإن أقاموا له تمثالا كإبراهيم باشا أبى إصبع (هو القائد الكبير ابن محمد على، والتمثال فى ميدان الأوبرا بالقاهرة، حيث يشير لجنوده إلى أمام فسموه: أبا إصبع!!).. ويستمر حديث الأب:


ـ يا سبحان الله، عشنا وسمعنا وشفنا العجب! ما لنا نحن وأوروبا؟! أنت تعيش فى هذا البلد، فهل هو يقيم التماثيل للمعلمين؟ دلنى على تمثال واحد لمعلم؟! (ثم فى لهجة استنكارية) خبرنى يا بنى: أتريد وظيفة أم تريد تمثالا؟!!


    وعندما ذهبت إلى أديبنا الكبير، ونقلت إليه تساؤلنا عن هذا الموقف تحديدا، ضمن تساؤلات أخرى، تتعلق بخبرته التعليمية، كانت إجابته نصا:


    "نحن لم نكن جيل المعلمين (يقصد مدرسة المعلمين العليا، التى لم تكن ضمن كليات الجامعة المصرية فى ذلك الوقت). كانت المعلمين تقفل أبوابها عندما التحقنا بالجامعة، لكن هذا الموقف يعبر عن اتجاهات كنا نسمعها تتردد على الألسن وشائعة فى الرأى العام. إنها لم تكن خيالا، لأن الخيال فى الأدب، ما هو؟ إنه الواقع وقد خلق من جديد حتى يناسب هدف الرواية. ليس هناك خيال لا يعتمد على جذور فى الواقع، وإلا فإنه لن يؤثر فى قارئه. إنك عندما ترى "دراما" فإنك تضحك، أو تبكى. لماذا؟ لأنها حقيقة وليست خيالا".


    وإشارة أديبنا الكبير تعنى أن مدرسة المعلمين العليا، كانت تمر بفترة تستعد فيها للإلغاء والاختفاء من على المسرح، لتحل محلها مؤسسة أخرى جديدة باسم (المعهد العالى للمعلمين) والذى حددت مهمته فى الإعداد التربوى والنفسى لخريجى بعض كليات الجامعة الذين يريدون أن يلتحقوا بمهنة التدريس.


    كذلك فإن إشارة أديبنا الكبير، تذكرنا بالصراع الحاد الذى قام بين مسؤولى مدرسة المعلمين العليا، والجامعة المصرية، ذلك أن الجامعة كانت تجنح فى دراساتها إلى الجوانب الأكاديمية البحتة، مما كان يمكن أن يقع تحت مظلة "العلم للعلم"، بينما كانت المعلمين العليا مؤسسة "مهنية" تعد روادها لمهنة معينة.


    وإذا كانت الجامعة المصرية فى سنواتها الأولى قد اجتذبت عددا من أبناء الأثرياء الذين لم تكن تقلقهم قضية كيفية الحصول على لقمة العيش، فاستظلوا بشعار العلم للعلم، فإن جماهير أخرى من أبناء الطبقة الوسطى كانوا قد بدأوا يتطلعون إلى مزيد من التعليم، لكن من تلك النوعية التى تؤهلهم لممارسة مهنة معينة. ولهذا رأينا تقلصا فى الإقبال على الجامعة، عندما بدأت عهدها الحكومى عام 1925، على عكس المعلمين العليا، خاصة أنها كانت تضم أقساما علمية وأخرى أدبية، وكأنها جامعة مصغرة، لكن "مهنية".


    ومن هنا كان الدكتور طه حسين يحمل على المعلمين العليا حملة شعواء، بل وامتد نقده وهجومه إلى مطلق العلوم التربوية.


    لكن المعركة هدأت نسبيا عندما نجح فريق طه حسين، فى الاتجاه إلى أن يتم الإعداد الأكاديمى أولا فى كليات الجامعة، ومن أراد أن يمتهن مهنة التعليم، يمكن له الالتحاق بالمعهد العالى للمعلمين بعد تخرجه، وهو الأمر الذى استمر الأخذ به عدة عقود تالية.


    وعندما سألت أديبنا عن فترة تعلمه فى قسم الفلسفة بآداب القاهرة، انطلق فى حديث يشع بروح يملؤها الإعجاب والتقدير: "فى أيامنا (الثلاثينيات)، كان الأساتذة القائمون بالعمل فى كلية الآداب، هم جيل الأساتذة العمالقة الكبار: طه حسين، منصور فهمى، مصطفى عبد الرازق. والأغلبية الساحقة كانوا أجانب. فالكلية كانت جديدة.


    وأنا كطالب فلسفة أشعر بأن الشيخ مصطفى عبد الرازق قد لعب دورا كبيرا فى تعليمى الفلسفة، وهناك أساتذة آخرون أثروا فكريا بصفة عامة فى تفكيرى، وكان لدينا والحمد لله عدد من الكبار حقا".


    ولما قلت لنجيب محفوظ إننى خريج فلسفة القاهرة عام 1959، قال: "لقد نشأت بعد ذلك مدارس، فهذا زكى نجيب محمود يدعو للوضعية المنطقية، وهذا عبد الرحمن بدوى يدعو للوجودية. وهكذا. أما أيامنا، فلم نواجه مثل هذه المدارس، كان أساتذتنا يعرضون لنا المذاهب الفلسفية عرضا حياديا. لم تكن المدارس الفلسفية قد حفرت مجراها بعد فى عقول وإنتاج الأساتذة المصريين. فكنت لا تستطيع مثلا أن تعرف: إلى أى مذهب أو مدرسة كان منصور فهمى ينتمى؟! لقد كانوا فقط أساتذة فلسفة بصورة عامة. كنا إزاء معرض نرى فيه كل الاتجاهات والمدارس".


    طبعا لم يكن هذا كل الحديث الذى جرى بينى وبين أديبنا العظيم، فقد حاورته فى مسائل أخرى، لعل الفرصة تسنح فيما بعد لبيان موقفه من قضايا أخرى.