« السراب » .. قراءة جديدة في رواية منبوذة

20/12/2015 - 10:40:30

 رواية السراب رواية السراب

محمود عبد الوهاب - كاتب مصري

نشرت رواية "السراب" للمرة الأولى عام 1948، بعد نشر روايات "القاهرة الجديدة" 1945، و"خان الخليلي" 1946، و"زقاق المدق" 1947. وقبل نشر "بداية ونهاية" 1949 و"الثلاثية" 1956 ـ 1957.


    وقد ظلت "السراب" بين كل هذه الروايات مثل الطفل المنبوذ لأن له ملامح مختلفة عن ملامح كل أفراد العائلة. فقد اعتاد النقاد تقسيم إبداع نجيب محفوظ الروائي إلى مراحل.. المرحلة التاريخية والمرحلة الاجتماعية والمرحلة الفكرية أو الروحية.. إلخ، وكان المفروض أن تكون "السراب" ضمن المرحلة الاجتماعية التي تبلور فيها موقف نجيب النقدي من الظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي بكل ما يترتب عليهما من فساد سياسي واجتماعي وأخلاقي.


    فإذا بحثنا عن ذلك الموقف النقدي في رواية "السراب" لن نجده، ذلك لأن ما يبدو من القراءة الأولى للرواية أن محفوظ كان مهتما فيها بالآثار النفسية السلبية التي قد تترتب علي إسراف الأم في تدليل ابنها وحمايته ورعايته.. ذلك الإسراف الذي يجعله أسيرا لحضن الأم ومحروما من اللعب مع أبناء الجيران، وخائفا من الظلام والأشباح وخجولا إلى حد الانطواء وعاجزا عن التعبير عن نفسه والتحاور مع الآخرين.


    وقد ظل كامل (بطل الرواية) ينمو عبر مراحل عمره فتنمو معه هذه الصفات. وهو ما جعله تلميذا خائبا وبليدا وطالبا جامعيا فاشلا. مما أدى في النهاية إلى تركه للجامعة والتحاقه بوظيفة حكومية بشهادة البكالوريا.


    خفق قلب كامل بحب فتاة وظل يحوم حولها عامين مترددا ومتهيبا إلى أن أقدم على الزواج منها وقد اكتشف من الليلة الأولى لزواجه أنه عاجز عن أداء دوره الذكوري معها ولذا فقد اتفقا على مواصلة الحياة معا بلا لقاءات جنسية. وبعد عامين من الزواج شك كامل في إخلاص زوجته فتفرغ لمراقبتها دون أن يجد دليلا ينهي شكه أو يحوله إلى يقين. مرضت الزوجة فتركت منزل الزوجية إلى منزل أسرتها وهناك تموت ويكتشف كامل أنها ماتت في عملية إجهاض لجنين لم يكن هو أباه.


    تلك هي الخطوط العريضة للرواية والتي يبدو منها أن هموم الكاتب لم تكن ذات طابع اجتماعي، وإنما هي هموم ذات طابع نفسي. إذ يتلقي الابن حنانا بلا حساب مما يفقده القدرة على الاستقلال والتصرف، وما يحرمه من التفاعل الحر مع بيئته، ومن ثم ينشأ جاهلا بأعراف مجتمعه، خائفا من كل جديد يطرأ على حياته بدءا من المدرسة ومرورا بالجامعة حتى بيت الزوجية.


    من هذا المنظور النفسي ظل النقاد يتعاملون مع رواية السراب باعتبارها نموذجا تطبيقيا شارحا لعقدة الالتصاق الحميم بالأم.. ذلك الالتصاق الذي يضفي على العلاقة الجنسية مع الزوجة أدران الدنس والحيوانية، مما يؤدي إلى العجز الجنسي لأن الزوجة تشبه الأم اجتماعيا وسلوكيا، ولذا كان الخلاص من هذا العجز في البحث عن أنثى بديلة لها من الدمامة والغلظة والوقاحة ما يجعلها أبعد ما تكون عن صورة الأم.


    بعد أن قرأنا معظم روايات محفوظ أظن أنه قد آن الأوان لأن نتوقف عن تلك الطريقة التعليمية عند التناول النقدي لرواياته، وأن نطل عليها من منظور أبعد وأشمل، منظور ينطلق من رؤية محفوظ العميقة والشاملة للحياة الإنسانية بكل أبعادها الكونية والروحية والصوفية والاجتماعية والنفسية. قراءتنا لرواياته من هذا المنظور ـ باعتبارها تجليات متنوعة لتلك الرؤية ذات الأبعاد المتعددة ـ سوف تعيد "السراب" إلى موقعها الطبيعي بين رواياته ولن تصبح بينها ذلك الطفل الغريب المنبوذ.


    يهيب بنا محفوظ في كل رواياته أن نحتفي بالحياة بكل ما فيها من مسرات حسية وروحية وعاطفية ووجدانية. وبكل ما تبتعثه فينا من إرادة لاقتحام العقبات والتغلب على المصاعب والإحباطات.. إرادة تترسخ في عقولنا وقلوبنا من خلال العمل الجاد المثابر والتفاعل مع الطبيعة والمجتمع.. تفاعلا ينمو ويتبلور ويرقى بالعقل والعلم والحرية وبالتضامن الاجتماعي المنظم في كيانات نقابية وحزبية وتعاونية.


    وفي "السراب" تبدو شخصيات الرواية أبعد ما تكون عن تلك الحياة الفاعلة والمناضلة، وأقرب ما تكون إلى حياة أخرى خاملة وحافلة بالأوهام والضلالات.


   تتزوج أم كامل من رجل سكير وتنسحب إلى بيت أبيها بعد الطلاق وما إن يبلغ ابنها الكبير وابنتها الوحيدة سن الالتحاق بحضانة الأب حتى تتخلى عنهما بلا أية مقاومة وبلا أية محاولة للاتصال بهما والاطمئنان عليهما والوقوف معهما ولو بالنصيحة أو مجرد الاهتمام. وأبو كامل كان سكيرا يغدق المال على الخمر ويعتزل كل الناس ولا يتحمل أية مسؤولية من أي نوع تجاه أبنائه. وكان جد كامل لأمه اللواء السابق بالجيش يقضي الليل ساهرا في لعب القمار ويقضي معظم النهار نائما دون أن ينتبه لحاجة الطفل الذي نما في بيته، كبديل عن الأب.


    أما كامل فقد عاش حياته خائفا ومترددا وذاهلا عن كل ما يدور حوله من مظاهرت وإضرابات ومواقف وطنية وشعارات سياسية، ما إن تواجهه مشكلة حتى يهرع إلى ضريح السيدة وما إن تنتابه الحيرة حتى يتخلص منها عند العرافين، وما إن يعتريه الخوف حتى يجد الأمان في أحجبة الدجالين، وما إن تضطرب نفسه بالحزن حتى يبادر إلى ارتياد الحانات بحثا في الخمر عن سلوي تافهة وعزاء زائف.


    كان انشغال كامل المبالغ فيه بمشاعره وهواجسه ومخاوفه يحرمه من رؤية الحياة الواسعة في مدينته ووطنه، ويجعله عاجزا عن رصد المتغيرات المتلاحقة في العالم من حوله، ولذا فقد كان كثيرا ما يصطدم بأحداث ومواقف لم يلحظ بزوغها ونموها وتفاقمها. تموت أم كامل وزوجته. ويموت أبوه وجده فيبقى وحيدا بلا أهل ولا أصدقاء ولا اهتمامات مفيدة أو هوايات. لا يبقى في حياته سوى المرأة الدميمة الغليظة رمز البعد الحيواني في وجوده، وكأن كل أبعاد روحه قد أهدرت دون أن تضيف شيئا للحياة، أو كأنها لم تكن في حقيقة الأمر سوى أطياف من سراب.