الحلم ١٠٠

20/12/2015 - 10:39:16

أحلام فترة النقاهة أحلام فترة النقاهة

د. أيمن بكر - ناقد مصري

    تدفعنا صياغات الكثير من "أحلام فترة النقاهة" لنجيب محفوظ نحو البحث عن تفسير لرموز الحلم وعلاقاته، ليس على طريقة ابن سيرين التي تحدد للرمز الحلمي معنى ثابتا أيا كان الحالم وأيا كان زمانه ومكانه، ولكن على طريقة فرويد التي ترى الأحلام نتاج فورات غير منتظمة من اللاوعي بسبب مثير ما، وغالبا ما تعبر الأحلام عن مخاوف وآمال وربما انطلقت منهما. كما تربط طريقة فرويد معاني رموز الحلم بشخص الحالم دون سواه: تاريخه الشخصي وميوله وسياقاته الحياتية والثقافية.


    لكن محفوظ كتب أحلامه واعيا بها مشكلا رموزها بقصدية تامة، وهو ما يجعل المسألة مركبة: نحن أمام أحلام كتبت بمنتهى اليقظة، لكنها تدعي التعبير عن لا وعي ما، لا وعي يمكن الدخول إليه بوصفه مكمن الأسرار التي يجب علينا كشفها، إنه لا وعي الجماعة، لا وعي الثقافة المصرية الذي يضم كل مشكلاتها الغائبة عن الوعي كما يضم ـ بحسب محفوظ ـ كل الحلول اللازمة لهذه المشكلات، وعلى من يتعامل مع تلك الأحلام أن يبحث لها عن منطق تفسيري يستمد مرجعياته من أعماق الثقافة المصرية بغض النظر عما يفهمه المصريون عن أنفسهم وعن ثقافتهم.


    وما يلي هو نص حلم نجيب محفوظ رقم مائة ضمن أحلام فترة النقاهة:


    "هذه محكمة وهذه منضدة يجلس عليها قاض واحد، وهذا موضع الاتهام يجلس فيه نفر من الزعماء، وهذه قاعة الجلسة، حيث جلست أنا متشوقا لمعرفة المسؤول عما حاق بنا، ولكني أحبطت عندما دار الحوار بين القاضي والزعماء بلغة لم أسمعها من قبل، حتى اعتدل القاضي في جلسته استعدادا لإعلان الحكم باللغة العربية فاسترددت للأمام، ولكن القاضي أشار إليّ أنا ونطق بحكم الإعدام فصرخت منبها إياه بأنني خارج القضية وأني جئت بمحض اختياري لأكون مجرد متفرج، ولكن لم يعبأ أحد بصراخي".


    يبدأ الحلم من مكان محدد هو محكمة ليست كالمحاكم التي عهدنا، فقاضيها شخص واحد وحضورها شخص واحد هو الحالم المتجول في ثقافته، أما المتهمون فكثر. وأحدية القاضي والجمهور تحيلنا على حالة التنميط المتبادلة بين السلطة والشعب. ناسنا في مصر يقولون عبارات مدهشة في غموضها وقدرتها على التعبير في آن من قبيل: "البلد بلدهم"، كما أورثته مركزية السلطة تصورا أسطوريا عنها بوصفها كيانا متجانسا وغامضا وكلي القدرة وإن تعددت أجنحته "خيل الحكومة عرجا.. لكن تصيد الغزال". وفي المقابل تحيل كل الصياغات السلطوية المؤلمة إلى فكرة أن الشعب كتلة واحدة يمكن التعبير عنها في جملة تعميمية لا تخلو غالبا من تحقير من مثل: "الشعب المصري غير جاهز للديمقراطية"، أو أنه "شعب تجمعه الصفارة وتفرقه العصا". وحلم محفوظ رقم مائة يختصر التنميط المتبادل في شخص القاضي/ السلطة، والحالم/ الشعب.


    التعدد الوحيد هو لأشخاص المتهمين الذين يمكن أن نتخيلهم جميعا رؤساء مصر، لكن الانفصال بين المتهمين والقاضي سينهار سريعا، إذ ستتجلى بسرعة حالة من التوحد عبر عنها التفاهم الكهنوتي بين القاضي رمز السلطة المطلقة في الحلم، وأشخاص الزعماء الذين هم فرع من السلطة نفسها فقد: "دار الحوار بين القاضي والزعماء بلغة لم أسمعها من قبل". لغة السلطة لا يعرفها الشعب، وهو ما يعبر عن لا وعي الثقافة التي تتخيل السلطة بصورة لا تبتعد عن فكرة المجمع الإلهي المقدس، هم/ السلطة/ الآلهة، مجهولون وإن ظهرت شخوصهم، مبهمون وإن نطقوا، يسيرون طبقا لمنطق لا يخص سواهم ولا سبيل لمطاولتهم ومشاركتهم فيما يفعلون.


    اختار الحالم مقاعد المتفرجين كي يعرف السبب في ما وصلنا إليه، وهنا تتجلى المفارقة التي أشار إليها محفوظ أكثر من مرة في "أحلام فترة النقاهة" فالجميع مدان وضمنه الشعب الصامت الذي اكتفى بلعب دور المتفرج. المفاجأة هي أن القاضي أشار إلى الجمهور/ الحالم/ الشعب ثم نطق حكم الإعدام، وهو حكم قاس ومباغت وغير مبرر في سياق النص، لكن فانتازيا الحلم لا يحكمها شيء، وما نحاوله هنا هو إيجاد منطق حاكم لأحلام نجيب السردية التي ليست كالأحلام.


   الإدانة في المحاكمة السابقة يجب أن توجه لأحد الزعماء أو لهم جميعا، لكن القاضي هو جناح من مجمع الآلهة المقدس الكهنوتي الذي يحاكم جناحه الآخر، بلغة لا تسمح لأحد سواهم بالتعرف على سير المحاكمة، أو منطقها، أو طبيعة التهم الموجهة، أو حتى كيف يدافع المتهمون عن أنفسهم. الطبيعي والحال هكذا أن تجتمع أجنحة السلطة ضد الجالس في مقاعد المتفرجين، وهو من أهان السلطة لمجرد أن توقع أنها ستدين نفسها، وتجرأ على تخيل المحاكمة أو الحلم بها، ولذلك استحق الحالم الذي يختصر الشعب حكم الإعدام، الذي يعني ضمنا براءة الزعماء.


    لكن، ألم يحكم الحالم/ الشعب على نفسه بالإعدام مسبقا؟ ألم يترك اللعبة كلها في يد أجنحة السلطة ويرضى بدور المتفرج السلبي؟ يقول الحالم/ الشعب "إني جئت بمحض اختياري لأكون مجرد متفرج" وهي الجملة التي تحمل مبررات البراءة والإدانة جميعا؛ فوضعية السلطة ومنطقها هو مسؤولية الجميع: السلطة التي تسعى لمصالح أفرادها وطبقتها، والشعب الذي يجعله سكوته عن حقه هو والعدم سواء.


    المدهش في الحلم السابق أنه يجد ما يشبهه في محاكمة حسني مبارك الهزلية التي تجنبت كل ما ارتكب نظام مبارك خلال ثلاثين عاما من جرائم حولت مصر إلى دولة مهترئة، وتركت شعبها، بلا رحمة، فريسة للجهل والفقر والمرض، وهو ما يرقى لمستوى الجرائم ضد الإنسانية. انشغل الجميع بمحاكمة كوميدية حول قضية تربح وإساءة استخدام السلطة في موضوع  القصور الرئاسية. دارت المحاكمة التفاوضية بين أجنحة السلطة كلها باللغة الكهنوتية نفسها وانساق الشعب فاقد الخبرة السياسية لمنطقها دون أن يفهم، فقد أعدته السلطة لعقود طويلة وربما لقرون، كي يلعب دور المتفرج وهو قد قبل واستكان. خرج مبارك المجرم وفاسدو عصره بلا عقاب يذكر، بل استأنفت جموع المنتفعين التي تربت في عصره حربها ضد الشعب المنهك وسعيها للسيطرة على مقدراته مرة أخرى.


    لقد قرأ نجيب محفوظ الحالة التي لم تكن صعبة على من صفا ذهنه واستطاع أن يطرح السؤال الصحيح: ما نتيجة أية ثورة في مصر في ظل الشروط الراهنة؟ إنها ببساطة إعدام الشعب الذي تطاول على كهنوت السلطة المقدسة، والذي يستحق في الوقت نفسه ما يلاقي؛ الشعب الذي أعدم نفسه بالصمت ودائما ما يأتي صراخه متأخرا وغير ذي أثر.