الوعي المديني في روايات محفوظ

20/12/2015 - 10:38:16

ميرامار ميرامار

د. نجاة علي - ناقدة وشاعرة مصرية

ينتسب وعي راوي روايات نجيب محفوظ إلى ما يمكن أن نسميه بـ«الوعي المديني» نسبة إلى المدينة. فقد كانت المدينة - ولا تزال - مجتمع الحراك القابل دائما للتطور السريع المتلاحق، والقادر دائما على أن يستوعب في إطار مرن هائل تغيرات شتى، والمدينة من جانب آخر قامت دائما على التنوع؛ فهي أشبه بوعاء فضفاض لطبقات اجتماعية عدة، ولأجناس وديانات شتى، ولـثقافات مختلفة، ولأشكال من الوعي متباينة( ).


ولعل أبرز سمات هذا الوعي المديني الذي تجسد بعمق في روايات محفوظ هو تمثل كاتبها لقيمها التي تتصف بالتنوع والتعدد، وهو ما نراه متجليا مثلا في نزوع رواياته إلى «تعدد الأصوات»، يضاف إلى هذا انشغالها بتصوير عالم المدينة وتحديدا «القاهرة» وعلى وجه الخصوص «الأحياء الشعبية» التي تطرح بقوة عالم المهمشين والفقراء، وهم يمثلون غالبية سكان مصر.


وحضور المدينة (القاهرة) في روايات محفوظ ربما يرتبط بشكل أو بآخر بدرجة انتماء الراوي إلى عالم المدينة، (القاهرة)، معشوقة محفوظ الأولى، التي لم يكن يفارقها إلا نادرا، وقد نسج فيها أسطورته الخاصة عبر مشروعه الروائي الممتد، لذا يقول عنها: «حبي وارتباطي بالقاهرة القديمة لا مثيل لهما، أحيانا يشكو الإنسان بعض جفاف في النفس، تعرف هذه اللحظات التي تمر بالمؤلفين، عندما أمرّ في المنطقة تنسال عليّ الخيالات، أغلب رواياتي كانت تدور في عقلي كخواطر حية أثناء جلوسي في هذه المنطقة، يخيل لي أنه لا بد من الارتباط بمكان معين، أو شيء معين يكون نقطة انطلاق للمشاعر والأحاسيس. والجمالية بالنسبة لي هي تلك المنطقة»( ).


وتبدو مركزية القاهرة واضحة في كتابات محفوظ، ويبدو أنه كان  حريصا على تأكيد هذه المركزية بكل الطرق. حيث صارت القاهرة باستمرار محورا ثابتا لكل رواياته، وقد منحته هذه المدينة مزايا متعددة، فقد زودته بخلفية مكانية ثرية لرواياته في فترات الأربعينيات والخمسينيات والستينيات؛ حيث توجد أزقة الأحياء القديمة التي كان يصورها - في أغلب الأحيان - بكل تفاصيلها الدقيقة حتى يكشف عن تناقضات المجتمع المصري في تلك العقود، وهو ما لمح إليه الروائي جمال الغيطاني بقوله:


«إن المنطقة التي تعلق بها نجيب محفوظ هي القاهرة القديمة التي تعتبر أساس المدينة قبل أن تتسع وتتشعب في القرون التالية على إنشائها (969)، ولد نجيب محفوظ في ميدان بيت القاضي. في منطقة بين القصرين ذاتها التي أصبحت مسرحا لأهم أعماله الأدبية: الثلاثية، وعاش حتى سن الثانية عشرة، ثم انتقل إلى السكن في حي العباسية القريب، ولم تنقطع صلته بالقاهرة القديمة يوما، وربما يتضح هذا في إعطائه أسماء الشوارع والحواري لخمس من أهم رواياته، خان الخليلي، وزقاق المدق ثم الثلاثية التي تتكون من ثلاثة أجزاء».( )


ولا شك في أن أثر «حي الحسين» واضح كل الوضوح في روايات محفوظ، وخاصة فيما يسمي بالمرحلة الواقعية. فكثير من أسماء رواياته مستمد من بيئة «الحسين» مثل «خان الخليلي» و«زقاق المدق» و«بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية»، وكلها أسماء شوارع في حي الحسين انتقلت إلى عالمه الروائي. ولم يتوقف ذلك الأثر على محفوظ عند حد استخدامه أسماء الروايات المستمدة من أسماء الشوارع «الحسينية» نسبة إلى حي «الحسين»، بل امتد ليشمل استخدام محفوظ قاموس حي «الحسين» الشعبي أيضا في كثير من الأحيان للتعبير عن أفكاره وتجاربه( ).


وتبدو القاهرة المصورة في روايات محفوظ كما لو كانت هي العالم الأكمل، وهذا لا يعني أبدا أن الأمكنة الأخرى خارج القاهرة غائبة عن رواياته غيابا تامّا، ولكن حضورها - في أغلب الأحيان - يكون مجرد أسماء لا أكثر. ولا تصبح مسرحا تدور فيه الرواية إلا نادرا، بل تُستخدم هذه الأمكنة رمزا يشير إلى معنى «اللا قاهرة»، ويمكن أن نستبدل أي مكان آخر بها.


كذلك نجد مواقف أخرى كثيرة في روايات محفوظ تتجلى فيها مركزية القاهرة بأشكال مختلفة، والحالة الاستثنائية الوحيدة من المدن المصرية غير القاهرة التي منحها محفوظ حضورا خاصا هي مدينة الإسكندرية، ولكنها هي أيضا مكان لا  حضور  له إلا بخلفية القاهرة، ودورها الوحيد هو أن تستكمل صورة القاهرة، ذلك المكان الذي يُصنع فيه التاريخ. ونجد الأمثلة على هذا في روايتي «السمان والخريف» و«ميرامار». وهذا الأمر مرتبط بشكل ما بتجربة الكاتب نفسه في حياته الواقعية التي لم تتجاوز حدود القاهرة إلا فيما ندر (باستثناء الإسكندرية حيث كان يقضي عطلاته الصيفية).


ولعل ما يضمن لقاهرة محفوظ أن تكون عالما متكاملا هو: مركزيتها السياسية، باعتبارها العاصمة التي تعكس التنوع التاريخي والثقافي. فهناك حالة رضا تام عن حال البيئة المدينية، وبوجود القرافة والصحراء الشرقية أو الخلاء، يتحقق الوجود الحميم بين الحياة والموت - التراث المصري المألوف منذ عصر الفراعنة - مما يعطي عمقا فكريّا لقاهرة محفوظ. وقد تمكن بالفعل من أن يبدع نموذجا مثاليّا لهذه المدينة، وهو يستغل السياقات الثقافية والتاريخية والجغرافية لمدينة القاهرة استغلالا هائلا.


ويبدو أن محفوظ حين كتب عن مدينة القاهرة كان يؤكد ما ذهب إليه «جمال حمدان» من أن تاريخ مصر ليس إلا تاريخ العاصمة، حيث قال:


«ولا نبالغ كثيرا إذا قلنا إن تاريخ مصر ليس إلا تاريخ العاصمة أو يكاد. والمتصفح لتاريخ الجبرتي مثلا ومن قبله السيوطي أو ابن إياس،لا يمكن أن يخطئ هذا الإحساس. حقيقة لقد لعبت بعض الأقاليم دورا تاريخيّا مرموقا، ولكن مثل هذه الأقاليم إنما لعبته بصفتها أقاليم حدود وتخوم معرّضة للأخطار الخارجية. فدور الموانئ الساحلية والنهرية ابتداء من المنصورة ودمياط أيام الصليبية إلى رشيد والإسكندرية وبورسعيد ضد «الفرنجة والفرنساوية أو الإنجليز» هو دور خاص. أما الأقاليم العادية فليس لها دور تقريبا، إنما لها روتين، أو هي على الأكثر «سند» لتاريخ العاصمة»( ).


ولا شك في أن علاقة محفوظ بالقاهرة أو المكان الذي يصوره تجاوزت علاقة الوصف والتسجيل لكل ما يحدث فيه بدقة، ليصل إلى تأكيد وجود البناء، ووجود المسرح الذي تعيش فيه الشخصيات التي يقدمها، فمثلاً كل الأوصاف والتفاصيل لكل الشخصيات؛ من بائع البسبوسة إلى صانع العاهات، تضم المعمار الخاص بها، وهي ليست منفصلة انفصالاً عضويّا عن الرواية، إذ لا يمكن أن تكون شخصية "حميدة" في رواية "زقاق المدق" سوى نتاج لكل هذا الجمع من الشخصيات الحية ومن المكان ومن الحارة نفسها، كل هذا يصنع الشخصية.


ولعلنا نكتشف أنه قد حدث تغير في طريقة تصوير القاهرة، على نحو ما نشهد في "المرايا"، فما من محاولة لتقديم طوبوغرافيا متماسكة للعاصمة. إن القاهرة في "المرايا" ليست العالم المتماسك المحكم ذا الملامح  الواضحة في زقاق المدق أو بين القصرين بزقاقها الذي يمثل مركزا واضحا ونقطة انطلاق، بل هي بالأحرى كيان بلا شكل، أو كيان ممزق الأوصال، متقطع سواء تعاقبيّا أو تزامنيّا، تقطعه محاور عديدة ومركزية مثل: شوارع العباسية وساحة المدرسة وقاعة المحاضرة في الجامعة والمكاتب الحكومية والمقاهي (مثل مقهى الفيشاوي) وصالونات الدكتور ماهر عبد الكريم وجاد أبو العلا وسالم جبر، كل هذه الأماكن تشكل فضاءات رئيسية في السرد، غير أنها فضاءات ليست متماسكة لولا البطل وبعض الشخصيات التي تتحرك فيما بينها، كما أنها تنتظم باستمرار تماشيا مع مسافة جمالية تحققها صيغة ضمير المتكلم الذي يستخدمه الراوي.


ومن ثم لا تبدو صورة المدينة للقارئ في شكل متماسك، بل هي أقرب إلى التشظي فهي بلا طبوغرافيا ملموسة. ولكل مكان داخل هذا العالم المتباين دلالة اجتماعية وأيديولوجية. فيمثل حي العباسية مثلا بالنسبة إلى الراوي زمن البراءة والطفولة، قائم في الماضي وموصوف بغنائية لا تحظى بها بقية الأماكن في النص، أما المكتب - حيثما يقضي الراوي حياته الوظيفية - فهو مكان للحكايات والنميمة والسخرية والرشوة. إنه مكان يرمز إلى انهيار المنظومة الأخلاقية للمجتمع والفساد اللذين ينتشران في كل طبقات الحياة السياسية آنذاك، وكذلك تكون الحال في صالون الدكتور ماهر عبد الكريم وجاد أبو العلا وسالم جبر حيثما تناقش الأفكار بحرية فيما بين النخب الثقافية، وفي المقاهي حيثما تدور المناقشات السياسية يتخللها مزيج من الجدية والسخرية العميقة.


وفي هذه الأماكن نرى النفاذ إلى عمق الاتجاهات الأيديولوجية والفكرية التي تموج بها هذه المرحلة. ونلاحظ أيضا أن انحلال المدينة يصبح رمزا على تفسخ  كامل في القيم والمؤسسات الاجتماعية.


ويكتسب التجوال في الحي القديم زمن الستينيات بعدا آخر، بحيث يجد الراوي قصر الكاتب الذي كان ذات يوم «أحد بيوت النبلاء في العباسية القديمة» قد هُدم ورفعت أنقاضه مخلفا أرضا فضاء تُحفر تمهيدا لإقامة أربع عمارات سكنية. إضافة إلى الدور المهم الذي تلعبه كثير من المناقشات حول الوضع السياسي من حيث كونها مرايا للعصور.