المقهى و المصير الإنساني عند محفوظ

20/12/2015 - 10:36:56

مقهى الريش حيث عقد محفوظ ىندوته فى الستينيات مقهى الريش حيث عقد محفوظ ىندوته فى الستينيات

ممدوح فراج النّابي - أكاديمي وناقد مصري

    من الصعب بمكان الفصل بين نجيب محفوظ، كإنسان وروائي والمكان الذي ارتبط به وعاش فيه، أو الذي استحضره في أعماله بكافة أشكاله الجغرافية والنفسيّة وتجلياته الواقعية والخيالية، ودلالته الرمزية والحقيقية أيضا؛ فنجيب محفوظ انخرط في المكان بصورة لافته حتى عُدّ عند البعض بمثابة عليّ مبارك زمانه صاحب «الخطّط التوفيقيّة»؛ فقد مثّل المكان لدى محفوظ حالة فارقة بحضوره المتعدّد والثري داخل نتاجه الإبداعي على اختلاف أنواعه؛ رواية، قصة قصيرة، ومسرح (من نصوصه المسرحية القصيرة السّبعة، نص بعنوان «الجبل») ونصوص سيريّة كما في أصداء السيرة وأحلام فترة النقاهة، لدرجة أن المكان فارق دلالته الفيزيقية ليصبح مكوّنا فنيّا ودلاليّا داخل أعماله ومفتاحا لقراءة الشخصية المصرية، وما حلّ عليها من تغيُّرات تبعا للأحداث السّياسيّة والاقتصاديّة.


    ومثلما شكّلت أماكن مُتناهية الصّغر مثل الحارة والعوّامة والبنسيون ملامح أساسيّة ارتكزت عليها فضاءات أعماله، فقد شغل المقهى حيّزا كبيرا سواء على مستوى حياته الشخصيّة كمقهى الفيشاوي، الذي يقول عن تأثيره في أحد حواراته «كان جلوسي في مقهى الفيشاوي يوحي لي بالتفكير»، أو على مستوى إبداعه فبرزت أسماء المقاهي في أعماله كجزء من بنية النص كمقهى المعلم كرشة في رواية «زقاق المدق»، أو كعنوان للعمل وإطار تدور في داخله الحكاية مثل مقهى قشتمر والكرنك.


    يتخذ محفوظ من المقهى فضاء مكانيّا رحبا تدور فيه أحداث كثير من أعماله، وعليه تُناقش قضايا مصيرية بعضها يتعلق بالاستقلال والحرية أو بالثورات، وأخرى تتعلّق بالمصير الإنسانيّ، على نحو ما كان «مقهى الكرنك» في رواية «الكرنك»، ومقهى «الزّهرة» في رواية «خان الخليلي»، ومقهى «المعلم كرشة» في رواية «زقاق المدق»، وأيضا مقهى« البوديجا» في رواية «السّمان والخريف». فتفارق المقاهى وظيفتها التي نشأت وتأسّست من أجلها؛ كمكان للتجمع واللقاء بين الناس، إلى مكان مواز وفضاء رحب يصهر جميع الأفكار السّياسية والمذاهب الفكرية على طاولاته، وهي تتجادل في صخب مظهرا حالة من الحيوية السياسية والحزبية من جانب ومن جانب آخر ماثل بينه وبين الوطن الكبير في صراع القوى السياسية وأيضا في سكون الطبقات الشعبية البسيطة منتظرة ما تقرره النُّخبة من مصائر.


    في رواية «الكرنك» الصّادرة عام 1974 احتلّ فضاء المقهى مكانة مميّزة داخل النص، ليس بموقعه الجغرافي المُميّز، أو ما أضفاه عليه من وصف، وإنما في تأثيره الفاعل في أحداث الرّواية التي كان شاهدا عليها وصانعا لها، وقد وازى محفوظ بينه وبين الوطن، فكان صورة مُصغّرة له، حيث تُدار فيه النقاشات السياسيّة والحكايات الاجتماعيّة وتتداول فيه قصص الحبّ والزواج، ومع هذه الأهمية التي جاء في إطارها المقهى إلا أنّ الأهمية الكُبرى له تتمثّل في تجسيد رؤية محفوظ السياسية في فترة مفصليّة من تاريخ مصر الحديث، وقدرته على إزاحة هالة القداسة التي أضفاها المخيال الشّعبي على صورة الرئيس عبد الناصر.


    عبر علاقة أبطال الرواية: إسماعيل الشيخ وزينب دياب وحلمي حمادة مع تنوّع أفكارههم وانتماءاتهم الحزبية، مع قرنفلة صاحبة المقهى، جاء حضور المقهى مرتبطا بالسياسة خاصّة بعد الاعتقال المتكرّر الذي حدث لهم، وهو ما انتهى بموت الشيوعي حلمي حمادة بين أصدقائه، فعلى طاولات المقهى دارت النقاشات حول مصير الثورة التي بدأت تأكل أبناءها المؤمنين بها، وهو ما وصل إلى حالة من السخط العارم، انتهى إلى سقوط المقدس الذي أهالته الجماعة الشعبية والنخبوية من المثقفين على الرئيس بعدما نجحت أجهزة الدولة الأيديولوجية في ترسيخ مفهوم ربط بين الرئيس والدولة في صورة واحدة، فصارت أية إدانة للرئيس هي إدانة للدولة ومحاولة لهدمها. وقد كانت الطامة الكبرى في مقتل الشاب حلمي حمادة، وهو ما زاد حدة الكراهية والإدانة، في ظل هزيمة فشلت فيها الدولة أن تكون رادعة كما عبرت أجهزتها الإعلامية وخطاباتها الحماسية.


    لكن النهاية التي أنهى بها محفوظ روايته كانت مثار دهشة حيث عاد بالجلاد الذي أصاب أرواح الشباب بجروح وانتكسات إلى ذات المقهى، خاصة بعدما سعى لتجنيد الأصدقاء على بعضهم بالتخابر لصالحه، فحدثت الفجوة بين الحبيبيْن زينب وإسماعيل، وبعدما قبلت ما طلبه خالد صفوان، فسلّمت نفسها لإسماعيل، بعدما شعرت بأنها داخليّا صارت مُدنّسة بالتجسّس عليه. انضمام «خالد صفوان» إلى المقهى الذي شهد من قبل مآسيه، وتردّد اسمه كجلاد وطاغية في جنباته، يعكس أحد أوجه تناقضات السُّلطة، فمعني أن يلوذ بالمقهى بما له من دلالة نصية كمواز للمجتمع، بمن فيه من قهرتهم آلته، فهذا يشير ببساطة إلى أن السلطة ـــ كعادتها ــــ تنسى هذه الجماهير، ولا تضع لهم حسابا، وما أن تشعر بحرج موقفها، لا تجد مفرا في أن تنزل لهم. بحالة التماهي يأتي خطاب خالد صفوان، حيث تتماهى الذات الفردية بكلّ ما تحمل من وزر على الجموع، ويتساوى الاثنان في إشارة لتساوي الضحية والجلاد، وهو ما لا يمكن قبوله إلا في حالات نادرة كما حدث مع حالة الرئيس عبد الناصر. فها هو خالد صفوان يريد أن يسير على الدرب نفسه فيقول «كلنا مجرمون، وكلنا ضحايا». ويكرر هذا التماهي مع استخدام بعض الزيادات «كلنا مجرمون وكلنا ضحايا، فمن لم يفهم ذلك فلن يفهم شيئا على الإطلاق». وبهذا كان المقهى شاهدا على مصير الشخصيات التي آمنت بالثورة ودافعت عنها في أخطائها، مثلما كان شاهدا على انخراط السلطة برمزية خالد صفوان، في صفوف الجماهير، في إشارة دالة على أن الاحتماء بالجماهير هو المُطهّر الحقيقي من الآثام السياسية.


    هذا الاحتماء واللوذ بالجماهير يتجلّى بصورة حيّة في رواية «السّمان والخريف» الصّادرة عام 1962، فعيسى الدباغ الشّاب المُفعم بالحيوية السياسية والبدنية، والذي كان ينتظره مُستقبل واعد في السُّلّم الوظيفي، وزوجة سليلة أسرة ثرية، ويتمتع بعلاقات سياسية جيدة، يُهْدمُ كلّ هذا في لحظة واحدة بعدما قامت الثورة، ويخضع للتطهير ضمن من وقع عليهم التطهير نظرا لماضيهم المليء بالثغرات كالحصول على الترقيات بلا حق، ووهبها لآخرين بمقابل هبات وعطايا. فيصبح موظفا متقاعدا، عاطلا عن العمل ينتهي به الحال إلى ركن في مقهى البوديجا مع أصدقائه.


    في لقائه بأصدقائه تحضر على مقهى «البوديجا» الثورة وقرارتها السّلبية من وجهة نظر جُلساء عيسى الدباغ، المختلفين من حيث انتماءاتهم السياسية وولاءاتهم الحزبية؛ سمير عبد الباقي، والمحامي إبراهيم خيرت وعباس صديق. عيسى الدباغ هو أكثرهم تأثّرا ومصابا بانتكسات، بسبب فسخ خطوبته من سلوى ابنة على بك سليمان، وقرار إقالته عن العمل، ويعبر عن شعوره بالهزيمة والانكسار:«لن تجدني منذ اليوم إلا هُنا»، وبهذا يتحول المقهى الذي يجتمع فيه الأصدقاء إلى مكان لاجترار الهزيمة وأوجاعها، باستثناء المحامي إبراهيم خيرت الذي استطاع أن يجد له مكانا في النظام الجديد، عبر مقالاته التي كان ينشرها في الصحف مهاجما الأحزاب. لم تشفع لعيسى الدباغ جلسات المقهى في تخفيف ما أصابه من آثار التطهير، فيقرر الهروب من القاهرة إلى مكان آخر لا يعرفه فيه أحد، ويغادر إلى الإسكندرية وعندما يقابل صديقه سمير عبد الباقي في الكازينو، يلمح عليه التغيير، فقد اكتسى نبرة صوفية في حديثه وتغيرت قراءاته إلى كتب التصوف حيث يمسك في يده بكتاب الرسالة القشيرية. في الكازينو يتحدثان عن مصير عيسى الدباغ، وعن علاقته بسلوى التي مازال حبُّه عالقا بداخله رغم احتقاره لشخصيتها، وفي الإسكندرية يجلس على مقهى التريانون مع صديقه سمير عبد الباقي، يستحضر الماضي والأحداث المتلاحقة التي أعقبت هروبه وملاقته بالفتاة ريري التي اصطحبها إلى البيت من المقهى اليوناني.


    بعد عودته من الإسكندرية عقب وفاة أمه، يتجدّد اللقاء بأصدقائه في مقهى البوديحا، ولكن بعد أن صار اثنان منهما ذوي شأن في الدولة أحدهم كموظف في الحكومة والثاني ككاتب في صحفها بهجومه على الأحزاب. ومع تبدل طبيعة الحوارات الجديدة التي يفرضها سياق الواقع كانتكاسته بعد موت أمه، وزواج سلوى من حسن ابن عمه وصعوده الاجتماعي والوظيفي اللافت، إلى أحاديث عن الزواج خاصة بعد لقائه بقدرية أثناء عرضه لبيع البيت؟ لكن تعود الأحاديث إلى السياسة مرة أخرى بعد تأميم القناة، وحدوث العدوان الثلاثي، فتتكرر حالة سقوط المُقدس، وهذه المرة من أصدقائه الذين غنموا من النظام الجديد بعد أن ساروا في ركبه، الغريب أن عيسى هو الوحيد الذي عرى الجميع، بعد حالة الصفاء التي ارتضاءها لنفسه، ودعوته أصدقائه بنسيان الهزائم الشخصية  فيسألهم  سؤالا صريحا:


ـ أتودون حقا أن يهزمنا اليهود؟ ومع الأسف تأتي الإجابة صادمة تكشف عن حالة من الكراهية تصل بهم إلا استجداء الهزيمة للتخلُّص مما وصفوه بـ «جيش الاحتلال الجديد».


    في رواية «خان الخليلي» الصادرة عام 1949، يحضر المقهى بوظيفته الاجتماعيّة حيث مكان للقاء والتعارف والتسلية. قبل الانتقال إلى الحيّ الجديد كان الأب عاكف أفندي يرتاد «مقهى فيتا» بغمرة ليلعب النرد مع الصحاب، ولكن بعد أن لقبوه بطريد الحكومة فلم «تطأ قدمه قهوة بعد ذلك». ومع انتقالهم أو هروبهم من السكاكيني إلى خان الخليلي بالحسين بعد اشتداد الغارات أثناء الحرب، كانت المقاهي علامة مميّزة للمكان، وهو ما جعل ثمة زخم في المكان أقلق أحمد عاكف نوعا ما. يلجأ أحمد عاكف الموظف بوزارة الأشغال إلى قهوة «الزهرة» التي يجتمع عليها أفندية الحيّ المحترمين بعدما أشار له عليها المُعلّم نونو الخطاط. في بداية الأمر أقبل عليها متمهلا متردّدا، فتعرّف فيها على أصدقاء، وتتبادل هذه الشلة المختلفة الأطياف الأحاديث عن أسباب الانتقال وعن الغارات والحرب، إلا أن يعودوا إلى الهدف الأساسي الذي يجتمعون فيه بالمقهى وهو التسلية باللعب، وأحيانا في الثقافة مثلما تحدث أحمد عاكف عن فرويد وماركس.


    غلبت الوظيفة الاجتماعية على المقهى، حتى أن أحمد عاكف بدأ عندما يحل المساء رويدا رويدا يستسلم لعادته الجديدة في الذهاب إلى مقهى الزهرة وقد استأثرت بنصف الوقت المُخصّص للمطالعة، وقد تنوعت الأحاديث والسهرات وفقا للأيام والحوادث فعندما هلّ رمضان أخذهم الحديث عن سهرات رمضان وكيف يقضونها. إلا أن الأحداث السياسية فرضت نفسها، وبخاصة بعد الانتصارات التي حققها الألمان، وتقدم جيوش الفوهرر، وهو ما جعل متابعة الأحداث والتعليق عليها يمثّل شيئا أساسيّا لمرتادي المقهى، نظرا لتعلق مصير المنطقة بهذه الحرب، لكن الجانب الأعظم ذهب إلى الأحداث الاجتماعيّة.