« مريود » .. الطيب صالح

20/12/2015 - 10:35:40

الطيب صالح الطيب صالح

فوزية مهران - كاتبة مصرية

الكاتب العظيم كالنهر يجرى إلى أمام - يفيض عذوبة ورزقا. الكاتب المبدع “الطيب صالح” طبع قلبه ووعيه على النيل يتدفق بالمحبة. يقول على لسان أحد أبطاله : “يوم الحساب .. يوم يقف الخلق بين يدى ذى العزة والجلال ماعندى شىءأضعه فى ميزان عدلك سوى المحبة”.


وهو نفسه الإنسان المحب للخلق.. للأرض.. والطبيعة والأحلام ويمد إلى المستقبل.


تعلم من النهر كل الأشياء - استغرق فى الصمت العميق - تعلم فضيلة الإصغاء .. تتبع مجرى التاريخ والأسرار - تعلم المخاطرة والمواجهة والاستباق - ارتوى من قوة الماء - تدرب على انطلاق قوى الخيال والأحلام - خيال فريد “منطلق من النهر إلى السماء” أرهف السمع إلى الأنين والحنين وعذابات السنين والطين - احتضن مع النيل كل الزمان والمكان واختلاف الليل والنهار.


ومثله كان يجرى إلى أمام - يريد النمو والارتقاء - الحصاد من نور العلم والمعرفة - وإزاحة أوجاع التقاليد والخرافات.


يتحدث عن قريته “ود حامد” .. جذره فى السودان وهواه مصر ورسالته للعالم والإنسان فى كل مكان.


أسلوبه يتميز بالدفء .. بالبساطة والعمق - وجاذبية الأفكار الجديدة المضيئة والتصوير الجمالى الواقعى لحياة الناس والمكان - الغوص فى أدق المشاعر والرؤى - وهو يدرك تماما رسالة الكلمات وقيمة الأحلام.


لاشىء يعدل لديه حديث الذكريات - فيها حياة ثانية - وتأمل وبعث جديد - رواية “مريود” يتبع فيها تداعى الذكريات - كما ترد إلى الذهن مباشرة - يتبع فيها تتابعا غريبا ومثيرا للأحداث - على حسب اللحظة والمكان والأصدقاء - مجرد جزء من مشهد صغير ثم يقفز إلى لحظة أخرى - يحكى برعشة الأشواق - بمرح الصبا .. واشتعال الحنين وحركة المياه والضياء - وكأن على القارئ أن يشاركه الخلق ويعيد ترتيب الأزمنة واللقطات تشعر معه أنه يصحبك إلى تلك القرية المدهشة “ود حامد” - المتاحة .. صعبة المنال - المروية بماء النيل وتحتضنها غابات النخيل وتحدها صحراء - تسورها صخور وأطلال وهضبة وبقايا قصور وأساطير القابضة على التقاليد والقيود - وتسير معه طريق العشق والآلام تفاصيل الحياة اليومية - واللهجة العامية - وتحليق الأحلام وخصب التمرد المشبع بالإيمان.


“قرية بعيدة عن الحضارة .. عن الزخرف - عن العمران وعن السلطة”.


ما سر تلك القرية التى ارتعشت لأذان الفجر بصوت من سموه “بلال” لجمال صوته وحسه “أخذت ود حامد تكبر وتعلو وتتسع فكأنها مدينة أخرى فى زمان آخر وكأنها بإنسها وحيوانها وشجرها وحجارتها وطينها من برها إلى بحرها قد اهتزت وارتجت” فالصوت ينبع من القلب.


يبدأ والراوى يعود إلى ود حامد - محيميد أو مريود يبحث عن أماكن لعب الطفولة - يستعرض “عصارة الحياة” وهو يقاوم “رغبة جارفة فى البكاء” يشدد قبضته على المقبض العاجى لعصا جده - “كأنها امرأة أبنوسينة عارية وسط الرجال - يحس ملمسها ويتذكر مريم - ومع خبط العصا على الدرب تتيقظ الرؤى والأصوات والعطور والأصدقاء - كانوا أربعة يعيشون مثل الماء والهواء - يتذكر جده - “اختاره دون أبنائه ليكون ظلاله على الأرض” - كانا مثل توأمين - يتسابقان - يسبحان - يتصارعان - يدخلان حلقة الرقص معا. يرسم لوحة تنبض إثارة وحياة يجسد الرقصة بما فيها من مشاعر - تنافس - صراع - رغبة - وموسيقى مرئية.


“ترقص الفتاة بين الجد وحفيده - فى دائرة جذب مغناطيسى مدمر تتأرجح الراقصة كأنها مشدودة بخيوط غير مرئية - بين قطبى البوصلة - ترمى شعرها على وجه الماضى - وعلى المستقبل - تلمع عيونهما ويزعقان” تمادى الحفيد وغار الجد .


توجد دائما شجرة أثيرة فى كل القصص والروايات . زرعها منذ أربعين عاما أطلق اسمها على مريم “مريوم” - رف طيف الصبا مثل برق فى أفق بعيد - مست صدره وهما يلعبان فى الماء - ينتظرها وأخاها “محجوب” فى الصباح - خارج الحى - ومعهما الجلباب والعمة والحذاء وتتحول مريم إلى ولد - لأنها تريد أن تتعلم - فى الفصل الأخير يكمل قصة التنكر - لم يكن مسموحا للبنات التعليم - ولم تكتشف الخدعة لمدة ثلاثة أعوام ثم “فارت الطبيعة”.


وبقيت “أنثى فى البيت” لكنها المرأة صانعة الحضارة وتقيم الحياة - أحبها مريود ورفض الجد - وحين حمل جثمانها بين ذراعيه كان يدرك “أى ثمن باهظ يدفعه الإنسان حتى يدرك حقيقة نفسه والأشياء”.


كان فى السابعة يوم ألقاه الجد فى النهر ليعلمه السباحة وتعلم من الإحساس بالخوف - طيب المجازفة ولذة الانتصار على النهر حتى استطاع أن يعبر الدوامة. صديقه الطاهر ود الرواس يتحدث مع السمكة - تتدلل عليه - يمازحها - قال مرة وهما يرقبان شروقا كأنه المغيب “الحياة ما فيها غير الصداقة والمحبة”.


تلك هى إحدى القمم التى تصل إليها الرواية - ضرورة التعليم - وأعظم قيم الحياة الصداقة والمحبة - “والدنيا ما فيها غير الونسة”.


يكمل الطاهر “خصوصا والزمن بقى زمن كلام - إذاعات وجرانين واتحادات وهوسة - الإذاعة تلعلع العمال والفلاحين والاشتراكية - الرجعية مصيبة ووقعت علينا - سألنى الحاج سعيد العمال والفلاحين بلدهم فين؟”.


- يعنى نحن ! والرواية كتبت 1977 - يعود لحكاية - بلال المؤذن - ونكتشف أنه الأب الحقيقى للطاهر - يقول شيخه نصر الله ود حبيب - إن صوته نزل من السماء - هل يشير إلى أننا فى حاجة إلى مؤذن - إلى من يوقظنا ومدننا من الأعماق - يدعونا للعمل والصلاة - فمن يعرف كيف يصلى يعرف كيف يعيش.


يعاود الكاتب تأكيده لتفرد شخصية القطب ود حبيب قال لمن أمره أن يأتى إلى أم درمان “إن أمراء المسلمين إذا أخذ منهم الاغترار وتزينت لهم الدنيا وأعجبهم كثرة أنصارهم وبدا لهم أنهم أقوياء ضربهم الله بصولجان عزته وقصم ظهورهم ومكن منهم أعداءهم”.


قصة الحب فى مريود - من أجمل قصص الحب فى الروايات العربية - إنها مرسومة بريشة شاعر محب .. مجرد دائرة من لون ثم لمسة فرشاة بلون آخر - ويصعد العطر والحب والشوق وتظل محفورة فى الأعماق.


بنت بمائة رجل - تحفظ القرآن - تصر على حقها فى التعليم .. فى العاشرة تحب مريود وهو دون الثالثة عشرة - تنتزع حقها فى الحب والتعليم والحياة - والحلم تحلم بإنجاب عشرة أطفال -تسكن البندر حيث المدارس والكهرباء - حلمها البسيط الساذج يرتبط بالتقدم بالمستقبل - كانت تراه .. تسعى لتحقيقه - تصر عليه تقاوم القيود. وتترك أثرا موحيا.


قصة الحب كقصيدة شجية - فى  موتها حياة جعلها الطيب أجمل صورة لفتاة عربية - تختار عمل أولادها - فى الأحلام.


محام يدافع عن المظلومين - ومهندس يعيد البناء وحكيم - وناظر مدرسة - والباقى معلمون ومعلمات والمدرسة بناء جميل من الحجر “وسط الجناين” وتأتى صيغة الحوار - لتأكيد المعنى - ومتى تلدىن هذه الأمة كلها؟ كان الحلم فتيا.. براقا .. وسيبقى الحلم فينا دائما -ولابد من تعليم جيد لنقيم الإنسان والأوطان”.


يقول مريود : دفناها عند المغيب كأننا نغرس نخلة أو نستودع باطن الأرض سرا عزيزا”.


عاد الكاتب البديع إلى قريته .. دفن بجانب نخلة سامقة.. شامخة صامدة ومثقلة بالثمار وعطر “المحبة” والرؤى والأحلام.


والروح تحلق فى السماء - والحلم يتحول إلى مسار إلى عمل خلاق - ونسمع فى الفجر النداء.