في رواية « الغلس » .. الخوف يصنع الأساطير

20/12/2015 - 10:34:28

رواية الغلس رواية الغلس

انتصار عبد المنعم - روائية مصرية

"يرى الكثير من النقاد العرب أن القصاصين – والمبدعين عموما – قد تحولوا من فاعلين في الحياة إلى مفعول بهم في الواقع العربي. فبعد أن كانت قصيدة واحدة من (مهدي) الجواهري تكفي لانطلاق تظاهرة عارمة تندد بالطغاة حدّ الاشتباك بقوات السلطة وسقوط شهداء أحبة، لم يعد يحضر أماسي الشعر سوى الشعراء أنفسهم. وقل الشيء نفسه عن القصة والرواية". هذا ما قاله الدكتور حسين سرمك، وهكذا الحال بعد أن ظنَّ الساسة أنهم آلهة ومن غير اللائق أن ينتقدهم أحد ولو على سبيل النصيحة، وأصبح الكتاب والمثقفون قليلي الحيلة لا يستطيعون الجهر بالنقد المباشر، فلجأ منهم عدد غير قليل إلى العودة إلى أسلوب الرمز الذي لجأ إليه سابقا منذ ابن المقفع بترجمته لكتاب "كليلة ودمنة" لتجيء الحكايا على ألسنة الحيوانات مثل البوم والغربان والجرذان، تكشف عن خفايا السياسة الخارجية من جهة، والسياسة الداخلية في الدولة وصراع السياسيين وتنافسهم من جهة أخرى.


    والأديب السوري "ماجد رشيد العويد" الذي يعيش الآن في منفاه القسري بتركيا، من الأدباء الذين لجأوا إلى الرمز في رواية "الغلس" تجنبا للصدام المباشر مع سلطة حزب البعث في سوريا عموما وعيونها في مدينته "الرقة" على وجه الخصوص، ليبين فيها وبأسلوب غير مباشر كيف تصنع الشعوب طواغيتها بنفسها.


    تطرح رواية "الغلس" الصادرة عن (الدار العربية للعلوم ناشرون)، فكرة الخوف حين تسيطر على الشعوب، وكيف يتغلبون على شعورهم بالعجز بالتحايل على أنفسهم وإلباس الشخص الذي يخشونه لباس الهيبة والقداسة وصولا به إلى مرحلة الأسطورة هروبا من مواجهته. وكما قال الشاعر الفرنسي دوبان "الشعب الذي لا أساطير له يموت من البرد" فبرد الخوف من "العم حمود" تحول إلى دفء يجمع الناس في "الرقة"، عندما تحول إلى أسطورة، يتلمسون عنه خبرا منذ أن كان حاكما لبلدة صغيرة أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم عضوا في البرلمان، ثم حاكما مطلقا يخافونه في غيبوبته قدر خوفهم منه في حياته. أسطورة العم حمود أفلحت في أن تُذهب عنهم برد الخوف لأنها خلقت نوعا من الذاكرة الجماعية القائمة على فكرة خيالية تماما، أو من خيال تولد من حقيقة صغيرة، ثم توارت بعد ذلك الحقيقة في عباءة الخيال لتتحول جميعها إلى أسطورة لا يستطيع أحد معرفة الجزء الحقيقي من الخيال المنسوج عليه.


     تتناول الرواية حياة مجتمع البداوة والريف، في مدينة "الرقة"، منذ بدايات القرن العشرين، وتحولات المدينة متزامنة مع الحرب العالمية الثانية، وحربي 67 و73 ثم حرب الخليج الأولى، من خلال الشخصيتين الرئيسيتين "هلال" الذي يعيش على حكاية علاقته ببنت من بنات الجان، أما الشخصية الثانية فهي شخصية الدكتاتور "حمود" في حياته وفي سباته الذي يزيد على الأربعة عقود، إلا إنه ومن داخل سباته، يحكم القبيلة بسلاح الخوف الذي زرعه فيها فترة حكمه، لتتحول كل حركة من جسده وهو في غيبوبته إلى علم له قواعده وأصوله، يمتثل لها الجميع وإلا تعرضوا للسجن والتعذيب. ويعيش الناس حالة من الخوف المرضي من "حمود" على الرغم من أنه لا يملك من أمره شيئا، فهم يلبسونه ثيابه، ويحركون له أطرافه بأنفسهم، ويقضي حاجته بمساعدتهم .


    دخل حمود موته السريري فترة تزيد على الأربعين عاما، في العام الأول من سباته كان الناس يتوقعون موته، ولكن بمرور العام تلو العام، فقدوا الأمل في موته، ويكبر الخوف بداخلهم مع كل إشارة ينقلها أولاد المسبوت والمقربون منه الذين يقومون بتأويل أي إشارة أو بسمة وتحويلها إلى أوامر ودروس يجب على الجميع اتباعها. ويدخل الدكتاتور مرحلة (الأسطرة) متحولا إلى أسطورة تنمو يوما بعد يوم. ففي أول سباته، رسموا له صورة وهو على ظهر فرس كميت، يلبس العقال. وبعد خمس سنوات، رسموا صورة أخرى يقود فيها سيارته المرسيدس. وبعد دخوله السنة الثلاثين من سباته العظيم رسموا له صورة ثالثة وجعلوها في إطار من الآيات القرآنية. وعلّقوا الصور على الجدران ينحنون لها عند كل صلاة، واحتلت الصور شاشات التليفزيون الوطني. في السنة الثانية بعد العشرين من السبات هبطت إليه الملائكة. ومع ابتداء السنة التاسعة والعشرين من السبات قرروا أن حمود ليس مجرد إنسان، وإنما هو بعض نبي ورسول. وصار في سباته مزارا يحج إليه الزائرون من مختلف البلاد والأقطار. وبعد استمرار السبات واقترابه من عامه الثالث والأربعين آمنوا أن الولاية له، وأنه سيظل يحكم الحي والأحياء الأخرى من سريره عبر الإشارات التي يرصدها أبناؤه ليقوموا من بعد ذلك بتحويلها إلى قرارات نافذة نفاذ الموت. ثم وصل إلى مرحلة الإله، فهو المنزّه، المعصوم، الرشيد. وهكذا اكتملت الأسطورة التي صنعها الخائفون، وصنعوا لأنفسهم إلها، يقدسونه في سباته وهو لا يملك من أمر نفسه شيئا. ويلجأ "هلال" أيضا لصنع أسطورته الخاصة مع زمردة الجنية ولقاءاته بها عند الغلس، وعلى دفء الأسطورتين، يقضي الناس أماسيهم لا يشغلهم أمر آخر.


    وكما سيطر حمود على حياة الناس في حياته وفي غيبوبته، فرض سيطرته أيضا على سير الرواية نفسها. قسم "العويد" النَّص إلى توطئة، قدم فيها الفضاء المكاني للرواية (الرقة)، ثم أربعة فصول يأخذ كل فصل عنوانا فرعيا تمنح المفاتيح للقارئ لدخول أجواء كل جزء والتجوّل في عوالم هلال والعم حمود وغيرهما. جاءت لغة السرد مباشرة تقريرية، عبر راو غائب (هو) عالم بكل شيء عن شخصياته، ماضيها وحاضرها، كما لجأ السَّارد إلى سرد التفاصيل، ليتوقف عند حكاية هلال مع الجنية زمردة غير ذي مرة، وكذلك مع اليهودية راحيل، وكيف حملت بابنه ذي الطبيعتين، والتي اعتقد أنهما الطين والنار، ليتجلى له ذات حلم ابنه من راحيل وليس من زمردة الجنية.


  من دواعي السخرية، أن يأتي التغيير في شخصية هلال بعد تجربة السجن، فالسجن الذي يقيد الحريات، أطلق الحرية لهلال كي يستخدم عقله للمرة الأولى. فسنوات السجن جعلته يعيد التفكير فيما عاش عليه عمره كأنه من المسلمات. بوادر التغيير والمقاومة جاءت في السنة الخامسة والثلاثين للسبات، حيث تعرض هلال لهزة إنسانية نتيجة رفض "فارعة" له، ونتيجة الحرب العراقية الإيرانية وتعاطفه مع الضحايا من الطرفين. تأثر هلال برفض فارعة له جعله يهمل حلاقة لحيته، في الوقت الذي تصاعد فيه الخلاف بين النظام البعثي والإخوان المسلمين، ليتم القبض على هلال بسبب لحيته. وفي السجن يقضي خمس سنوات، تعرض فيهم لصنوف من العذاب، وشاهد غيره يتعرض لصنوف أخرى لم يكن يظن أن بمقدور إنسان أن يفعلها في إنسان مثله يحمل لسان الوطن ذاته وجنسيته. ويدرك أن وطنه حيث يكون كائنا بمواصفات إنسانية لا يجرّده منها أحد. وبعد خروجه من السجن، أدرك أن خمس سنوات كانت كافية لحدوث التغيير في معالم مدينته. أدرك أن الأغاني الوطنية التي كان يسمعها تسوّق الدكتاتور، إنما أرادوا  بها تخدير الناس وقد أدّت دورها على مدى سنين طويلة. وأدرك هلال كذب الصفات التي سمعها عن عمه الحاكم المعصوم المنزه الرشيد، المطهرة أحشاؤه قبل ظاهر بدنه، في حين أنه كان بيده يقود عمه حمود لقضاء حاجته. وبدأ يدرك أن خلاصه سيكون مع موت عمه حمود، ولكن كيف؟ الأمر يبدو مستحيلا بعد أن وصلت درجة الإيمان أو الخوف من عمه أقصى درجاتها، لا يستطيع مناقشة فكرة التخلص من الدكتاتور النائم مع أحد من أقاربه، ولا من بقي من أصحابه، ولا يستطيع الوصول إليه وهو محاط بأبنائه، وبالمؤمنين بجبروته الأزلي.


    ويبدأ هلال رحلة المقاومة بالمعرفة وتعلم القراءة ومتابعة ما يدور حوله. تحول المذياع بعد خروجه من السجن إلى رفيق دائم، لينتهي به المطاف على الجسر الذي شهد تاريخ عمره الذي تجاوز الستين، وكذلك نهايته التي لا يعلمها أحد على وجه اليقين، والتي ربما تكون وراء القضبان.


    وهكذا قال العويد في "الغلس" ما يريد قوله للنظام بطريقة غير مباشرة، وتحدث عن الحاكم المستبد، وعن مجازر حماة، والسجون التي انتشرت عبر الرقة وكل سوريا، عبر الجن والأساطير ليضمن سلامة المقام لنفسه ولأهله في الرقة قبل أن يستقر في المنفى مؤخرا.