« "جُدُّ كاب » .. الهجرات النوبية وتأثيرها على اللغة

20/12/2015 - 10:33:36

رواية جدكاب رواية جدكاب

جمال الطيب - كاتب مصرى

من خلال مذكرات "جُدَّ كاب"، ذلك الفتى النوبي الذي عاش فى نجع "أرنال" التابع لقرية "أدندان" بالنوبة القديمة، ومسيرة حياة طويلة عاشها هناك، ثم انتقاله إلى القاهرة عام 1935 وعمره لم يتجاوز أحد عشر عامًا، يروي لنا الكاتب النوبي "يحيى مختار" الأحداث التي واكبت هذه السنين وما شهدته من أحداث تتعلق بالشأن النوبي؛ فهو يحدثنا عن الهجرات المتوالية للنوبيين في أثناء تعلية خزان أسوان الأولى والثانية، والهجرة الأخيرة بعد إنشاء السد العالي.


وبنظرة موضوعية ثاقبة، يحدثنا عن السد العالي بإيجابياته، التي تدفع الوطن إلى التنمية والتقدم، وسلبياته التي يراها متمثلة في سوء اختيار موطن الهجرة "كوم امبو" بأسوان وعدم ملاءمة النسق المعماري الذي قامت عليه المساكن هناك للمجتمع النوبي بأبنيته القميئة - كما يراها - وبُعدها عن النيل الذي يُعَد من طقوس الحياة اليومية لدى النوبيين. كما يحدثنا عن القوانين الاشتراكية التي صدرت بعد ثورة 23 يوليو 1952 ومردودها الإيجابي عليه، خاصة فيما يتعلق بمجانية التعليم الذي استفاد منه هو ومن على شاكلته من الفقراء المحرومين.


يتعرض الكاتب من خلال المذكرات لهزيمة يونيو 1967، وبنظرة واعية مدركة لأبعاد هذه الهزيمة، والتي يصفها بالمؤامرة من الاستعمار والصهيونية لوقف مسيرة التنمية التي كانت تسير عليها البلاد، ومؤازرتها لحركات التحرر في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، ورفض الشعب للهزيمة برفضه تنحي الزعيم "جمال عبد الناصر" والتمسك به ومطالبته بالاستمرار مما فوّت على الأعداء فرحة النصر، فكان بطعم الهزيمة، وبدء حرب الاستنزاف التي أنهكت العدو استعدادًا للنصر القادم والذي تحقق عام 1973.


    يسلّط "يحيى مختار" الضوء على الشأن النوبي الخاص، ما يتعلق بالأرض وارتباطها بالهوية واللغة النوبية التي لا تُكتب، وخشيته هو وزملاؤه من النوبيين عليها من الاندثار، ومحاولاتهم الدؤوبة في الحفاظ عليها وعلى التراث النوبي من خلال جمعيات حرصوا على إنشائها كمحاولة لإحيائها وضمان استمرارها، ويرون أن الموسيقى النوبية خير وسيلة للحفاظ عليها بموسيقاها المختلفة حتى عن الأغنية الشرقية ب "سلمها الخماسي".


مدلول عنوان الرواية "جُدُّ كاب"، يُعرّفنا به المؤلف خلال السرد، فيقول على لسان الشيخ "حسن شفا" البالغ من العمر مئة عام والذي يُعد حامل التراث النوبي في القرية: "إنه من سلالة الحكام في مملكة "كوش القديمة"، وإنها السلالة الرفيعة التي تسلّلت وبقيت حية لتنجو من تقلبات الزمن والأحداث، ولتظل دليلاً حيًّا على تلك الحقبة البعيدة والعريقة". وعن بطل الرواية "محمد سليمان أحمد جد كاب"، يجيء وصفه على لسان أخته "فاطمة" فتقول: "يشبه أباها.. حاجباه الكثيفان المتباعدان.. عيناه الواسعتان السوداوان اللامعتان.. فقط أبصرت في أعماقهما انكسارًا وحزنًا دفينًا.."، ثم تعود فتقول: "ورث هيبة أبيه وصمته العميق.. يتحدث مثله بتؤدة وبحروف واضحة قاطعة".


يؤكد "يحيى مختار" أن هجرة النوبيين إلى الشمال حلم ظل يراود أحلام الجنوبيين فيقول "جد كاب" عن هذه الهجرات التي سمعها من الشيخ "محمد دخيل الله" إمام الجامع: "النيل بخيل عندنا.. تعتصره الصحراء من الجانبين ليخنق الوادي"، ثم يستكمل فيقول: "ورغم ذلك ما يحيره حقًّا من أمرهم أنهم جميعًا يقولون: "لولا خزان أسوان وتعلياته ما تركنا بلادنا"، أي اعتذار يقدمونه لموطن أجدادهم؟! ياله من اعتذار مشحون بالأسى والندم!!". وهنا يُحسب للمؤلف صراحته وكشفه لأسباب الهجرة الحقيقية وهو ابن النوبة، وتبرئته لتعليات الخزان من التهمة التي يلحقونها به.


    قوبل بناء السد العالي بالحنق وسبب غصة في الحلق، "السد سيقتلع الوجود النوبي من جذوره" كما جاء على لسان الشيخ "حسن شفا".


    ينظر "يحيى مختار" إلى مشروع بناء السد العالي نظرة تخلو من العواطف والحنين وتغلب عليها مصلحة الوطن الأكبر، وذلك بعد القوانين الاشتراكية عام 1962 التي أصدرها عبد الناصر من تأميم للمصالح والبنوك الأجنبية، فيقول: "الآن أرى أنه يمكن التحدّث عن مصر الجديدة التي يمكن أن تكون جنة الله في أرضه".. ولكن لديه بعض المآخذ على موطن التهجير الجديد "كوم امبو" والعمارة السكنية لأهل النوبة هناك فيقول عنها معاتبا: "كان ينبغي أن تكون هناك لجان مشتركة من النوبيين والمسؤولين، على اعتبار أن التهجير شأن نوبي خالص في المقام الأول، وبعد ذلك يأتي دور الإدارة الحكومية لتنفيذ ما استقر عليه أصحاب الشأن، وهم النوبيون".


هزيمة يونيو


نراه يؤكد حبه وعشقه لوطنه الأكبر لنظرته الواعية بهمومه ومشاكله والتحديات التي يواجهها، وكانت هزيمة يونيو 1967 هي الدليل الصارخ على تلك التحديات والمؤامرات التي كانت تُحاك لمصر عبد الناصر، والتي يقول عنها: "الاستعمار والصهيونية تآمرا على مصر وزعامتها لإدراكهما القوي بمدى خطورة المد الثوري الذي تمثّله مصر وزعامتها، حتى أصبحت مصر قدوة ومنارة لدول إفريقيا والعالم الثالث"، ثم يحدثنا عن حرب الاستنزاف، ليؤكد على ثقته بشعبه وبزعيمه، فيقول: "فمصر رغم فداحة خسائرها لم تنهر، وأن مصر الشعب تدرك أن الحرب سوف تطول، وأن بدء استنزاف قوة جيشهم الذي يعتبرونه لا يهزم قد بدأت ولنرَ من سيكون أكثر صبرًا واحتمالاً".


وتسجل الرواية بعض الأدباء والمبدعين من أبناء النوبة، وعلى رأسهم محمد خليل قاسم: "ابن قرية "قتة" صاحب أول رواية نوبية "الشمندورة" عن دراما التعلية الثانية لخزان أسوان عام 1933 والتي تحوّلت إلى مسلسل إذاعي من إخراج الراحل "محمود الشوربجي"، وعن المسلسل وصداه في الأوساط والمجتمعات النوبية يقول: "مسلسل أبطاله على النقيض من الصورة الفجّة التي دأبت السينما والمسرح على تقديم الإنسان النوبي بلونه الأسمر وفي صورة يبدو فيها أبلهَ.. سفرجيا أو بوابا أو سائقا...".


    وعن الحنين إلى الوطن تحدثنا "فاطمة" أخت "جد كاب"، والتي تعيش بالقاهرة "رغم تميز المعيشة في برّ مصر عن الحياة في (أدندان)، فإن عشقي وحنيني لا يضرب إلا في تلك الأرض الفقيرة الطيبة، والتي تفتّحت أعيننا عليها أوّل ما تفتّحت". مونولوج غاية في الشجن ينقل إلينا واقع الغربة ومعاناة المغترب هناك مهما توفرت له سبل العيش الرغيد.


ومن الطقوس النوبية التي تتوازى مع حلم العودة يأتي "الحرز" لضمان العودة مهما طال الفراق، وهو ما قام به "جد كاب" في وداعه الأخير للقرية: "والآن يحرص بدوره على أن يجمع قبضات من التراب من كل نجوع "أدندان"، ومن حوش دارهم ليحتفظ بها ذكرى يورّثها لأبنائه.. تحمل رائحة وروح وجودهم القديم في الأرض الغالية، ولتكون أيضا تميمة وحرزا، ربما لعودة قادمة من زمن قادم لا محالة حول البحيرة في بعث جديد للنوبة، ربما لا يبلغ هو زمنه، ولكن ربما أولاده وأحفاده".


    ويتطرق المؤلف إلى أهمية التعليم ودوره في بناء مستقبله وتغلبه على الصعوبات الكثيرة التي واجهته ولم تثنه عن مواصلة مشواره، وكان الدافع لهذه العزيمة هما عاملان، أولهما وصية والده له، وثانيهما تشجيع أستاذه "أحمد جيل" القاهري بقوله له: "إنت مش شاطر وبس.. إنت فيك حاجة غريبة.. هبة إلهية.. إياك تسيب الدراسة.. مستقبلك في التعليم.. إوعى تشتغل خدام.. سفرجي أو بواب.. راح تبقى إنسان كويس قوي". وعن اللغات وأهميتها ودورها في حياته، والتي استطاع أن يتقن منها اليونانية، الفرنسية والإنجليزية، ولكن كل ذلك بعد إجادته للغة العربية التي يؤكد على أهميتها وضرورة إتقانها، وكأنها إشارة للذين يهتمون ويحرصون على تعلم اللغات الأجنبية على حساب لغتهم العربية، على الرغم من صعوبتها عليه، وهو الذي لا يعرف من اللغات إلا لغته النوبية، والتي يقول عنها أستاذه أحمد جبيل: "رضعتم لغتكم المختلفة عن اللغة العربية مما يجعل الأمر معقدا لكم ولنا نحن المدرسين الذين لا نعرف لغتكم".


    طوال قراءتك للرواية تشعر أن الفراق يحوم حول صفحاتها، سواء برحيل الأحباب جسدًا، أو بفراقهم الجغرافي الاضطراري، والذي يحجب عن عينيك رؤيتهم، وهنا نجد "جد كاب" لا يفرق بينهما، فكلاهما عنده يحمل معنى الموت الذي يقول عنه: "أن يكون الإنسان حيًّا بحق يعنى أنه يحيا من خلال نسيج العلاقات مع الآخرين.. والموت هو تقطّع هذا النسيج".


الرواية شائقة كتبها بصدق ويروي فيها سيرة حياته الحافلة بالعثرات، سواء على المستوى الخاص والعام، وبلغة تتنوّع بين العامية والفصحى بما يتناسب مع الشخصيات والأحداث، وبسرد متصل دون انقطاع.. يهتم بذكر تواريخ الأحداث، فهو شاهد عيان عليها، يرويها كما عاشها وخبر أمورها دون أن تحمل كلماته أية ضغينة أو كراهية لمن تسببوا في هذه المأساة، فكلماته تحمل كل الحب لهذا الوطن، حتى إنه يرى أن هذه كانت تضحية واجبة تجاهه.


    ولكن هذا لا يمنع من الإشارة إلى الأخطاء المطبعية بالرواية (التي أصدرتها الكتب خان في القاهرة)، وكذلك تكرار بعض الشخصيات والأحداث بالرواية (محمد خليل قاسم - مسلسل الشمندورة).